الرأي

رحل‮ ‬مهري‮ .. ‬فمن‮ ‬يجسد‮ ‬مبادئه؟

الشروق أونلاين
  • 3025
  • 15

كنت في المقبرة مع الجموع الحاضرة، أستمع إلى رئيس منظمة المجاهدين السّيد المجاهد السّعيد عبادو، وهو يؤبّن الأستاذ الفاضل وفقيد الجزائر الراحل، الأب السياسي الحليم والمسؤول المتواضع الكريم، السّيد المجاهد عبد الحميد مهري رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه..

سمعت خطابا، يُقرأ بصوت حزين ولسان أمين .. يبعث، بإشارات قوية وحقائق جلية .. لا يختلف عليه الخصوم والأعداء فضلا عن أهل المودّة والولاء.. عدّد فيه مناقب الرجل الكثيرة، والخصال الجليلة والتضحيات الجسيمة .. شهد له، بالرّأي السديد والتوجيه الرشيد، والتحليل الصائب‮ ‬والنظر‮ ‬الثاقب،‮ ‬والكلمة‮ ‬الصادقة‮ ‬والحكمة‮ ‬الناطقة‮..‬

أثنى‮ ‬فيه،‮ ‬على‮ ‬مشوار‮ ‬جهاده‮ ‬الطويل‮ ‬الناجح‮.. ‬وعقله‮ ‬الكبير‮ ‬الراجح‮.. ‬ولسانه‮ ‬الفصيح‮ ‬الصالح‮.. ‬

أكّد‮ ‬صحّة‮ ‬ما‮ ‬ذهب‮ ‬إليه‮ ‬في‮ ‬تشخيص‮ ‬أسباب‮ ‬الأزمة،‮ ‬وتمسّكه‮ ‬بالحوار‮ ‬والمصالحة‮ ‬حلا‮ ‬واحدا‮ ‬ووحيدا‮ ‬للخروج‮ ‬من‮ ‬الدوامة‮ ‬التي‮ ‬غرقت‮ ‬فيها‮ ‬البلاد،‮ ‬وذهل‮ ‬لهولها‮ ‬العباد‮. ‬وختم‮ ‬الخطاب‮ ‬بالدعاء‮ ‬للفقيد‮ ‬والترحم‮ ‬عليه‮..‬

وكان‮ ‬في‮ ‬وسعه‮ ‬واستطاعته،‮ ‬جزاه‮ ‬الله‮ ‬خيرا‮ ‬وأحسن‮ ‬إليه،‮ ‬أن‮ ‬يكمل‮ ‬ما‮ ‬بدأ‮ ‬به‮ ‬قائلا‮:‬

هكذا عرفنا سي عبد الحميد، المناضل القديم والرجل العظيم، حاضرا في كل محطة ومنعرج، وفي كل تحول عاشته البلاد، خلال مسيرة طويلة، عامرة بالأحداث والتحديات، لم يبخل فيها أبدا بالنصح للحاكم والمحكوم، ولم يتوقف عن قول الحق للظالم والمظلوم، ولم يعجز رغم تقدم السن، عن أداء الواجب في تنوير الأجيال الصاعدة وهدايتها إلى الطريق القويم والصراط المستقيم.. وهاهو يفارقنا اليوم، وفي حلقه غصّة خنقته كمدا، وفي قلبه حسرة  قتلته  حزنا، على مصير الجزائر، وشعب الجزائر، ودين الجزائر..

