من بعيد
رحلة “الاجتثاث” العربية.. إلى أين ستنتهي بنا؟!
بدت المسافة طويلة وشاقّة في رحلة الخروج من الصراع والمآزق والأزمات، والأكثر من هذا الاقتتال المتواصل من أجل السلطة في دولنا العربية، والتجارب تؤكد لنا كل يوم: أن معظم الأساليب التي اتبعت خلال العقود الماضية أدّت إلى مزيد من التراجع وتعطيل مشاريع التغيير، بما فيها تلك التي تبنّتها وعملت من أجلها مؤسسات الدولة، مختصرة في الأحزاب الحاكمة، كما هي الحال في الدول الجمهورية.
-
الخلاف بين القوى المختلفة يقوم أساسا على سياسة الإقصاء، التي أصبحت قناعة لدى االقوى التي وصلت إلى الحكم بعد ثورات التحرير أو تلك الأخرى التي ورثت الأنظمة القائمة بعد سقوطها من القوى الخارجية، وهي أيضا، وإلى وقت قريب، شعارا رفعته وقناعة دافعت عنها الأحزاب الإسلامية، والتي أوجدت التوجّس لدى الشعوب من دورها وأهدافها المستقبلية، خصوصا بعد تطبيق سياسة الاجتثاث، وهي، بالعودة إلى التاريخ، مثل سياسة الأرض المحروقة إبان فترة الاحتلال، ما يعني أن طرح الحكومات لمواجهة الأزمات الكبرى، الإرهاب مثلا، يمثل امتدادا للحقبة الاستعمارية دون تحقيق فائدة مرجوّة من التجارب، لدرجة جعلت الشعوب في حيرة من أمرها بعد وصول الحكومات إلى تفاوض مع قوى المعارضة، حسب اجتهادات شخصية وليست مؤسساتية.
-
والسؤال هنا: لماذا نلجأ إلى استعمال القوة في رفض أطروحات وقناعات قوى الداخل، ثم بعد أن تتبنّى الشعوب سياسة الحكومات وتراهن عليها، تفشل هذه الأخيرة، وتدعو إلى حوار تكون فيه هي الطّرف الأضعف؟
-
السؤال السابق نطرحه بعد التكلفة الباهظة على الصعيد المحلي، حيث تمّ الاعتماد على سياسة التطرف والاجتثاث لقوى المعارضة، وخصوصا الإسلامية، باعتبارهما الأسلوب الأنجع للمواجهة من طرف صانع القرار وجماعات الضغط داخل السلطة.
-
تحدّي المعارضة، بما فيها المسلّحة، قوبل بتحد مماثل من المؤسسات الأمنية والعسكرية، أكثر بأسا وأشدّ تنكيلا، لم تكن في وحدة الأوطان هي الهمّ الأكبر، وإنما استجابة للحكّام طوعا أو كرها، ثم انتهت الأمور بعد سقوط عشرات الآلاف من الضحايا من الطرفين إلى مصالحة مزعومة، أصبح من خلالها الذين تولّوا الدفاع عن بقاء الدول ووحدة الشعوب ضحايا، وحقق من اعتبروا مجرمين ومهددين للسلم العام إلى تعويضات بعد أن وضعت الحرب أوزارها.
-
المدهش أنه في الحالتين، الاجتثاث والحوار، أبلغنا، نحن العاجزين عن الفهم، من الذين قدّر لهم أن يحكمونا، أن ذلك لمصلحتنا ومصحلة الوطن، والمثال الواضح في هذا السياق هو النموذج الجزائري، واكتفت دول عربية أخرى بمواصلة المواجهة بالتضييق وتطويق الفعل المعارض، مصر مثلا، قبل أن يتحول إلى أسلوب تغيير بناء على تجربة ثرية، غير واعية، انتهت إلى معادلة غريبة، طرفاها، المعارضة، المسلحة تحديدا، والحكومات ممثلة في الجيوش وقوى الأمن.
-
تلك المعادلة استولت بموجبها السلطة على المؤسسات والمعاش، واستولت المعارضة على قلوب كثيرين وعلى منظومة القيم والمناطق النائية والجبال، وبذلك قسّمت الشعوب بين قوتين، كلاهما تملك القوة، وبمقدورها أن تقتل.. صحيح أنه من غير المقبول وضع المعارضة وأجهزة الدولة في كفة واحدة، ولكن ماذا عسنا أن نقول، ونحن نرى النتائج التي تنتهي إليها دولنا بعد الحروب الأهليّة؟!.
-
المدهش أن تراكم التجارب على الصّعيد العربي لم تؤد إلى تغيير على مستوى قراءة المستقبل، إذ لا تزال إلى الآن تخيّم على صناعة القرار فكرة المواجهة كلّما دعت الضرورة إلى ذلك، بغض النظر عن النتائج، والتي قد تصل إلى تقسيم الأوطان كما هي في الحالة السودانية، أو خسارة القضية ذات الإجماع القومي والديني كماهي الحال بالنسبة للقضيّة الفلسطينية، أو الاختلاف حول مفهوم الوطن الواحد وطريقة إدارة الصراع مع العدو كما هي الحال بالنّسبة للبنانيين، أو اختصار الوطن في خيارات المحتل العصري كما هي الحال في عراق اليوم، وغيرها من الحالات الأخرى التي تعدّ شاهدا على حقبة تاريخية من التّيه والضّياع.
-
تراكم التجارب يدفعنا إلى البحث عن كيفية للخروج ممّا نحن فيه، حتى لا نكرّر نفس الأخطاء، أو نميل إلى أطروحات أثبتت عدم جدواها ليس فقط من أجل وحدة الأوطان أو العيش في سلام، وإنما من أجل الدّين، وذلك هو الأساس، خصوصا بعد أن اكتشفنا لعبة الصراع وجماعاته، لجهة تشويه المشروع الديني، لدرجة لم نعد قادرين فيها على قبول أو استيعاب الأخطاء من طرف أهله الطيبين، وأصبحنا قادرين على القبول بكل عوامل التشكيك فيهم، والتحالف مع أعدائهم وأعدئنا بحجة واهية، هي: إنقاذ الأمة من شرورهم وخطاياهم.
-
القول السابق لا ينفي مسؤوليتهم عما حدث من أخطاء، ولكن علينا أن لا ننظر إليهم باعتبارهم ملائكة لا يقعون في الأخطاء، ولا مجرمين تنطلق منهم كل الشرور، وعلى فرض أنهم ارتكبوا كل الأخطاء، فكيف لنا أن نحاول التخلي عنهم لصالح القوى المعادية؟، وبصورة أكثر وضوحا: لِمَ لا نحاورهم وقد قبلنا بالجلوس لكل الذين أبادونا في فترات سابقة ويعودون اليوم محمّلين برؤى، واجبة التنفيذ، لكونها أوامر، وليست مجرّد أفكار قابلة للنّقاش؟!.
-
لقد تبيّن لنا بعد عدد من التجارب العربيّة أن المستقبل لصالح الحوار، وأن أسلوب المواجهة من منطلق أن هناك قوة تقتل أخرى ويجب أن تنتصر عليها، يعدّ نوعا من الوهم، وأحيانا الدّمار الذي لا ينفع معه الترميم حين نبقي على بعض من آثاره، وأن منهج الاجتثاث أثبت عدم جدواه، فلتكن نهاية الرّحلة هنا، لعل ذلك قد يساعد بعضا من الذين لم تشغلهم المصالح الدنيوية، فيكفوا عن القتل أو الهروب خارج الأوطان، أو التحالف مع الأنظمة الحاكمة فيشتركون معها في الفساد.