الرأي

رحلة إلى ضباب جزيرة اللاوعي

عمر أزراج
  • 1188
  • 2

بعدما أدركت أهمية التحليل النفسي للثقافة على ضوء جهود مؤسسي الدراسات الثقافية والنقد الثقافي التي انصبت على تفكيك شفرات اللاوعي والوعي الثقافيين معا، حينذاك فهمت أن هذا الحقل المعرفي ليس مجرد ترف نظري وعلاج إكلينيكي وإنما هو طريقة فنية تستخدم العلم في عمليات تحليل البنيات العميقة الغامضة والمعتمة للاوعي البشري أيضا من أجل سبر الطبقات اللاواعية من التكوين النفسي للذات الانسانية وكذلك المشكلات النفسية المعقدة التي تعصف بالإنسان منذ ميلاده إلى لحظة موته بغض النظر عن بيئته الثقافية أو الاجتماعية أو انتمائه العرقي أو الجغرافي.

والحال فإن مؤرخي الأفكار يتفقون على أن الثورات الفكرية المحورية التي شاهدها العصر الحديث تتمثل في ثلاث نقاط وهي:

1  ـ وضع عالم الفلك نيكولاس كوبرنيكوس في عام 1543م لنظريته التي طورها فيما بعد غاليليو غاليلي والتي تتمثل في اكتشافه أن الأرض التي تبعد عنَا بمقدار 400 ألف كيلومتر ليست بمركز الكون وإنما هي كوكب يدور على نحو إهليلجي وبسرعة 27 كلم في الثانية الواحدة حول الشمس وأن هذا الكوكب الذي نسجت حوله أساطير الأولين هو تابع لها وخاضع لجاذبيتها التي تتحكم فيه وبذلك توضح أن مصير الأرض هو بأيدي هذا النجم الخرافي الذي يبعد عنَا ملايين الكيلومترات والذي  إذا احترق بالكامل فإنه يفقد قوته الجاذبة وبالنتيجة فإن كوكبنا الأرض سينفلت من عقاله ويخرج من مداره ويضيع في الفضاء اللانهائي، وهكذا ينتهي هذا المصير باختفاء الحياة.

2 ـ إعلان العالم البريطاني داروين ـ في كتابه أصل الأنواع الذي أسس فيه نظريته في التطور والاتقاء ـ أن الانسان نفسه ليس ملاكا بل فإن أصله يعود إلى جنس القردة وبذلك تمت زحزحته من المركز الذي كان يظن أنه يعطي له حق الامتياز مقارنة بالكائنات التي تحيط به.

3 ـ أما الطبيب وعالم التحليل النفسي سجموند فرويد فقد وجه ضربة قوية أخرى لكبرياء لإنسان أيضا حينما استنتج من بحوثه وبحوث من سبقوه في مجال معرفة النفسية البشرية أن الانسان ليس عاقلا بالمطلق وإنما هو كائن غير واع أيضا وأن للغرائز سلطة عليه.

 إنه بهذا الاكتشاف تمكن فرويد بشكل فريد من تحطيم إحدى دعائم المعتقد الذي تشكل في بدايات عصر الحداثة الغربية والذي ميز فلسفة رونيه ديكارت وهو المعتقد المرتكز على الظن أنالأناالتي تفكر قادرة على تعقل الوجود وأنها تملك القدرة الكلية والحضور الكلي وأنها واعية دائما لنفسها. لقد أغرتني كل هذه الاكتشافات الكبيرة ودفعتني إلى تلمس عتبات الفكر رويدا رويدا وفي المقدمة الفكر التحليلي النفسي.

 وبهذا الخصوص شرعت في قراءة تراث علماء التحليل النفسي المؤسسين الأوائل في الغرب بدءا من فرويد، وكار غوستاف يونغ، وكارل أبراهام، وارنست جونز، وميلاني كلاين، وفرينزي، كما صرت أتابع عن كثب المستجدات النظرية لدى عدد لا يستهان به من المحللين النفسيين البارزين في عصرنا هذا. مع الأيام استيقظت من سباتي العميق وأدركت أن مجرد قراءة مؤلفات هؤلاء وغيرهم وحدها غير كافية أبدا، وهكذا تبين لي أن العودة إلى مقاعد الدراسة أمر ضروري جدا لكي أتمكن من استيعاب أسس هذا الحقل الفكري المهم.

في تلك المرحلة من عمري كانت لي رفقة وعشرة مع محللة نفسية انكليزية تدعى سوزان شوسكي وكانت هذه السيدة المثقفة تحدثني لساعات بل لأيام وشهور متتالية عن مهنتها كمحللة نفسية بمركز العلاج النفسي للنساء، وعن أنماط مدارس التحليل النفسي وكذا تقنياته ومفاهيمه وأخلاقياته. في هذا السياق أستطيع القول بكل نزاهة وعلى سبيل الاعتراف بالفضل بأن ميلادي الثقافي الجديد كان على يدي هذه المرأة التي قدمتني إلى كثير من المحللين والمحللات النفسيين المنتمين إلى جنسيات مختلفة من حيث الأصل رغم وجودهم وعيشهم على أرض بريطانيا.