ولأنني لا أشك أبدا بأن الغصّة التي خنقته، والحسرة التي قتلته، هما في حلق وقلب، كل مجاهد نظيف وجزائري شريف، في أي موقع كان ومن أي منظمة أو حزب.. فقد بِتّ أخاف أن نموت جميعا هكذا، الواحد تلو الآخر، دون أن نفعل شيئا يذكر أو نترك قولا يؤثر، فيموت بموتنا تاريخ الثورة،‮ ‬وتقبر‮ ‬حقيقتها‮ ‬وتخبو‮ ‬جذوتها‮ ‬وتطفأ‮ ‬شمعتها،‮ ‬وتتحقق‮ ‬للأعداء‮ ‬آمالهم‮ ‬وللمتربصين‮ ‬أحلامهم‮ ..‬

فإلى‮ ‬متى‮ ‬نستمر‮ ‬في‮ ‬هذا‮ ‬الصمت‮ ‬الرهيب‮ ‬والموقف‮ ‬المريب،‭ ‬الذي‮ ‬زعزع‮ ‬فينا‮ ‬ثقة‮ ‬الأجيال،‮ ‬وجرّأ‮ ‬علينا‮ ‬الخونة‮ ‬والأنذال‮.‬

وإلى‮ ‬متى‮ ‬نبقى‮ ‬هكذا،‮ ‬نتحمل‮ ‬الألم‮ ‬ونتجرع‮ ‬السقم،‮ ‬ونحن‮ ‬نتقدم‮ ‬في‮ ‬كل‮ ‬يوم،‮ ‬على‮ ‬نهج‮ ‬غامض‮ ‬ودرب‮ ‬مظلم‮ ‬ونهاية‮ ‬مجهولة‮..‬

أما أن لنا أن ننتفض انتفاضة، تكسر القيود، ونزأر في وجه الباطل، زئير الأسود، ونعود بشعبنا وبلادنا عودة ميمونة، إلى النهج الواضح والدرب المنير والمبادئ العظيمة، التي سطّرها الرعيل الأول من إخواننا المجاهدين الأشاوس في بيان أول نوفمبر الخالد الذي حدد معالم الدولة‮ ‬الجزائرية‮ ‬وهويتها‮ ‬في‮ ‬البند‮ ‬الصريح،‮ ‬الذي‮ ‬نص‮ ‬على‮ ‬إقامة‮ ‬دولة‮ ‬جزائرية‮ ‬مستقلة‮ ‬ديمقراطية‮ ‬واجتماعية‮ ‬وذات‮ ‬سيادة‮ ‬ضمن‮ ‬إطار‮ ‬المبادئ‮ ‬الاسلامية‮.‬

هذا المشروع المجتمعي العظيم، الذي يمثل بحق، القاسم المشترك والقاعدة الصلبة الجامعة، التي تصلح فعلا لتكون أساسا يبني فوقه كل الجزائريين على اختلاف مشاربهم ومدارسهم برامجهم السياسية والإصلاحية المتنوعة باختلاف التوجّهات.

اِيهٍ‮.. ‬يا‮ ‬إخواني‮ ‬المجاهدين‮..‬ماذا‮ ‬عساي‮ ‬أن‮ ‬أقول‮ ‬لكم،‮ ‬غير‮ ‬ما‮ ‬تعرفون‮ ‬وتنتظرون‮..‬

إن‮ ‬الموت‮ ‬حق‮.. ‬وهو‮ ‬قدر‮ ‬محتوم‮ ‬لا‮ ‬مفر‮ ‬منه‮.. ‬وهو‮ ‬قريب‮ ‬من‮ ‬ثلاثة،‮ ‬كما‮ ‬قال‮ ‬عليه‮ ‬الصلاة‮ ‬والسلام‮ ..‬

المريض .. والمجاهد .. والذي اشتعل رأسه شيبا .. وهي صفات اجتمعت فينا كلها، فلم يبق أمامنا إذا، إلا أن نستعد وأكثر من أي وقت مضى، للقاء ربّنا واللحاق بإخواننا من الشهداء الأبرار والمؤمنين الصالحين الأخيار..       

فنحن‮ ‬اليوم،‮ ‬إلى‮ ‬حياة‮ ‬القبر‮ ‬الموحش‮ ‬أقرب‮ .. ‬ومن‮ ‬حياة‮ ‬القصر‮ ‬العامر‮ ‬أبعد‮..‬

فهل نقرأ الدرس جيدا، ونستخلص العبرة اللازمة، مما وقع ويقع، ونجدد العهد مع الله ومع الأمة، وننطلق بكل عزم وحزم، في عمل مدروس صائب، وموقف شجاع غاضب، نعيد به قطار البلاد إلى سكّته، والمشعل إلى فتيته، والشعب إلى أمته .

