الرأي

رسالة إلى الشيخ جاب الله وعدنان إبراهيم

التهامي مجوري
  • 2195
  • 0

عندما استمعت إلى الحوار: “البودكاست” الذي أجري مع الشيخ عبد الله جاب الله، وجدتني راغبا في التوضيح والرد على ما قال وعلى ما اعترى كلامه من شطحات وتناقضات، وكذلك وقع لي قبل أشهر عندما استمعت إلى محاضرة عدنان إبراهيم في الإمارات المتحدة، عندما شرع في إطلاق النار على جماعة الإخوان المسلمين ومؤسسها الشيخ حسن البنا، وذلك جريا على عادتي في كتابة المقال الأسبوعي التحليلي منذ أربعين سنة: في “العالم المعاصر” و”العالم السياسي” و”السفير” و”البصائر” و”الشروق اليومي”، وقد كتبت الكثير من الردود على الكثير من الدعاوى والادعاءات في مجالات سياسية وتاريخية…
لكن هذه المرة ومنذ قصة عدنان إبراهيم، عدلت على الخوض في الردود والردود على الردود، باعتبار أن ذلك من تبديد الطاقات الثقافية والفكرية التي يمكن استثمارها فيما ينفع الأمة، والانشغال بقضايا الكثيرة… ولاعتبار آخر هو أن هذه الردود والتعليقات لا سيما فيما يكون كذبا صريحا مثل تصريحات عدنان إبراهيم، أو تصريحات مرجوحة أو محتملة مثل تصريحات الشيخ عبد الله جاب الله، قد تترك من الخدوش والجروح العميقة في العلاقات وفي النفوس، مثل الخدوش التي بقيت في نفس الشيخ عبد الله جاب الله تجاه إخوانه.
ونتيجة لذلك شغل بالي أمرٌ آخر، أهم وأخطر، من شطحات هذا وادّعاءاته، وأكاذيب ذاك وتناقضاته، فتساءلت بيني وبين نفسي: لماذا لم يقم الشيخ جاب الله بعملية نقدية لمساره الدعوي والسياسي، بدل أن يسرد لنا من التاريخ ما له فيه شركاء كثيرون، لا يُكتفى فيه برأي واحد ورواية واحدة وموقف واحد؟ ولماذا تحوَّل الدكتور عدنان إبراهيم من داعية متميز في الغرب إلى مجرد بوق من الأبواق التي لا يهمها إلا مطاردة الخير وأهله؟ بل ولماذا ينشغل غيرُهم بالردود عليهم وتكذيبهم وتسفيههم؟
والجميع من المفروض أنّ لهم ما يشغلهم مما تحتاج إليه الأمة في آنها ومستقبلها، وهم مطالبون بالقيام به سواء في بناء الذات أو في إصلاح المجتمع ومواجهة القوى الغربية المتغطرسة.
إن الطاقة البشرية محدودة، إذ أنّ كل فرد يتربع على قدر من الطاقة، إذا صرفها في جانب لا يمكن أن يبقى له ما يصرفه في باقي ما يتعرض إليه من تحديات لا تتوقف عن التوالد، والشيخ جاب الله قد يلتمس لنفسه العذر فيما قال، لكونه صاحب حقيقة يتعين عليه بيانها، ولكن كداعية وسياسي يحمل مشروعا إصلاحيا، هل من الإصلاح ألا يكون في جعبته من قضايا الإصلاح إلا الكشف عن خلافاته مع إخوانه التي لا ينتفع بها الشباب الذين عفاهم الله من مصائب جيلنا، فاستدعاها لهم الشيخ عبد الله ليُغرقهم فيها؟.
وفي تقديري أن الزمن الذي نعيش فيه هو زمن الفاعلية الاستثنائية، وليس من حق كل من يدَّعي أنه يريد الإصلاح في بلاده، أن يشغل الناس بأوهامه، وإذا كان حريصا على الحقائق، فليكتب مذكّراته ويدعها للأجيال، ولا يظلم الناس بحشرهم فيما ليس من همومهم وأولوياتهم.
ثم إن المعلومات التي أدلى بها الشيخ عبد الله جاب الله، أو التي أعلن عنها عدنان إبراهيم، هما مسؤولان عنها، وعلى كل من كان في موقعهما ومكانتهما أن يدوّن مذكراته ويحفظها للأجيال، ويترك للتاريخ الحكم عليها صدقا أو كذبا؛ لأن التاريخ لا يقبل الخديعة… أما الاشتغال بالتصريح والرد على التصريح والرد على الرد، ثم الانتقال إلى التسفيه والمعايرة والمحاسبة والاتهام والتخوين… فكل ذلك من معرقلات الأمة في نهضتها ومقاومتها للفساد الواقع والمتوقع، لاسيما وأن قوى “البروباغندا” وصناع الرأي وتزييف الوعي، من أعلم الناس بالاشتغال على مثل هذه الأمور؛ لأنها من أكثر الأمور فاعلية في تمزيق الصف وبعثرة الطاقة والجهود المعدَّة للانفجار في وجه العدو وتمدداته في البلاد الإسلامية.

