الرأي
الشجاعة مفتاح شخصية الفارس الذي ترجل

رحلة عن قرب في شخصية الأمير الوالد من ساندهيرست إلى الناصرية و الوهابية

ياسر أبو هلالة
  • 246
  • 0
أرشيف
الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

تزاحم المشيعون في أكبر حشد شهدته الدوحة لوداع باني قطر وصانع نهضتها، ولم يلتفتوا إلى حرارة الجو ولا إلى بُعد الشقة مشياً، في صلاة الجنازة على الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب.

للزمان والمكان معنى. في مثل هذه الأيام قبل 13 عاماً ترجّل عن صهوة السلطة، وفي سابقة تاريخية تخلى عن العرش وسلّم الراية لفارس شاب. هنا يودّع الناس حمد الإنسان لا صاحب السلطان، وفي هذا المسجد تجسّد اعتزازه بهويته وكبرياؤه؛ فارساً من بني تميم، فخوراً بعروبته وإسلامه. بُني المسجد في ذروة تداعيات 11 سبتمبر، يوم صارت «الوهابية» تهمة، وسط سعار الإسلاموفوبيا. وبشجاعة تحدّى السائد وتحدث بفخر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بوصفه مجدداً وابن قبيلته. وهذا مفتاح شخصيته: الشجاعة.

الشيخ تميم يحمل إرثا بارّا به وفيا له

في الحرب على قطر، يرفض الصهاينة، المهوسون باليهودية هويةً قومية، الاعتراف بأن قطر بلد له هوية عربية إسلامية تحدد موقفه من القضية الفلسطينية، وليس لقيطاً، فنسجوا أسطورة الإخوان المسلمين. وفي ليلة رحيله، يا لها من مصادفة، بثت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية فيلماً لمدة ساعة عن حرمه سمو الشيخة موزا، بوصفها زعيمة الإخوان المسلمين! والواقع أن الأمير الوالد، بالإضافة إلى اعتزازه بهويته، شخصية تقدمية من الناحية الاجتماعية، بصورة لا تُرضي الإسلاميين من إخوان وسلفيين وغيرهم. وتجلّى ذلك في موقفه من المرأة: زوجه وبناته والمرأة القطرية عموماً.

وتلمس تقدميته وانفتاحه لا في قضية المرأة وتمكينها فقط، بل في الإعلام والتعليم. في الجزيرة، كان أول رئيس تحرير سامي حداد، رحمه الله، وهو مسيحي ليبرالي، وكثيراً ما أغضبت المساحة الليبرالية في الجزيرة الإسلاميين. وفي التعليم، كان استقدامه للمدارس البريطانية والأميركية والفرنسية والكندية والفنلندية، وجامعات المدينة التعليمية، جورج تاون ونورث وسترن وكارنيجي ميلون وكورنيل، واقعاً يناقض أسطورة «الأخونة» ويؤكد التقدمية.

وهذه الوقائع وغيرها تجدها في متاحف قطر، وهي من مآثر الشيخة موزا أيضاً: متحف الفن الإسلامي بجوار حركة فنية ثقافية تستوعب أكثر الفنانين والمصممين والمعماريين حداثة. فضلاً عن كأس العالم وما يجسده من انفتاح على ثقافات العالم وشعوبه. ذلك وغيره ينسف أكاذيب الإعلام الصهيوني.

والشجاعة لا تجدها في السياسة والمواقف الفكرية فقط، فقد كان اقتصادياً شجاعاً مخاطراً. قبل ثلاثين عاماً لم تكن قطر التي نعرفها اليوم. كانت إمارة نفطية صغيرة على هامش الخليج، احتياطيها النفطي لا يتجاوز أربعة مليارات ونيّف من البراميل، أي كسراً ضئيلاً مما تملكه السعودية أو العراق أو الكويت، وإنتاجها يدور حول أربعمئة ألف برميل يومياً، وموازنتها في العام الذي تسلّم فيه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الحكم كانت تُقرّ بعجز مقداره نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار من الريالات.