يجب أن نتوكل على الله ولا نتردد، ولا يقولن أحدكم، مالنا ولأمر لا ناقة لنا فيه ولا جمل، فالسلطة الحاكمة هي وحدها المسؤولة عن تردي الأوضاع وتفشي الفوضى وانعدام النظام، ياسبحان الله، وهل يوجد على رأس السلطة غير السيد الرئيس الأخ المجاهد عبد العزيز بوتفليقة؟ وهل‮ ‬يسير‮ ‬أكبر‮ ‬وأهم‮ ‬مؤسسات‮ ‬الدولة‮ ‬غير‮ ‬إخواننا‮ ‬المجاهدين‮ ‬من‮ ‬قيادة‮ ‬الأركان‮ ‬في‮ ‬الجيش‮ ‬إلى‮ ‬غيرها‮ ‬من‮ ‬المؤسسات‮ ‬الإستراتجية‮ ‬؟‮ ‬لا‮.. ‬لا‮..  ‬لا‮ ‬عذر‮ ‬لنا‮ ‬بعد‮ ‬اليوم‮ ‬‭..‬فإما‮ ‬أن‮ ‬نكون‮ ‬أو‮ ‬لا‮ ‬نكون‮ ..‬

.

إخواني‮ ..‬

إن أول خطوة تنتظرنا على طريق التصحيح، هي إعادة النظر في الأدبيات والشروط، التي ترسم وتحدد معالم الأسرة الثورية، هذه العائلة التي لم تخرج إلى الوجود على أساس عرقي أو رابطة دم، وإنما ولدت من رحم المجموعة الوطنية، ورضعت حليبها، ونشأت في حجرها، على ضوء تعاليم الإسلام‮ ‬المنيرة،‮ ‬ومبادئ‮ ‬الثورة‮ ‬العظيمة‮ ..‬

التعاليم‮ ‬والمبادئ،‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬ولاتزال‮ ‬وستبقى‮ ‬شئنا‮ ‬أم‮ ‬أبينا،‮ ‬المقياس‮ ‬الصحيح‮ ‬الأوحد،‮ ‬الذي‮ ‬يرفع‮ ‬أبناء‮ ‬الجزائر‮ ‬البررة‮ ‬الأوفياء،‮ ‬ويضع‮ ‬منهم‮ ‬العاقين‮ ‬الأدعياء‮ ..‬

وإذا‮ ‬كان‮ ‬الرسل‮ ‬والأنبياء‮ ‬لم‮ ‬يورّثوا‮ ‬دينارا‮ ‬ولا‮  ‬درهما،‮ ‬بل‮ ‬ورّثوا‮ ‬العلم‮ ‬وجعلوه‮ ‬إرثا‮ ‬لمن‮ ‬يطلبه،‮ ‬فكان‮ ‬العلماء‮ ‬هم‮ ‬ورثة‮ ‬الأنبياء‮. ‬

فإن الشهداء الأبرار والمجاهدين الأبطال الذين ضحوا بالنفس والنفيس، قد تركوا للأجيال مبادئ الثورة العظيمة وأخلاق النضال الحميدة، إرثا مشتركا لكل الجزائريين الذين آمنوا بها وقبلوا بتبعاتها وقرروا المضي قدما نحو تحقيق أهدافها وترسيم دولتها ..

