الشروق العربي
وفاء ولتربية الأولاد:

 رجال أرامل.. دفنوا الزواج إلى الأبد

فاروق كداش
  • 4892
  • 3
ح.م

كثيرا ما نسمع عن وفاء الأرملة لذكرى زوجها الراحل، وكيف تصبر وتصابر وتكابد من أجل تربية الأولاد، لكن قلما نسمع عن أرمل دفن فكرة الزواج إلى الأبد، بعد أن واجهته الدنيا بأكثر مصائبها وجعا… الشروق العربي تفتح جراح الفقدان، وتنفض غبار النسيان عن يوميات أرمل وفي.

من قصص الوفاء، قصة حمزة، 42 سنة، محاسب في إحدى الشركات، أرمل، ولديه طفل، يعيش مع والدته،كان متزوجا من زميلته في العمل، ولكن وافتها المنية وهي تضع طفلهما، منذ ذلك الحين وهو يكرس حياته لطفله ووالدته فقط، ولم يفكر يوما في الزواج من شدة تعلقه بزوجته المرحومة.. وهذا رغم مرور عشر سنوات من وفاتها. يقول عن هذه التجربة المريرة: “أحببت زوجتي بكل جوارحي، فقد كانت زوجة مثالية بالنسبة إلي، فقدانها دمرني، وذكراها تثقل كاهلي.. لم أتمكن من نسيانها، وفقدت الإحساس بالحب مع رحيلها… لم أقصد عدم الزواج، لكنني أرفض فكرة أن أعيش مع امرأة سواها”.

قصة أخرى للوفاء، يكتبها أمين، يروي مأساته: “كنت أعيش حياة سعيدة مع زوجتي، أم أولادي، وفجأة خطفها الموت مني، وتركنى مثقلا بالهموم، بعد رحيلها مكلوما، لم أكن الضحية الوحيدة في هذه المأساة، فرؤية أولادي يتألمون ويعتصرون حزنا على رحيل والدتهم جعلني أقرر ألا أتزوج، وأن أكرس حياتي لرعايتهم وتربيتهم، ورغم ضغط أمي علي، إلا أن ذكرى زوجتي لم تفارقني، لأنها كانت نعم الزوجة، أحيانا، أحس بأن مجرد التفكير في الزواج مرة أخرى خيانة، وأن فكرة أن يكون لأولادي أم ثانية هي بمثابة طعنة في ذكرى زوجتي”.

الوفاء لا سن له، مقولة يؤكدها عمي الصالح، الذي تزوج منذ ثلاثين سنة، من بنت أحبها حبا مجنونا، أكثر من حب الحراز لعويشة.. ولكن قضاء الله كان أقرب إليها من حبل الوريد، فتوفيت بعد ثلاثة أشهر من عرسها. منذ ذلك الوقت، لم تفارق ذهنه يوما، ولا يمر يوم لا يذكرها فيه، وكل جمعة يزور قبر عروسه، وعاش حياة الترمل لعقود، لكنه لم يندم على عدم الزواج… هذه القصة روتها ابنة أخته على صفحتها على فايسبوك في أربعينيته.

صبرا للآراء عفوا للأهواء

لا تصدق النساء أسطورة وفاء الرجل لزوجته المتوفاة، ويجمعن تقريبا على أنه قد يختار زوجته من بين المعزيات. لامية، تؤكد أن الرجل نادرا ما يرفض الزواج بعد وفاة زوجته: “قد ينتظر بعض الوقت، لكن أمه وبقية العائلة سيلحون عليه بالإسراع في الزواج، وليس بسبب الأولاد في كثير من الأحيان، فالأولاد عادة ما تربيهم جدتهم”. رانيا، تكمل في ذات السياق: “أعرف أرملَ، لم يكمل الأربعين حتى خطبت له أخته شابة تصغره بعشرين سنة.. كل هذا، بعد أن أفنت زوجته الراحلة حياتها في بناء بيت الزوجية”. وتردف: “كانت تقتصد في الأكل كي تساعد زوجها في مصاريف البناء… الرجال لا يؤتمنون”. وعن رغبة النساء في الزواج من أرمل، عبرت معظم من سألتهم عن كونهن لا يمانعن، لكن يتحفظن إن وجد أولاد على المحك. “لا أريد أن أصبح زوجة أب”، تصيح إحداهن، “لا أريد أن أتألم مع رجل يحمل جرحا كجرح الفقدان”، تردف أخرى…

أما الرجال، فمحتارون بين إجابة نموذجية وإجابة واقعية، وحين عرضت على علي، وهو شاب في الثلاثين، دراسة أوروبية تقول إن الرجل الذي يفقد زوجته أكثر تعرضا للموت من الزوجة التي تفقد زوجها، قطب حاجبا وغمز بآخر، وقال: “هذا لا ينطبق على الرجل الجزائري، لأنه يؤمن بقضاء الله وقدره، وأن الزواج بعد الترمل ستر، خاصة بوجود الأولاد”. وانهالت علي نفس الآراء المناهضة لفكرة الوفاء بالجسد، ولمح لي عادل، وهو صديق يعمل في المحاماة: “إن الوفاء وجداني روحي، فرب أرمل أعاد الزواج لم تفارق زوجته الراحلة مخيلته”.

بين نساء لا يؤمن بوفاء الرجل، ورجال لا يؤمنون بالرهبنة، يجد الرجل الأرمل الوفي نفسه وسط حرب إديولوجيات، ولن يكون في منأى عن طلقة من نيران صديقة… فالوفاء في زمن الغدر يراه الرجال خيانة للرجولة، والزواج في زمن العوانس تراه النساء خيانة للذكريات… فالصبر والجلد يا صديقي.. فإن الله سيجمعك مع من تحب.

مقالات ذات صلة