الرأي

رجل أوربا المريض

التقيت في منتصف يوم الإثنين 22/9/2026 أحد الأصدقاء فهششت له وبششت بصورة لم يعهدها مني.. فقال مستغربا: كأن أمرا أطربك مما يدخل الحبور على النفوس، فقلت: إي وربي، أنني أحس كأنني أحلق في جو السماء لما قرأته في صباح هذا اليوم..

فقال: شاركني في هذا الفرح إن كان مما يجوز الاشتراك فيه.. قلت: إن اشراك فيه وإذاعته مما يجب نشره… لأنه مما يفرح القلوب، ويشرح النفوس.. فقال: أنبئني، فقد شوقتني لمعرفة هذا الخبر، فقلت: إن شخصا له مقام معلوم في قومه قال عن بلده ذي التاريخ الأسود الذي يتعاظم بينما “شحمه ورم” كما يقول شاعرنا المتنبي. فقال: من هو هذا الشخص؟ وإلى أي قوم ينتسب؟

فقلت فأما الشخص فهو آتالي، اليهودي الفرنسي، الذي كان مستشار المجرم فرانسوا ميتران رئيس فرنسا المجرمة، وأما بلده فهو فرنسا التي لم تكتف بارتكاب جرائم فوق أرض الجزائر، وإنما امتدت يداها القذرتان إلى أمواتنا فنبشت كالخنزير قبورهم، ونقلتهم إلى فرنسا لإنتاج ما يسمى “الفحم الحيواني”، كما أنها لم تكتف بإعدام آبائنا وأجدادنا وإنما نقلت جماجمهم إلى “متحف العار” الذي توقحت فسمته “متحف الإنسان”، هذا الإنسان الذي أهانت كرامته حيا وميتا.. فقال لي: بقي أن تخبرني عن هذه الكلمة التي أطربتك أكثر من طربك لأغنية “الأطلال” التي صدحت بها حنجرة أم كثلوم عندما كنا مراهقين..

قلت: إن هذه الكلمة هي أن فرنسا صارت “رجل أوربا المريض” (جريدة الخبر في 22/9/2026 ص11)، فقال: إن حقوق تأليف هذه الكلمة تعود إلى أحد قياصرة روسيا في القرن التاسع عشر، وقد قالها في وصف الدولة العثمانية التي ردّها سفهاؤها أسفل سافلين.. بسبب مجونهم وتبذيرهم..

فقلت: إن فرنسا تسرق المعنويات أكثر من سرقتها للماديات، لأنها فقيرة في الأمجاد التي تتمجد بها الدول، وكل تاريخها إنما هو جرائم في القارات الأربع أوربا، وآسيا، وإفريقيا، وأمريكا…

فقال لي: ما هو الدليل على أن فرنسا صارت “رجل أوربا المريض”؟ فقلت: إن الأدلة على ذلك كثيرة كثرة أنواع الجبن الفرنسي، واكتفى بدليلين، فأما أولهما فإن دولة النيجر التي أكلت فرنسا لحمها، وشربت دمها ودقت عظمها، ذات الإمكانات المحدودة حاصرت منذ فترة قصيرة سفارة فرنسا في نيامي، وأجبرت طاقم السفارة على أن يتغذى بالأطعمة المعلبة، وأن الديون المترتبة على فرنسا “تقترب من 3600 مليار أورو”، (الخبر 22/9/2026، ص11) وهو مبلغ لو عرضت فرنسا -بشرا وحيوانات وشجرا وحجرا- في مزاد لما غطى ثمنها هذا الدين.. وقبل أن يمضي كل منا إلى سبيله، قلت له: إن جهاد الشعب الجزائري المجيد كان من أهم أسباب مرض فرنسا، حيث أنهكها هذا الجهاد بشريا وماليا إلى درجة اعتراف جنرالها المجرم دوغول في مذكراته “الأمل” (347) أن فرنسا هي “رجل أوربا المريض”، فلا شفيت من هذا المرض، واللهم زدها مرضا على مرض، لأنها لم تترك في قلوبنا مثقال ذرة من الإنسانية لنتألم لألمها. لقد عادت فرنسا إلى حجمها الحقيقي بعد بداية تحرر الشعوب الإفريقية من استعمار فرنسا الجديد.. وهي الآن كما وصفها الإمام محمد البشير الإبراهيمي: “كبرى الدول الصغرى، وصغرى الدول الكبرى”، أي في المنزلة بين المنزلتين؟

مقالات ذات صلة