رحلة مجاهد نذر نفسه لوحدة الأمة
بدأت رحلة التعرف المباشرة على عمي الرائد سي لخضر بورقعة عام 2011 بعد أن كان لكل عربي وطني ووحدوي وحر رحلة مع ثورة التحرير الجزائرية، وكانت قصص بطولات أبنائها وأسماء قيادتها تحتل القلوب والبيوت، فما من بيت عربي ألاّ وله ذكرى مع نضال هذه الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، التي قدّمت ملايين الشهداء.
عمي لخضر بورقعة لم ينقطع ومعه رفيقه الدائم الحاج كريم رزقي عن أي مؤتمر قومي عربي منذ العام 2012، ودوراته التي انعقدت في بيروت والقاهرة وتونس، كان يحضر دائماً بهيبته ووقاره وهدوئه الخارجي وعواصفه الداخلية عندما يتعلق الأمر بفلسطين أو حرية أي قطر عربي، يتابع المناقشات، يشارك بكلمات متدفقة مؤكداً على قضايا لم تغب يوماً عن حديثه.
أول القضايا فلسطين وتحررها، كنت تراه حاضراً في كل المبادرات التي أطلقها المؤتمر القومي العربي أو المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن (الذي يرأسه صديقه ومن أقرب الشخصيات القومية إليه الأستاذ معن بشور) بالتعاون مع المؤتمر القومي – الإسلامي (الذي كان عضواً في لجنة متابعته) والمؤتمر العام للأحزاب العربية والهيئات والنقابات العربية، مؤكّداً على التلاحم مع مقاومة فلسطين وأهلها وانتفاضتها، ورفض كل مشاريع تصفيتها، فارتبط بمعركة مقاومة التطبيع على مستوى المغرب العربي فكان الرئيس الشرفي للمرصد المغاربي لمناهضة التطبيع مع العدو الصهيوني ودعم المقاومة، وعلى مستوى المشرق العربي كان حاضراً في كل الملتقيات الرافضة للتطبيع والداعية إلى ملاحقة ومقاضاة الصهاينة عن جرائمهم والاغتيالات والإعدامات بحق المناضلين الفلسطينيين في داخل فلسطين وخارجها.
والقضية الثانية التي كانت حاضرة عند عمي لخضر بورقعة كان العراق وهو الذي انتصر له بوجه الحصار والعدوان والاحتلال، ووقف في وجه إفرازات هذا الاحتلال واحترم ودعم مقاومة الشعب العراقي فكان في حديثه يشرح لنا عن مشاركته في حملات كسر الحصار ورفض العدوان.
وثالث القضايا التي كانت في حديث الراحل سي لخضر بورقعة المقاومة في لبنان التي اعتزّ بها دائماً ولم يوفر أي فرصة لزيارة لبنان وجنوبه المحرر وإعلان وقوفه إلى جانبها ورفض وصمها بالإرهاب.
رابع القضايا كانت سورية التي احتلت مكاناً خاصاً عند عمي لخضر ووقف منتصراً لوحدة سورية ورفض تدميرها وتفتيت مجتمعها ووحدة شعبها منذ بداية أحداث 2011، وشارك في العديد من الوفود التي زارت سورية وترأس عام 2006 وفداً من الشخصيات القومية للبحث في سبل المساعدة لوقف هذه الحرب التدميرية.
خامس هذه القضايا وحدة الأمّة، فكان جسر نضال وجسر محبة بين مناضلي المغرب العربي ومشرقه، مشاركاً في العديد من الفعاليات التي كانت تنظم لدعم قضايا الأمّة وتحررها وفي أولها وأهمها قضية فلسطين والقدس.
حمل الراحل عمي لخضر همّ ليبيا ورفض حرب الناتو المدمرة، وكان إلى جانب شعب اليمن في وجه العدوان عليه، وكان مع كل قضية حق في الأمّة.
عمي لخضر بورقعة كان صوت ثورة الجزائر في دورات المؤتمر القومي العربي وناقلاً أحداثها وتاريخ شخصياتها، وهو الذي بدأ نضاله صغيراً في صفوفها إلى أن تولى قيادة الولاية الرابعة، وعين عضواً في المجلس الوطني للثورة، وكانت حماسته لافتة وهو يشرح لأحداث أثارت جدل وردت في كتاب ذكرياته “شاهد على الثورة”، ولكنه كان حريصاً على تاريخ هذه الثورة ونقاوتها وعلى رموزها.
واكب أعضاء المؤتمر القومي العربي مشاركته في الحراك الشعبي في الجزائر في مارس 2019، ومبادراته واقتراحاته لإخراج الجزائر من الأزمة، وواكبوا أيضاً اعتقاله وحملة التشويه التي تعرض لها والإفراج عنه الذي تحول إلى أبرز مطالب الحراك الجماهيري الضخم، ولحملة التضامن الجزائرية والعربية والعالمية حيث تطوع مئات المحامين للدفاع عنه فأبلغهم أنه سيدافع عن نفسه لأن قضيته سياسية وليست حقوقية، ولأنه يرفض الإفراج عنه قبل الإفراج عن المعتقلين من شباب الحراك.
وفي دورة المؤتمر التي انعقدت في بيروت عام 2019 صدر نداء لإطلاق سراح عضو المؤتمر القومي العربي لخضر بورقعة، مؤكّدين إلى أنه يجب أن يكون موضع تكريم وترحيب لا موضع اعتقال وحجز حرية.
كما كان للراحل سي لخضر حضور مع المؤتمر القومي العربي فأن للمؤتمر ذكريات وحضور في الجزائر، فالراحل الكبير الأستاذ عبد الحميد مهري الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية (1988 – 1996)، كان أميناً عاماً للمؤتمر القومي العربي (1997 – 2000)، وانعقد المؤتمر لدورتين في الجزائر العاصمة عام 2000 و2005 وترأس اللجنة التحضيرية لهاتين الدورتين عضوا الأمانة العامة في الجزائر الشخصيتان القوميتان د. علي بن محمد والأستاذ لخضر بلعيد، كما انعقد المخيم الشباب القومي العربي الذي يشرف عليه المؤتمر القومي العربي عام 2006، وكان بإشراف الراحل سي عبد الحميد مهري وعضو مجلس أمناء المخيم المؤرخ د. مصطفى نويصر.
ولأن استقرار أقطارنا كان هاجس المناضلين في الجزائر ومطلب تداول السلطة هي غاية تحقيق الديمقراطية، فلم يكن صدفة أن يترأس لجنة انتخابات الدورة 26 للمؤتمر أحد رجالات الثورة الجزائرية والكاتب والباحث والسفير السابق الاستاذ مصطفى هشماوي، وترأس الراحل سي لخضر بورقعة رئاسة لجنة الانتخابات للمؤتمر القومي العربي في الدورة 29 عام 2018.
سي لخضر بورقعة ستفتقدك بيروت وأصدقاؤك الكثر فيها، كما كل عاصمة عربية وكل ساحة نضال، سنفتقد جرأتك وصراحتك وصلابتك ومواقفك الثابتة. رحمك الله وحمى الجزائر وثورتها.