كرة القدم في خطر
لم تكن لعبة كرة القدم آمنة قطّ من الظلمة والنازيين ورجالات المال الوسخ، منذ أن صارت لها قوانين وعشاق وألقاب وكؤوس، فقد كانت كلما ازدادت شعبيتها، تعرّضت لمزيد من القهر، إلى درجة أن زعيم النازية أدولف هتلر، قتل لاعبين من نادي بوريسيا دورتموند، من أجل أن ينتصر ناديه المحبوب شالك، كما اندلعت في سنة 1969 حرب سقط فيها مئات القتلى وآلاف الجرحى بين هندوراس وسلفادور الواقعتين في أمريكا الوسطى، على خلفية مباراة حامية الوطيس بين منتخبي البلدين لأجل التأهل لكأس العالم بالمكسيك 1970. ومع كل ذلك، لم تبلغ هذه اللعبة درجة الخطر، كما هو حالها الآن.
الواقع أن العالم صار رهينة في يد الأقوى، فالذين تمكنوا من الثروات وسيطروا بأموالهم وأسلحتهم ونفوذهم وإعلامهم، ليس مشكلة بالنسبة إليهم أن يسيّروا كرة القدم في الاتجاه الذي يريدون، وإذا كان العالم قد صمت مُكرها، عندما طال الظلم حياة الجدّ، من صحة وتعليم وفلاحة وصناعة، فكيف له أن يحتج عندما طال الظلم عالم اللهو واللعب.
صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية خرجت من المنافسة، وضيّعت الكأس الغالية، لكن هذه الألقاب والكؤوس لم تكن قط هدف الأمريكان، الذين لا مشكلة لهم أن يمنحوا الألقاب والأوسمة لبقية الأمم، وينالوا هم الأموال وآبار النفط وحق التصرف في أشياء الآخرين.
لم يكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو يتصل برئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم بخصوص البطاقة الحمراء التي نالها لاعب أمريكي، يطمح في الفوز على بلجيكا وعلى غيرها والتقدم لنيل كأس العالم، ولكنه اختبار فقط، عرف فيه ترامب بأنه قادر على أن يطلب المزيد، في شكل أمر لا يقبل سوى التطبيق.
وإذا كان الرجل قد وضع رؤساء العالم وملوكه في الصف، كما يفعل أستاذ الزمن السابق مع تلاميذه الصغار، فيأخذ من هذا المال ومن ذاك الطاعة، وخطف رئيس دولة، فكيف له أن يتردد في السيطرة على لعبة اكتشف خلال كأس العالم الحالية أنها أشبه بالأفيون الذي يجب أن يستثمر فيه؟
منذ أن بدأت منافسة كأس العالم، ونحن نعيش مقابلة وأهدافا من جهة، وتباريا سياسيا طاحنا من جهة أخرى، فقد تذوّق منتخب إيران الويلات، حتى أنه يصحو في اليوم الواحد في بلاد، ويمسي في بلاد أخرى، ولعب المباريات أبناء غزة والكيان، وسط الجماهير وبين اللاعبين، لكن الجميل أن العالم شاهد وتابع الكثير من التجاوزات واستشعر الخطر المحدق بلعبة عشقها الجزائريون ومنحتهم السعادة في مناسبات عديدة.
أكيد أن للكأس فائزا من الذين اجتهدوا فنالوا نصيبهم، لكن الحسابات انطلقت من أجل الاستثمار في فكرة كرة القدم، التي تابعت أمريكا بعينيها كيف تشدّ إليها الرحال، وكيف يعيش على وقعها سكان الكرة الأرضية، وقد يكون المونديال الحالي آخر مسارح الإبداع، قبل أن تختفي الكرة الساحرة، التي خطّ لوحتها بيلي ومارادونا وغيرهما.