-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رحيل أحمد طالب الإبراهيمي… آخر الكبار الذين جمعوا بين الفكرة والسلطة

بقلم: لعلى بشطولة
  • 561
  • 0
رحيل أحمد طالب الإبراهيمي… آخر الكبار الذين جمعوا بين الفكرة والسلطة

في صباحٍ هادئ من أيام الخريف، الخامس من أكتوبر 2025، أُسدِل الستار على فصلٍ من فصول الذاكرة الجزائرية. رحل الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الطبيب، المفكر، الوزير، والسياسي المخضرم، عن عمرٍ ناهز 93 سنة، تاركًا خلفه سيرةً تتقاطع فيها الثورة بالدولة، والفكرة بالفعل، والذاكرة بالتاريخ.

رحيله ليس مجرد خبر وفاة لرجلٍ تقلّد مناصب عليا، بل هو انطفاء مصباحٍ من مصابيح الوعي الوطني الذي وُلد من رحم الكفاح، وتربى في مدرسة الأصالة، وسعى إلى أن يُترجم الهوية إلى مشروعٍ حضاري متماسك.

من سطيف إلى باريس… ثم إلى قلب الدولة

ولد أحمد طالب الإبراهيمي في سطيف سنة 1932، في بيتٍ من بيوت العلم والدين، فهو ابن الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، أحد أعلام جمعية العلماء المسلمين. تربى على العربية والقرآن، وتشرب مبادئ الإصلاح والنهضة. حملته الأقدار إلى باريس طالبًا للطب، وهناك اشتد عوده الوطني؛ لم يكن مجرد طالب، بل مناضلًا وسط شبانٍ جعلوا من قاعات الجامعات فضاءات للحرية.

في عام 1957، اعتقلته السلطات الفرنسية، وظلّ خمس سنوات في السجن، يكتب ويؤمن أن الجزائر ستولد من جديد. خرج من المعتقل قبل الاستقلال بأشهر، ليعود إلى وطنٍ تتهيأ لمرحلة البناء بعد أن سطّرت التحرير بالدم.

منابر التعليم والدبلوماسية… حين تلتقي الفكرة بالقرار

منذ 1965، دخل الإبراهيمي معترك الدولة وزيرًا للتربية، فكان من أبرز من حملوا مشروع تعريب التعليم وبناء منظومة وطنية تستند إلى الهوية. لم يكن التعريب عنده شعارًا سياسيًا، بل رؤية ثقافية واستراتيجية لتأسيس جيلٍ جزائري الجذور عالميّ الأفق.

ثم تولى وزارة الثقافة والإعلام (1970–1977)، فساهم في صياغة خطاب وطني موحد، في زمنٍ كانت فيه الدولة تبحث عن ملامحها الخاصة. وفي الثمانينيات، حمل حقيبة الخارجية (1982–1988)، ممثلاً للجزائر في المحافل الدولية، مدافعًا عن قضايا التحرر، وعلى رأسها فلسطين.

كان يتحدث بثقة الطبيب، وهدوء المفكر، وصلابة الوطني. جمع بين لغة الحجة ولغة الدولة، بين الوعي الأكاديمي والقرار التنفيذي. قليلون هم من جمعوا بين هذه الصفات في تاريخ الجزائر المستقلة.

مواقف لا تُنسى… ورجل لم يتنازل عن أفكاره

مع بداية تسعينيات القرن الماضي، وفي لحظة الانقسام الكبرى، لم ينزلق إلى العنف ولا إلى الصمت. دعا إلى الحوار والحلول السياسية، وشارك في مبادرات وطنية لإطفاء نار الفتنة. وعندما ترشح للرئاسة سنة 1999، انسحب مع ستة مرشحين آخرين احتجاجًا على الترتيبات المسبقة، في موقفٍ بقي محفورًا في الذاكرة السياسية للبلاد.

لم يكن أحمد طالب الإبراهيمي معارضًا تقليديًا، ولا رجل سلطة جامدًا. كان ضميرًا سياسيًا يذكّر الجميع بأن الهوية لا تُختزل في الشعارات، وأن المصالحة لا تُفرض بالسلاح، وأن الجزائر لا تُبنى إلا بالعقل والضمير معًا.

مفكر كتب بالسجن وبالسلطة… وبالقلب

ترك وراءه مذكرات بعنوان «مذكّرات جزائري»، هي شهادة على قرنٍ جزائري مضطرب: من الاستعمار إلى الثورة، ومن الدولة الناشئة إلى الأزمة، ومن الحلم الكبير إلى سؤال المستقبل. كما كتب رسائل من سجنه في الخمسينيات، فيها روح مثقفٍ يؤمن بأن المعركة ليست فقط على الأرض، بل في العقول.

الختام… غياب رجل، وبقاء أثر

رحل أحمد طالب الإبراهيمي بهدوء، كما عاش، دون ضجيج ولا استعراض. لكنه ترك وراءه سيرة رجلٍ نادر جمع بين الفكر والسياسة، بين الجذر والحداثة، بين الحلم والواجب. برحيله، تفقد الجزائر أحد آخر رموز جيلٍ أسّس الدولة ورافق مسارها من الطفولة إلى الشيخوخة.

ليس من المبالغة القول إن رحيله يفتح أسئلة أكثر مما يغلقها:

من سيحمل مشعل الفكر السياسي الوطني في زمنٍ تتناسل فيه الأصوات العابرة؟
من سيجسر الهوة بين الهوية والعصر، بين السياسة والثقافة، بين التاريخ والمستقبل؟

لقد طُويت صفحة، لكن المعنى لم يُطوَ. فالمعاني التي حملها لا تموت، بل تنتظر من يكتب فصولها القادمة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!