الرأي

ربيع فارس في خريف ولاية الفقيه؟

حبيب راشدين
  • 4186
  • 11

الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها كبرى المدن الإيرانية منذ الخميس الماضي هي أقرب إلى بعض مشاهد الربيع العربي المسير منها إلى الاحتجاجات التي أعقبت انتخاب أحمدي نجاد في جوان 2009، وقد بدأت ـ مثل أحداث تونس ومصر ـ سلمية اجتماعية قبل أن تتخللها أعمال عنف وتخريب بحصيلة قاربت الـ 30 قتيلا حتى الآن، واستفادت بتأييد خليجي وأمريكي صريح، وموقف حذر من الدول الأوروبية ومن الحليف الروسي.

وجه الشبه مع أحداث الربيع، أن المطالب قد جمعت بين تدهور أحوال المعيشة، من جهة البطالة والغلاء، وبين مظاهر الفساد السياسي والمالي المتفشي في أوساط النخبة الحاكمة، كما حاكت الربيع العربي من جهة الطرفين الأكثر حماسا في دعمها، حتى وإن كانت السعودية والولايات المتحدة، المتهمتان رسميا على لسان الحكومة الإيرانية، هما في حالة ركوب متعجل لأحداث لم يتوقعها أحد.

فالحكومة الإيرانية نفسها فوجئت بتطور الاحتجاجات، وبداية استدامتها، وتوسع رقعتها منذ يوم الخميس، كما فوجئت خاصة بانتقال الاحتجاجات سريعا، من التظاهر السلمي إلى أعمال عنف وتخريب استهدفت مقار الشرطة، وبعض الحسينيات، والمرافق العامة، ولم يكن بوسع الحكومة توجيه أصابع الاتهام لأي طرف داخلي من المعارضة، كما وجدت صعوبة في تحديد هوية الجهة التي تدير الحراك الذي لم يكشف بعد عن هويته السياسية، حتى وإن رفعت شعارات معادية للنظام دون المطالبة بإسقاطه كما حصل في الربيع العربي.

ومع التسليم بوجود دعم خفي من بعض دول الخليج، أو من مصالح الاستخبارات الأمريكية والصهيونية، فإنها لا تكفي لتفسير سرعة انتشار وتوسع رقعة الاحتجاجات، مع وجود قبضة أمنية مقتدرة، وإمساك النظام بالأجهزة الدينية والإعلامية، وتحكمه في طبقة التجار من أرباب البازار الشركاء في الحكم، والنخب الدينية الممسوكة بشبكة الحسينيات التي يدين رجالها ودعاتها بالولاء للمرشد الأعلى خامنائي، ولم تظهر حتى الآن وجوه سياسية من المعارضة تقود أو تدعم من بعيد هذه الاحتجاجات الشعبية، التي ربطت بعض شعاراتها، بين تردي الأوضاع المعيشية وانخراط النظام في حروب إقليمية مكلفة، في العراق، وسورية، واليمن.

وفي مكان ما، قد تكون هذه الاحتجاجات شبيهة بما حصل في المعسكر الشيوعي، وانتهى بتفكك الاتحاد السوفييتي حين استدرج، إبان الحرب الباردة، لسباق التسلح المكلف، باقتصاد غير مؤهل للمنافسة، ويكون نظام ولاية الفقيه قد فاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بما أظهره من شهوة كبيرة نحو التوسع السياسي، الجغرافي، والمذهبي الطائفي على حساب جيرانه، فتعامل مع الأقليات الشيعية في دول الجوار كما كان يتعامل الاتحاد السوفيتي مع الأغصان الشيوعية الميتة في جمهوريات الاتحاد السوفيتي ودول حلف وارسو.

وحتى الآن لا يبدو أن نظام الملالي الذي ينهي بعد سنة عقده الرابع قد كسب معارك تمدد نفوذ ولاية الفقيه في المنطقة، مع فداحة الكلفة السياسية، والمالية، والبشرية، لا في العراق، الذي بدأ يتحرر تدريجيا من الهيمنة الإيرانية، ولا في سورية، التي انتقلت فيها الوصاية للدب الروسي، ولا في اليمن الذي تتفاقم فيه عزلة الحوثيين، وإذا ما تواصلت الاحتجاجات، وازدادت عنفا، فإن النظام قد يضطر إلى تحويل كثير من الموارد المالية المخصصة لدعم التمدد والنفوذ في المنطقة، إلى تغطية الطلبات الاجتماعية الملحة لمواطنيه، ورأب الصدع في جبهته الداخلية المتآكلة، خاصة مع تجدد التهديدات من ثلاث جهات متضامنة: السعودية، والولايات المتحدة، وإسرائيل، قد تقاطعت مصالحها عند الحاجة لانكماش التوسع الإيراني إلى حدود ما قبل الغزو الأمريكي للعراق.

مقالات ذات صلة