فبأي حق إذا، وفي أي دين، وجدنا المسوغ الذي سمح لنا بتفضيل الابن البيولوجي، حتى وإن كان ممسوخا منسلخا يكفر بأصله، ويعترف جهرا بحبه لعدو وطنه وشعبه، على الابن الشرعي للثورة وقيمها، الذي يكابد الأمَرَّين من أجل قطع دابر الاستعمار ومحو آثار الاستدمار، وتحقيق الاستقلال‮ ‬الكامل‮ ‬والتحرير‮ ‬الشامل؟

.. رحم الله الرئيس هواري بومدين فقد كان لا يمل من التذكير بقوله: إذا كان المجاهدون الأوائل هم من فجر الثورة، فإن الشعب هو من احتضنها وتحمل أعباءها، فلا يحق لنا اليوم وتحت أي مبرر كان أن نبخسه حقه أو ننكر له فضله..واستطاع رحمه الله أن يجمع أغلب الشباب الجزائري الوفي المتشبع بالمبادئ الثورية والقيم الوطنية في أطر نضالية متنوعة سمحت بتقوية الشعور بالانتماء والاعتزاز بالأصول والتمسك بدين الأجداد وثقافتهم، فكان شعار ابن باديس الثلاثي الخالد .. الإسلام ديننا .. الجزائر وطننا .. العربية لغتنا .. عنوانا كبيرا رفعته المدرسة الجزائية عبر مختلف الأطوار، أين زرع الأساتذة البادسيون المبادئ والقيم في عقول الناشئة، فأنبتت في قلوبهم، إيمانا بالله وتمسكا بالإسلام وحبا ووفاء للأوطان .. ولكم أن تقارنوا مقارنة بسيطة بين جيلين متعاقبين بعد الاستقلال لتعرفوا الفرق الشاسع الذي يفصل‮ ‬السابق‮ ‬عن‮ ‬اللاحق‮ ‬في‮ ‬قوة‮ ‬التمسك‮ ‬بالدين‮ ‬والوطن‮ ‬والقيم‮ ..‬

.

إخواني‮ ..‬

يؤسفني ويؤلمني أن أقول لكم، بأن الانتخابات القادمة لن تكون أبدا مفتاحا للاصلاح الذي يحلم به الجزائريون، حتى ولو تمت في أحسن الظروف ووفق المقاييس العالمية والشروط الدولية، ما لم يواكبها حوار عميق وشامل، يذهب بالمصالحة إلى نهايتها، ذلك لأن استحقاقا تقصى منه شريحة‮ ‬كبيرة‮ ‬ومؤثرة‮ ‬من‮ ‬الشعب‮ ‬الجزائري،‮ ‬سيكون‮ ‬حتما‮ ‬فاقدا‮ ‬للشرعية‮ ‬ومنقوص‮ ‬المصداقية‮.. ‬

والغريب العجيب أن نظامنا الحاكم الذي أوقف المسار الانتخابي ودفع بالأوضاع السياسية إلى الاحتقان والتعفن، وأوصل بلادنا إلى حالة من الفوضى والاقتتال بين أبناء الشعب الواحد تفوق عشرات المرات ما يجري اليوم في بعض البلدان العربية الشقيقة.. إن نظامنا هذا الذي يحاول عبثا في هذه الأيام، التدخل بين أطراف النزاع في البلدان المذكورة ودعوتهم إلى ترك لغة السلاح جانبا، والجلوس إلى طاولة الحوار والانخراط في العملية السياسية، وفتح المجال أمام الشعب السيد ليقول كلمته.. هذا النظام نفسه، هو من يمنع الحوار بين الفرقاء في جزائرنا، بل فعل أكثر من ذلك، فقد أخلف وعده ونقض عهده، حتى مع الذين تفاوض معهم، وأصدر على إثر ذلك مرسوما رئاسيا باسم الدولة الجزائرية، يقضي بتمتع المعنيين بكامل حقوقهم المدنية، هاهو يتنكر لهم جهارا نهارا وفي مرحلة حسّاسة خطيرة كالتي نعيشها، ويمنعهم من ممارسة حققوقهم‮ ‬المشروعة‮.. ‬يفعل‮ ‬هذا‮ ‬في‮ ‬وقت‮ ‬نحن‮ ‬أحوج‮ ‬ما‮ ‬نكون‮ ‬فيه‮ ‬إلى‮ ‬جمع‮ ‬الشمل‮ ‬وإصلاح‮ ‬ذات‮ ‬البين،‮ ‬عن‮ ‬طريق‮ ‬الحوار‮ ‬والمصالحة‮ ‬التي‮ ‬توحد‮ ‬كلمتنا‮ ‬وترص‮ ‬صفوفنا‮ ‬وتقوي‮ ‬موقفنا‮ ‬وتعزز‮ ‬مكانتنا‮ ‬بين‮ ‬الأمم‮ ‬والشعوب‮ ..‬

