الرأي

رسائل من تحت الماء

عندما تقدّم الشاعر السوري الراحل، نزار قباني، عام 1974 من المطرب المصري الراحل، عبد الحليم حافظ، على أمل أن تجمعهما قصيدة، في أغنية يلحنها الراحل محمد الموجي، كانت الإشكالية التي واجهت الملحّن والمطرب في قصيدة نزار، هي حرف الرويّ، الذي يُنهي القافية بحرف القاف المعقّد، وكان أصعب ما في اللحن هو كلمات أغرق وأزرق وزورق وأعمق، فخلدت القصيدة، كرسالة من تحت الماء، وخلدت لازمتها.. إني أغرق.. أغرق.

وقد يكون السيد عمار سعداني موفقا، في مطابقته لقصيدة “نزار” قباني العاطفية ورسالة توفيق، صديق خالد “نزار” السياسية، وموفّقا في مطابقته في حالة “غرق” العنديلب الأسمر وحالة “غرق” الجنرال المتقاعد، ولكنه لم يكن موفقا في علوم الصرف والنحو، عندما قال رسالة من تحت الماء، ولم يقل رسائل من تحت الماء ومن فوقه أيضا، وعندما قال للجنرال “أنت تغرق” ولم يقل “كلنا نغرق”.. للأسف الشديد.

لقد مرّ أسبوع على رسالة الجنرال توفيق التي لم تستهلك أكثر من قطرة حبر، وقد تمر أسابيع أخرى ولن يجفّ بحر الردود عليها، لأن الذي صمت نصف قرن برغم ما عاشته البلاد من زلازل وبراكين وعواصف، لن ينتظر غير هذا الجدل بعد أن قرر أن يقول لصالح صديقه أو رفيقه في العمل، ومن حق أي جزائري أن يسأل إن كان “حسان” وحده من ضمن أربعين مليون جزائري على مدار نصف قرن من ظُلم، وجعل هذا الرجل الصامت الذي لا يكاد الجزائريون يعرفون له ملامح، ينسف “واجب التحفظ” ليقول أخيرا.

سُئل مرة المناضل الكبير حسين آيت أحمد، عن سبب توقفه عن مراسلة الجزائريين من نظام وشعب، فقال إن الرسائل تجاوزها الزمن، بدليل القراءات المتناقضة التي تلقاها، إضافة إلى كونها لم تغيّر من الوضع شيئا، وأحيانا تزيد من الشرخ. والسؤال المطروح حاليا هو: ما الذي قدمته رسالة الفريق مدين للوضع السياسي البائس في الجزائر، والمستقر بين “قيل” المعارضة و”قال” السلطة، ولا عمل يلوح في الأفق، لأجل حل الأزمة التي تهرول إليها البلاد بسرعة البرق.. نحو أصعب كلمة في عالم التلحين وهي الغرق.

وعندما يتابع الجزائريون هذا الكمّ، من رجالات السلطة والمعارضة وهم يقضون اليوم كله في عقد الندوات الصحفية والجلسات السياسية، نصفه في لعاب القول والنصف الآخر في حبر الرسائل، وهم الذين يقضون اليوم بحثا عن رغيف لأبنائهم، من حقهم أن يتساءلوا من أين تعيش السيدة لويزة حنون أو السيد عبد الله جاب الله أو غيرهما في المعارضة وفي قمة السلطة، ولا أحد ضُبط يوما، يُفلّح أرضا أو يستورد “شيفونا” أو حتى يغيّر عملة في ساحة “السيكوار”.

نعود إلى قصيدة نزار قباني التي غناها عبد الحليم حافظ ولحّنها محمد الموجي منذ أكثر من أربعين سنة، لنؤكد أن أحسن ما فيها وما يطابق واقعنا هو مقطع: لو أني أعرف أن البحر عميق جدا ما أبحرت.. لو كنت أعرف خاتمتي ما كنت بدأت؟

مقالات ذات صلة