وأكثر من ذلك فقد كانت هذه المحللة النفسية وراء دفعي لدراسة التحليل النفسي بمركز فرويد للتحليل النفسي بلندن، ولحضور الحلقات الدراسية الخاصة بالتحليل النفسي الفرويدي وتطوراته على أيدي عدد من المفكرين والمحللين النفسيين أمثال جاك لاكان، وجماعة النهج التحليلي النفسي التي تعمل وفقا لنظريةعلاقات الموضوع، والمدرسة التحليلية التي تعتمد على نظريات ما يدعى بالتحليل النفسيللأناالتي تزعمتها ابنة سجموند فرويد. إن هذه المدارس وهذه التيارات سوف نوسع الحديث حول مفاهيم وأسس كل واحدة منها لاحقا. كما يعود الفضل إلى هذه السيدة حين شجعتني وحثتني كثيرا وطويلا أن أتعمق في فهم النفسية البشرية عن طريق تعاطي العلاج النفسي العيادي إلى جانب الدراسة النظرية. وبالفعل فقد انغمست في هذا المجال المعرفي الحيوي لمدة أربع سنوات وتولَد لدي الطموح أن أصبح يوما ما محللا نفسيا، أما هدفي القريب المدى فقد كان يتمثل لي في توظيف الوعي التحليلي النفسي من أجل التغلب على صعوبات الغربة من جهة، ولفهم نفسي، واكتساب ثقافة التحليل النفسي من جهة أخرى.

في إطار الرفقة مع الدكتورة سوزان بروكر شوسكي تعلمت أشياء كثيرة لم أكن من قبل على دراية عميقة بها وفي صدارة ذلك أن الشخصية الانسانية منقسمة، وأن أركانها المتصلة والمؤثرة في بعضها البعض تتمثل فيالأنا والهو والأنا الأعلىحيث أن هذه الأركان هي مجرد تسميات مجازية لأنه لا أحد يستطيع أن يلمس، أو يعين مكان أي واحد من هذه الأركان تعيينا مكانيا محددا كما نفعل مثلا عندما نحدد مكان الأشجار أو الغابة أو الأنهار وأو القرى والمدن.

من المسائل التي توقفت عندها طويلا أذكر مسألة تتصل بالإجابة عن هذا السؤال الأساسي وهو: هل يوجد اللاوعي حقا وإذا كان موجودا فأين يوجد إذن؟ لكي أسبر هذا الجانب نذرت نفسي للحلقات الدراسية التي كانت تنعقد في عدة مراكز ثقافية، وفي مؤسسات التحليل النفسي، وفي الجامعات، كما اعتقلت جسدي على نحو منظم ومنضبط ووفق برنامج يومي صارم لزمن طويل بداخل مكتبي بمنزلي حيث كرست وقتا كثيرا لقراءة تراث سجموند فرويد، ومن ثم أعمال وتجارب معاصريه بغية استيعاب مقومات وأسس التحليل النفسي الكلاسيكي الذي لا غنى عنه لكل من يريد أن يفهم تطورات هذا الحقل المعرفي والعيادي في عصرنا. لقد تبين لي بعد مدة أن اللاوعي الذي لا نراه كما نرى شيئا معينا بل إنه يظهر لنا في النكتة، وفي زلقات اللسان، وفي الأحلام، وفي شكل أعراض جسدية مثل الشلل الذي يصيب المريض والذي تكون أسبابه نفسية لا علاقة لها بالواقع البيولوجي، ورهَاب الأمكنة، وفي نصوص الإبداع الأدبي والفني وهلم جرا .

 أما النقلة الثانية التي أحدثت تحولا نوعيا في تكويني الفكري فألخصها بسرعة في إدراك هذه الحقيقة وهي أن تشكل المعالم الأساسية لمعمار البنية النفسية للفرد يتم أساسا منذ لحظة الولادة لغاية السنة الرابعة من عمره أو عمرها، أما ما يحدث بعد ذلك للحياة النفسية فإنه مجرد إضافات وتراكمات ولكن هذه الإضافات والتراكمات الجديدة تكتسي أهمية قصوى جدا أيضا.

ولهذا السبب وجدنا علماء التحليل النفسي متفقين على أن جذور اللاوعي توجد في الطفولة، وأنه جراء هذا الاكتشاف المهم نجد الدول المتقدمة تولي أهمية استثنائية لحياة الأطفال ولتكوينهم النفسي تكوينا جيدا وتحرص على ذلك كل الحرص إيمانا منها أن التكوين السليم للفرد هو حجر الزاوية في عملية بناء المجتمعات الحديثة التي تعتمد اعتمادا كليا على الفرد كرأسمالي جوهري. إضافة إلى ما تقدم من توضيحات فإنني في هذه المرحلة بالذات أدركت أن الانقسام بين الوعي واللاوعي يحدث عبر فعل الانكار العظيم للذات، كما لاحظ الدارس والناقد الثقافي أنتوني إيستهوب.

النقلة الثانية التي أحدثت تحولا نوعيا في تكويني الفكري فألخصها بسرعة في إدراك هذه الحقيقة وهي أن تشكل المعالم  الأساسية لمعمار البنية  النفسية  للفرد يتم أساسا  منذ لحظة الولادة إلى غاية السنة الرابعة من عمره أو عمرها، أما ما يحدث بعد ذلك للحياة النفسية فإنه مجرد إضافات وتراكمات ولكن هذه الإضافات والتراكمات الجديدة تكتسي أهمية قصوى جدا أيضا

 

* لهذا السبب وجدنا  علماء التحليل النفسي متفقين على  أن جذور اللاوعي توجد في الطفولة، وأنه  جرّاء هذا الاكتشاف المهم نجد الدول المتقدمة تولي أهمية استثنائية لحياة الأطفال ولتكوينهم النفسي تكوينا جيدا وتحرص على ذلك كل الحرص إيمانا منها أن التكوين السليم للفرد هو  حجر الزاوية في عملية بناء المجتمعات الحديثة التي تعتمد اعتمادا كليا على الفرد كرأسمالي جوهري.

مقالات ذات صلة