فأي‮ ‬مصداقية‮ ‬بقيت‮ ‬لحكامنا‮ ‬وأي‮ ‬قيمة‮ ‬للقرارات‮ ‬التي‮ ‬تصدر‮ ‬باسم‮ ‬دولتنا‮ ‬بعد‮ ‬الذي‮ ‬عرفه‮ ‬الناس‮ ‬وعايشناه‮ ‬ورأيناه‮..‬؟

وعلى أي أساس نقترح على غيرنا ما نرفضه ونحاربه نحن في بلادنا؟ فالناس وعلى اختلاف أجناسهم يدركون جميعا أن فاقد الشيئ لا يعطيه .. فما هذا النفاق السياسي، وحالة التذبذب في المواقف التي وصلنا إليها والهوان الذي لحق بنا؟.. أهذه هي الجزائر التي كانت قبلة للأحرار؟‮ .. ‬أهذه‮ ‬هي‮ ‬الجزائر‮ ‬التي‮ ‬كانت‮ ‬ملاذا‮ ‬للثوار؟‮.. ‬أهذه‮ ‬الجزائر‮ ‬التي‮ ‬قهرت‮ ‬فرنسا‮ ‬وطردت‮ ‬من‮ ‬أرضها‮ ‬المجرمين‮ ‬الأشرار؟‮ ..‬

لكل هذا ولغيره، وجب علينا أن نستعد جميعا، فيما تبقى من أيام عمرنا لنجعل من يوم 19 مارس إن شاء الله تعالى، عيدا للنصر بكل المقاييس.. ننتصر فيه على أنفسنا الأمّارة بالسوء، على أطماعنا وأنانيتنا، على أضغاننا وأحقادنا، على ترددنا وتخاذلنا، على الخوف الذي كبّلنا‮ ‬وشلّ‮ ‬حركتنا،‮ ‬حتى‮ ‬جعلنا‮ ‬نتردد‮ ‬ونحجم‮ ‬عن‮ ‬تمرير‮ ‬قانون،‮ ‬نجرم‮ ‬فيه‮ ‬الاستعمار‮ ‬الذي‮ ‬فعل‮ ‬في‮ ‬شعبنا‮ ‬ما‮ ‬لم‮ ‬يفعله‮ ‬فرعون‮ ‬في‮ ‬قوم‮ ‬موسى،‮ ‬على‮ ‬موسى‮ ‬وعلى‮ ‬نبينا‮ ‬أفضل‮ ‬صلاة‮ ‬وأزكى‮ ‬سلام‮ ..‬

نعم.. نجعله عيدا ننتصر فيه للدين، فنعرّفه التعريف الصحيح، ونمجّده التّمجيد الذي يليق به، ونعيد له مكانته الحقيقية في الدولة، بالتأكيد على كونه المصدر الأول والأهم للتشريع والتوجيه في كل مناحي الحياة ..

ننتصر‮ ‬فيه‮ ‬للثقافة‮ ‬واللغة‮ ‬التي‮ ‬تعبّر‮ ‬فعلا‮ ‬عن‮ ‬هويتنا‮ ‬الوطنية،‮ ‬وانتمائنا‮ ‬العربي‮ ‬الاسلامي‮ ‬العميق‮ ..‬

ننتصر‮ ‬فيه‮ ‬للتّاريخ‮ ‬والثورة،‮ ‬فنبرز‮ ‬الصفحات‮ ‬البيضاء‮ ‬الناصعة‮ ‬التي‮ ‬تحكي‮ ‬أحداث‮ ‬البطولات‮ ‬والمآثر،‮ ‬دون‮ ‬أن‮ ‬نغفل‮ ‬تلك‮ ‬الجوانب‮ ‬المظلمة‮ ‬التي‮ ‬سوّدتها‮ ‬أخطاء‮ ‬البشر‮ ‬في‮ ‬لحظات‮ ‬ضعفهم‮ ‬وحالات‮ ‬جنونهم‮..‬