لماذا لم يقم الشيخ جاب الله بعملية نقدية لمساره الدعوي والسياسي، بدل أن يسرد لنا من التاريخ ما له فيه شركاء كثيرون، لا يُكتفى فيه برأي واحد ورواية واحدة وموقف واحد؟ ولماذا تحوَّل الدكتور عدنان إبراهيم من داعية متميز في الغرب إلى مجرد بوق من الأبواق التي لا يهمها إلا مطاردة الخير وأهله؟ بل ولماذا ينشغل غيرُهم بالردود عليهم وتكذيبهم وتسفيههم؟

لقد هممت بالرد على عدنان إبراهيم في حينه، كما حدّثتني نفسي بالكتابة عن الشيخ عبد الله جاب الله ثم عدلت كما أسلفت، وذلك ليس إقرارا لما سمعت أو تهوينا من أهمية التوضيحات والردود، وإنما تملصا لما يراد لنا أن نبقى فيه، وانشغالا بالأولى من كتابة الردود على قضايا تثيرها شخصياتٌ معروفة وتستثمر فبها جهاتٌ مشبوهة، من مسائل فقهية، ومواقف سياسية، وأراء كلامية… بل ربما كان الاستثمار في النيّات الحسنة أكثر من تعبئة النيات السيئة، ليبقى المسلمون في دائرة مفرغة لا أوّل لها ولا آخر، وما تهربت منه قد وقع فيه الكثير من إخواني، الذين سلّوا سيوفهم للطعن في هذا والنيل من هذا وتكذيب هذا ودعم ذاك.
وبتقديري، بقطع النظر عن صحة ما يروى من أحداث ومواقف وآراء، لا يمكن أن تصبّ إلا في جراب أعداء الأمة، بإلهائها عن واجباتها الحقيقية تجاه ما يراد بها من مخازي ومآسي. وعملية الإلهاء هذه لم تعد خافية على الناس بجميع الوسائل وفي جميع المجالات.
إن الانشغال بتكذيب هذا وتأييد ذاك وتصحيح ذلك، وما يترتب عن ذلك من انفعالات وتفاعلات، يصرف الجهود الكبيرة إلى ما لا يفيد… وطاقة الناس محدودة كما أسلفنا إذا صرفناها فيما لا يفيد كان ذلك على حساب ما يفيد، فضلا عن إثارة الزوابع التي تثير الخلافات وتعمّق الجروح وتحول كل ذلك إلى عداوات وهمية لا فائدة من ورائها.
ما هي فائدة الشيخ جاب الله في إثباته أنه هو أول من أسس للعمل الإسلامي في الجزائر؟ وما فائدة عدنان إبراهيم في الطعن في الشيخ حسن البنا، والرجل قد مرّ على وفاته قرابة الثمانين سنة؟ لنفرض جدلا أن الأمر كما قالا، ما الذي أضافاه للأمة وللواقع فيما ذهبا إليه؟ هنا ندخل في صلب الموضوع، وهو: ما هي إضافات الشيخ جاب الله في الواقع؟ وما هي إضافات عدنان إبراهيم؟ فإذا كانت لهما إضافات سيُذكران بها كفضائل نافعة، وإذا كان لهما غير ذلك، فسوف لا يذكرهما التاريخ بغيرها؛ لأن طبائع الأشياء والتاريخ لا يقفان إلا على خلاصات الأمور، وعندما يقتصر الكلام على المنجزات والإخفاقات، فإنه بلا شك سوف لا يتسع إلى الادّعاءات، حقيقية كانت أو كاذبة (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [الرعد 17].
ولتوضيح الفكرة التي أريد تبليغها هنا، يمكنني أن أستعير تجربة المقاومة الجزائرية والحركة الاصلاحية السياسية، فهي نموذج حيّ يمكن للمناضل الاهتداء بهديه.
في غزو الاستعمار للجزائر في سنة 1830، كان ردُّ الفعل الطبيعي الشعبي نشأة المقاومة التي استمرت أكثر من ثمانية عقود 1830/1916، فسجّلت المقاومة بذلك بطولات كبيرة رفيعة المستوى في العطاء والتضحية والحرص على مقاومة الاستعمار… ولكنها فشلت في تحقيق المراد، ومع ذلك لم ينشغل الناس بالكلام عن إخفاقات المقاومة، وإنما توقف نشاط المقاومة الذي كان يستنزف الطاقات، واتجهت الأمة إلى صرف الطاقة في الساحات التي تثمر وتنتج… فلم تمر إلا سنوات قليلة جدا حتى نشأت الحركة السياسية بشقيها الإصلاحي والثوري، الأمير خالد 1920، نجم شمال إفريقيا 1926، جمعية العلماء 1931، النواب 1933، الحزب الشيوعي 1935…
ذلك الجهد هو الذي جمع جهود الأمة وطاقاتها في هذه التنظيمات التي كانت تهدف إلى غاية واحدة هي بناء الشعب الجزائري لتحقيق استقلاله، فتوحّدت الجهود؛ لأن الجميع جعل همَّه توجيه الطاقة إلى حيث تنتج، وأكبر مثال على ذلك في جمع طاقات الأمة المبعثرة “المؤتمر الإسلامي 1936” الذي دعا إليه الشيخ عبد الحميد ابن باديس، فجمع فيه جميع القوى السياسية الموجودة في البلاد، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، و كان أول اجتماع للقوى السياسية الموجودة في الساحة في تاريخ الجزائر المستعمَرة.

مقالات ذات صلة