لم تكن قطر ثرية ولا فقيرة، لكن شجاعة القائد جعلته يخاطر بذكاء في الرهان على الغاز، وهو ما جعل قطر تتمتع بأعلى دخل للفرد عالمياً. ولم يكتفِ بالثراء، بل سخّر المال لبناء الإنسان القطري هويةً وصحةً وتعليماً: أفضل نظام صحي، وأرقى الجامعات القطرية والعالمية، وخدمة قضايا الأمة، فتضاعف حجم قطر الاستراتيجي بحجم اهتماماتها وتطلعاتها.

كتبت عنه في جريدة «الحياة» اللندنية بعد تنازله عن الحكم مقالاً بعنوان: «صديق أعداء أميركا»، مع أنه صاغ أفضل علاقة تحالفية مع الولايات المتحدة. والحديث عن شخصيته ليس سهلاً، فهي شخصية غنية متعددة الأبعاد، يصعب اختزالها في موقف أو مرحلة. ولفهمها بعيداً عن الإشادة أو التشويه نعود إلى البدايات.

سؤال ساندهيرست

في ساندهيرست، وفي أول تدريب، كان المدرب يسأل كل ضابط مرشح عن بلده، وحين أجاب: «قطر»، سأله: «وأين تقع قطر؟». يقول الشيخ حمد، رحمه الله، لمحدثه إنه فكّر يومها بأنه يريد أن يعرف العالم كله أين تقع قطر، حتى قال، على سبيل المبالغة والسخرية، إنه فكّر في خطف الطائرات حتى يعرف الناس أين تقع بلاده.

وهذه الحادثة الصغيرة ليست طرفة عابرة، بل هي مفتاح المشروع كله. فقد أدرك منذ شبابه أن صغر المساحة وقلة السكان ليسا قدراً، وأن الدولة الصغيرة تستطيع أن تضاعف وزنها إذا امتلكت الرؤية والإرادة والتطلع الكبير. ومن ذلك أنه بنى أكبر أساطيل الطيران وأفخمها، لا أن يخطف طائرات.

وفي ساندهيرست، الكلية العسكرية البريطانية الصارمة، لم يتخلَّ عن أحلام الشباب. كان ناصرياً معادياً للاستعمار، وممن يشهدون له بذلك زميله في الكلية اللواء المتقاعد عبد السلام الحسنات، وهو عسكري من محافظتي ، قال لي إنه استقبل المعزّين في الكلية العسكرية بوفاة جمال عبد الناصر. في عاصمة الاستعمار يفتح بيت عزاء لألدّ أعداء الاستعمار. تلك البدايات صقلت مقاتلا، شجاعا، في أعرق الكليات العسكرية، مستندا إلى إرث من الفروسية. وظل في السياسة يجيد القتال بشجاعة .

أن تبيع ما لا أحد يريد شراءه

كان حقل الشمال قد اكتُشف عام 1971، وهو أكبر حقل للغاز غير المصاحب في العالم. ومع ذلك ظل قرابة عشرين عاماً أقرب إلى الأصل النائم منه إلى الثروة. والسبب أن الغاز في ذلك الزمن لم يكن سلعة عالمية كالنفط، بل منتجاً محلياً ثقيل الحركة: تبيعه لجارك عبر أنبوب أو لا تبيعه أصلاً.

وهنا تصطدم قطر بجغرافيتها من جديد. فالأنبوب يحتاج إلى ممر برّي وإلى سوق قريبة كبيرة، وقطر لا تملك الاثنين. والطريق الوحيد المتبقي كان الأصعب والأكثر كلفة: الغاز الطبيعي المسال. ومعنى ذلك أن تبني، من الصفر، سلسلة صناعية متكاملة كل حلقة فيها بلا قيمة من دون الحلقات الأخرى: منصات إنتاج بحرية على بعد ثمانين كيلومتراً من الساحل، وأنابيب تنقل الغاز إلى البر، ومدينة صناعية كاملة في رأس لفان، وقطارات إسالة تبرّد الغاز ليصبح قابلاً للنقل بحراً، وأسطولاً من الناقلات المبرّدة المصممة خصيصاً لهذه المهمة، ومحطات إعادة تغويز في موانئ المشترين على الجانب الآخر من العالم. ولا تعمل هذه السلسلة إلا كاملة، ولا تدرّ دولاراً واحداً قبل أن تكتمل بأسرها.
ولا يصح إغفال قاعدة العديد، فشركات الطاقة الأميركية لا تأمن على استثماراتها في بلد بين إيران والسعودية من دون شراكة عسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية.