ننتصر فيه للشعب الجزائري المسلم، بالرجوع إلى الحق، ووضع الأزمة التّي كادت أن تأتي على الأخضر واليابس في إطارها الحقيقي، الذي يسمح لنا، أن نضع أيدينا على مواطن الداء، فنصف له الدواء، ونداوي جراحنا بمهارة الطبيب الحاذق، ونسوي خلافنا بحنكة  السياسي الحكيم، في‮ ‬غير‮ ‬ضرر‮ ‬ولا‮ ‬ضرار‮ ‬ومن‮ ‬دون‮ ‬إفراط‮ ‬أو‮ ‬تفريط‮..‬

ثم نتكلم في الدولة التي عرفنا لها اسما، ولم نجسّد لها رسما، وها نحن بين الشرق والغرب، في صحراء الحيرة الإديولوجية والتيه السياسي، على وجوهنا هائمين.. فهلا جلسنا لنبحث في طبيعتها ونجلي حقيقتها، ثم نتّفق على الثابت منها، ونضع له المواد القانونية التي تؤكّده وتحميه.. ونبيّن المتغّير فيها، ونجعل له المعالم التي توجهه وتهديه..وننشئ الهيئات المرجعية العليا، التي نعود إليها دوما عندما نختلف في فهم النصوص وتطبيقها قبل الذهاب إلى القضاء والاصطدام فيما بيننا.. وننتصر للمجاهدين الأحرار والشهداء الأبرار يإيجاد الصيغة الفكرية‮ ‬والسياسية،‮ ‬التي‮ ‬تسهل‮ ‬علينا،‮ ‬تفعيل‮ ‬وتجسيد‮ ‬مشروع‮ ‬المجتمع‮ ‬النوفمبري،‮ ‬الذي‮ ‬سطروه‮ ‬بدمائهم‮ ‬الزكية،‮ ‬وقدم‮ ‬في‮ ‬سبيله‮ ‬الشعب‮ ‬الفدية‮ ‬السخية‮ ..‬

إن عملا كهذا، إن نحن أنجزناه وأتممناه، بعد عرضه على أهل الخبرة والكفاءة داخل مؤسسات الدولة المختلفة بمشاركة الأحزاب والمجتمع المدني الحقيقي، خاصة الأطراف الفاعلة في الأزمة، لإثرائه ومناقشته، سيكون بمثابة ميثاق شرف وطني يجتمع على مضمونه كل الجزائريين. وهو عمل، سيضمن بعون الله استمرار الدولة، بوحدة ترابية لا تتجزأ، وشعب متماسك لا يتفرق، وسلطة شرعية منتخبة، تحمي الوطن بالحق، وتحكم الشعب بالعدل، وتنشر الأمن والأمان وتشيع الفضيلة والأخلاق الحميدة بين الناس .. وعلى إثر هذه الخطوة العملاقة، نستطيع ونحن مطمئنون، تقديم‮ ‬المشعل‮ ‬للجيل‮ ‬الصاعد،‮ ‬كي‮ ‬ينطلق‮ ‬به‮ ‬نحو‮ ‬الغاية‮  ‬المنشودة‮ ‬وتحقيق‮ ‬الحلم‮ ‬الكبير‮..‬

إخواني الأعزاء .. أمامنا خطوة جبارة، نقطعها بإرادة الذين يقولون ويفعلون، وتحد كبير، نغلبه بعزم الذين يقدمون ولا يترددون، أما الكلام، فلم يبق لنا منه، إلا الترحم على من فقدناهم، والتوجه إلى الله العلي القدير بالدعاء الصادق، عسى أن ينظر إلينا سبحانه بعين الرحمة‮ ‬والمغفرة،‮ ‬فيرفع‮ ‬عنا‮ ‬غضبه‮ ‬ولا‮ ‬يعذبنا‮ ‬بسخطه‮ ‬ويتولى‮ ‬أمرنا‮ ‬ويحسن‮ ‬خلاصنا‮ ‬ويهدينا‮ ‬سبل‮ ‬السلام‮..‬

… كان هذا بعضا مما رجوت أن يقال في تأبين سي عبد الحميد مهري، هذا الرجل الكبير، الذي بادرني بقوله، عند لقائي به بعد المصالحة وتوقيف القتال: لقد وصلتني رسالتك في أوانها، وأنا أشكرك، وقد حاولت أن أرد لكنني تحفظت بسبب الوسيط الذي جاءتني عن طريقه .. قال ذلك رحمه الله، وقد برقت المودة في عينيه، وظهر الحرج على وجهه، وتجلى الأسف واضحا في كلماته، وهذا لعمري خلق عباد الله الصالحين، وطبع رجال الحق الصادقين .. ولم أجد ما أرد به، إلا الحياء، في كلمات رقيقة صادقة، ونظرة تقدير واحترام، من عين فاحصة ناطقة ..             ‮               ‬

.. وقد كان رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه، من الشخصيات القليلة التي لا يتعدى عددها أصابع اليد، ممن راسلناهم، نطمئنهم ونطلب النصح منهم ونحثهم ونشجعم، على القبول بلعب الأدوار الأساسية في وساطة جادة بين الأطراف المتنازعة، بغية الوصول إلى حل نهائي للمحنة التي تمر‮ ‬بها‮ ‬البلاد‮ ‬ويكتوي‮ ‬بنارها‮ ‬العباد‮ ..‬

 نعم سيدي .. ودّعتنا، وأنت تحاول جهدك وإلى آخر أيّام عمرك، أن تصحح مسار الدولة، وتقوّم اعوجاج النظام، وتحثّ الشعب على ما يجمعه ويقويه، وتحذره مما يفرقه ويضعفه.. وحسبك هذا.. فقد فعلت ما بوسعك، والنتائج على الله يفعل ما يريد في الوقت الذي يريد.. أما المشروع والرسالة،‮ ‬فهما‮ ‬في‮ ‬قلوبنا‮ ‬وعقولنا،‮ ‬وسنستمر‮ ‬على‮ ‬طريق‮ ‬الحق‮ ‬لا‮ ‬نحيد‮ ‬عنه،‮ ‬ولن‮ ‬نتوقف‮ ‬أبدا،‮ ‬إلى‮ ‬أن‮ ‬يقضي‮ ‬الله‮ ‬أمرا‮ ‬كان‮ ‬مفعولا‮.‬

أيها‮ ‬الرجل‮ ‬الطيب‮.. ‬كان‮ ‬علي‮ ‬انتظار‮ ‬هدوء‮ ‬الأصوات،‮ ‬لأسمع‮ ‬كلامي‮.. ‬وانطفاء‮ ‬الشموع،‮ ‬لأنير‮ ‬شمعتي‮.. ‬وجفاف‮ ‬الأقلام،‮ ‬ليكتب‮ ‬قلمي‮ .. ‬حتى‮ ‬لا‮ ‬يطوى‮ ‬كتاب‮ ‬ذكراك‮ ‬سريعا،‮ ‬ويرمى‮ ‬به،‮ ‬في‮ ‬أرشيف‮ ‬النسيان‮.. ‬

وفي الختام .. أسأل الله أن تكون مررت على السؤال مرور عباد الله الصالحين، وشملتك رحمة رب العالمين وحسن على إثرها حالك ومآلك، وعلا بعدها شأنك ومقامك، وانتقلت إلى دار القرار والحياة الباقية، تنظر إلينا، بإشفاق.. نحن الذين بقينا وراءك في دار الغرور والحياة الفانية.. حقيقة لا شك فيها، كما جاء في الكتاب الذي لا ريب فيه والوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ”.

مقالات ذات صلة