وبلغة الاستثمار، هذا يعني إنفاق عشرات المليارات قبل أي إيراد، وربط مصير الدولة بأصل واحد لعقود. وقد قُدّرت كلفة مشروع «قطر غاز 1» وحده بنحو 2.3 مليار دولار للمصنع، وقرابة خمسة مليارات مع البنية التحتية المرافقة، فيما كانت تقديرات منتصف التسعينات تضع كلفة مشاريع الغاز الثلاثة مجتمعة عند نحو خمسة عشر مليار دولار، في بلد لا يتجاوز عدد مواطنيه بضع مئات من الآلاف وموازنته تسجّل عجزاً. ولم يكن أمام الدولة إلا أن تقترض بكثافة من البنوك العالمية ووكالات ائتمان التصدير، وأن تدخل في شراكة مع كبريات شركات الطاقة.وُضع حجر الأساس عام 1994، وأُنتجت أول شحنة غاز مسال في نوفمبر 1996، وغادرت أول ناقلة ميناء رأس لفان في ديسمبر من العام نفسه لتصل إلى اليابان مطلع 1997.

وأذكر أن عبد الكريم الكباريتي، وهو سياسي استراتيجي واقتصادي خبير، تولى رئاسة الوزراء في الأردن عام 1996 ثم صار رئيساً لمجلس إدارة البنك الأردني الكويتي، قال لي عام 2000 مستغرباً هذا الرهان: «صدام يبيع النفط لنا بسعر تفضيلي بثمانية دولارات، ويهرّبه إلى دبي بستة دولارات، فبكم سيبيعون الغاز؟». ولم يكن الكباريتي وحده. كان هذا هو الحكم السائد في أوساط المال والسياسة على السواء: مغامرة دولة صغيرة تستدين فوق طاقتها لتبيع منتجاً منخفض القيمة في سوق لم تُخلق بعد.

وقد أثبتت السنوات عكس ذلك تماماً. فمع مطلع الألفية، ومع ثورة «القطارات العملاقة» التي ضاعفت حجم وحدات الإسالة وخفضت كلفة الوحدة المنتجة، ومع أسطول الناقلات العملاقة الذي جعل النقل أرخص من نقل أي منافس، صارت قطر المنتج الأدنى كلفة في العالم. ووصلت طاقتها إلى نحو سبعة وسبعين مليون طن سنوياً، وتحولت من دولة تقترض إلى دولة تُقرض، فأسست صندوقها السيادي عام 2005، وبلغت عام 2007 أعلى دخل للفرد في العالم.

الجزيرة

في نوفمبر 1996، أي في الشهر ذاته الذي أُنتجت فيه أول شحنة غاز مسال، بدأت قناة «الجزيرة» البث. وهذا التزامن ليس مصادفة. رجلٌ وضع في العام نفسه رهانين متوازيين على المشكلة الواحدة:

الغاز يمنح الدولة الصغيرة وزناً مادياً، والإعلام يمنحها وزناً معنوياً، والاثنان معاً تعويض عن الجغرافيا. شكّلت «الجزيرة» قوة ناعمة، لا لقطر وحدها بل للعرب جميعاً، ولأول مرة صار للعرب روايتهم في العالم.

وفوق «الجزيرة» والإعلام، دخل ميدان الرياضة قوةً ناعمة من أبوابه الواسعة، وفازت قطر بتنظيم كأس العالم، في بطولة غير مسبوقة أعجزت من جاء بعدها.

التوازنات

لم يكن يؤمن بأن الدول أسيرة الجغرافيا أو التحالفات الجامدة. وكان يرى أن تأسيس مجلس التعاون الخليجي في سياق الحرب العراقية الإيرانية لا يعني أن تكون قطر في حالة عداء دائم مع إيران، رغم خلافاتها معها، ولا في عداء مع العراق بعد احتلاله الكويت. لذلك كان، وهو ولي عهد، أرفع مسؤول خليجي يزور طهران عام 1993، وكان وزير خارجيته حمد بن جاسم أرفع مسؤول خليجي يزور العراق ويكسر الحصار. بنى سياسة توازن دقيقة: يصطدم مع الدول في ملفات، ويتوافق معها في أخرى، وفقاً لمصلحة قطر لا لمنطق المحاور. وهو توازن له ما يبرره في الجغرافيا قبل السياسة. ولهذا وصفه حزب الله خلال حرب تموز بـ«أمير المقاومة»، قبل أن ينقلب عليه ويشن عليه حملات قاسية بعد انحيازه إلى الثورة السورية.

ولا أزعم أنني عرفته عن قرب، فقد التقيته مرات معدودة بحكم عملي. أتذكر اللقاء الأول عام 2005 عند افتتاح المبنى الجديد لقناة «الجزيرة»، وكانت العلاقات الرسمية بين الأردن وقطر في أسوأ مراحلها بعد إغلاق مكتب «الجزيرة» في عمّان. يومها قال لي: «أنت قادر على إدارة التوازنات»، ثم ضحك ضحكته المعروفة. وعلى المستوى الإنساني، كان من الصعب ألا يلمس من يلتقيه دفأه وعاطفته، وهي سمة عرفها القطريون وكل من تعامل معه، فكان أقرب إلى الوالد منه إلى الحاكم.
في قناة الجزيرة وضحكة عن إدراة التوازنات

المبدأ وحدود القدرة

كان سياسياً قلبه في المكان الصحيح، يدرك حدود الإمكانات وقدرات الدولة. ولعل القضية الفلسطينية كانت أوضح تجليات هذه الشخصية. أعطى عملية السلام فرصة، وعندما صافح شمعون بيريز وعاتبه الشيخ يوسف القرضاوي، ردّ ساخراً: «لقد غسلت يدي بعد مصافحته»، فأجابه القرضاوي: «بل سبع مرات، إحداهنّ بالتراب».

وخلال حرب غزة عام 2008، حاول عقد قمة عربية رغم الجهود التي بُذلت لإفشالها، وأغلق مكتب التمثيل التجاري الإسرائيلي في الدوحة. وكانت زيارته إلى قطاع غزة المحاصر، وهو أمير لقطر، خطوة سياسية شجاعة. وانفعاله بالقضية الفلسطينية حقيقي، حتى إنه لم يتمالك نفسه من البكاء حين شاهد فيلماً يوثّق مجزرة جنين في أول مهرجان للأفلام الوثائقية في «الجزيرة».

ومع الربيع العربي انحاز إلى الشعوب، وضحّى بعلاقات استراتيجية كانت من أهم ركائز السياسة القطرية. فقد كانت علاقته بمعمر القذافي وبشار الأسد علاقة وثيقة، لكنه حين رأى القذافي يذبح شعبه، وبشار الأسد يفعل الأمر نفسه، انحاز إلى الشعوب، ولم يجعل المصالح السياسية مقدَّمة على المبادئ، مع أنه بذل معهما جهوداً لم تنجح للإصلاح بدلاً من قمع الثورات.

وكان يؤمن بأن الدول تكبر بمواقفها كما تكبر بمواردها. لذلك تحلّى بشجاعة استثنائية في القضايا الكبرى: في فلسطين، والعراق، وأفغانستان، وسوريا، وغيرها. وكانت لديه الجرأة على اتخاذ القرار وتحمّل كلفته، وهي الشجاعة التي صنعت المكانة التي تحتلها قطر اليوم.

وإذا كانت النفوس كباراً، تعبت في مرادها الأجسام. آن للفارس أن يترجل. في مقبرة لوسيل، دُفن باني قطر الحديثة إلى جوار مؤسس قطر الشيخ جاسم، وفياً لإرثه الذي رأى بلاده «كعبة المضيوم».
شِيَمُ الأُلى أنا منهمُ … والأصلُ تتبعُه الفروعُ (المعتمد بن عباد)

لا تحزن عليه قطر وحدها، فالحزن بحجم الأمة المضيومة التي نذر نفسه لها. والعزاء بما تركه من إرث ومحبة. أوسع بكثير من جغرافيا قطر.

مقالات ذات صلة