الرأي

رسالة إلى الطغاة

التهامي مجوري
  • 5486
  • 16

عندما مات بورقيبة كتب الأستاذ ناصر الدين النشاشيبي رحمه الله مقالا بعنوان “آخر الطغاة وأصغرهم”، لما عرف عن بورقيبة من استبداد وطغيان وتجاوز لحدود اللياقة في التعامل مع المعارض والموالي على حد سواء، في القول والفعل والسلوك، وسحقٍ للإنسان وقيمه إن لم تكن على هوى بورقيبة، وهو وإن كان أصغر الطغاة بالفعل، بحكم موقعه في خريطة الرؤساء، وبحكم صغر بلده، فهو ليس كموسيليني أو هتلر أو عبد الناصر، فإن الطغيان واحد، لا فرق فيه بين كبير وصغير. وربما كان النشاشيبي يريد بذلك العنوان، أن نهاية الطغاة كانت بوفاة بورقيبة، كما استبشر مركز الدراسات العربية قبل ذلك بانقلاب بن علي عليه، حيث اعتبر في دراسة له حول الدولة والمجتمع في المغرب العربي، نشرت في ثمانينات القرن الماضي، أن صعود بن علي إلى سدة الحكم في تونس مبشر بتشبيب الدولة التونسية، واستبشارا بمستقبلها بعد طغيان “الشيخ” بورقيبة وظلامه الدامس.

ولكن التاريخ خيب الأستاذ ناصر الدين النشاشيبي، حيث بقي من الطواغيت في العالم العربي بعد بورقيبة، ما لو وزعت جرائمهم على العالم لمسحته من الخريطة، ابتداء من الوريث الانقلابي زين العابدين بن علي، الذي كان ألعن من بورقيبة في منهجه وسلوكه وطبيعة حكمه…، بحيث ترحَّم التونسيون على بورقيبة عندما رأوا بن علي وأفعاله!!

طغاة من كل نوع، فيهم الطاغية الكبير والطاغية المتوسط والطاغية الصغير، وهم على ما بينهم من تباين في المكانة والحجم، صنف واحد من حيث الجرائم التي ارتكبوها، ومن حيث الكم الهائل من التأثيرات السلبية –الأصلية والجانبية- لسلوكاتهم التي لم تبقِ على قيمة يمكن أن يحتفي بها المواطن العربي، وبحكم أن هذه الكلمة موجهة إلى البقية الباقية منهم، فإنني سأقف عند ذكر نموذج من الذين انتقم منهم التاريخ نيابة عن الشعوب المغلوبة على أمرها، فشُرِّودا قُتِلوا شر قتلة، كما شَرَّدوا وقَتَلوا لعلهم يكونون عبرة لهذه الباقية.

فبمقتل الرئيس علي عبد الله صالح، يكون قد سقط من عِقْد الطواغيت العرب واحد منهم، ولكنه سقوط ليس ككل سقوط، سقوط لا يليق برئيس، ولا بصاحب مكانة في قومه، بل سقوط لا يليق بإنسان شريف كان أو وضيع، كما سقط إخوان له في الطغيان من قبل.

والموت حق على كل حي. كما أن الموت لا تقبل شهادته على حسن خلق إنسان أو سوئه عندما يفارق الحياة؛ لأن واجب في حق كل حي، وهو عبارة عن انتقال من مرحلة من مراحل عمر الإنسان إلى مرحلة أخرى تعد من عمره ولكنها انتقال إلى عالم آخر يختلف عن عالمنا المشاهد.

والكلام عن الأموات أيضا بما فيهم من سلبيات لا يصلح أن يكون تشفيا وفرحا وسرورا، وإنما هو مناسبة للكلام عن القيم الثابتة في حياتهم، فأصبحت فأصبحت خلقا لهم يتعاملون به مع الناس. 

كثيرا ما يغفل الناس عن القيم بما ينشغلون به من المصالح والأهواء والميولات فيحتاجون إلى التذكير بها، وأفضل المُذَكِّرين بالفضائل والرذائل في هذه الدنيا الموت، الذي هو نهاية كل حي، حيث أن كل حي يطمح لأن يُذكر بما يحب.

لقد تنبأ الرئيس القذافي بمصيره ومصير إخوانه من الطواغيت العرب، في إحدى القمم العربية عندما قال لهم “إن لم نحتج على قتل صدام حسين فإن الدور سيكون علينا”، ولكن عيب القذافي أنه تكلم يومها عن نتيجة حتمية وطبيعية، ولم يتكلم عن مقدمة يمكن تجاوزها بالتوبة والمراجعة ونقد الذات، ولو انه فكر قليلا في الأسباب التي أدت بالرئيس صدام حسين إلى تلك النهاية المؤسفة، لما تردد في معالجة أمراضه التي أسكرته وأنسته الجانب البشري فيه، قبل الحديث عن الاحتجاج على قتل صدام حسين. 

وغفلته تلك كلفته هو أيضا ميتة لم يمتها غيره، فقد قتل شر قتلة بشكل أسوأ من مقتل علي عبد صالح، لأن الرجل في حياته السياسية كلها، لم يبن شيئا على قيم يمكن أن تحميه في يوم من الأيام، وإنما استعدى كل شيء، ليكون رئيسا، وليبقى رئيسا، ولأن لا يكون غيره رئيسا، فسجن الآلاف وعذب وقتل..؛ بل عَيَّر شعبه وبلاده في عز الأزمة (يامقملين يا موسخين) يروى عنه أنه عندما نصحه الرئيس بورقيبة بالإهتمام بالتربية والتعليم، قال له لا يمكن “لأن الشعب سيدور عليَّ”، ولذلك عندما وقعت الواقعة، لم يجد من يحميه ويستره إلا الموت!! فلا شعب يتأسف عليه ولا قوى سياسية تدافع عنه؛ لأن جميع الذين احتمى بهم في حياته مرتزقة يغيرون الأصدقاء والأعداء كما يغيرون قمصانهم.. ولا نعرف لرئيس حرس من النساء إلا معمر القذافي لماذا؟ لا ندري.

وما يقال عن القذافي وصالح، يقال أيضا عن صدام حسين، الذي ألقي عليه القبض، وانتشل من حفرة مهان مجرد من كل حماية، وسجن وأعدم ولا احد يبكي عليه إلا أسرته وربما الذين كانوا مستفيدون من وجوده في السلطة، وما يقال عن هؤلاء الثلاثة يقال أيضا عن الرئيس محمد أنور السادات الذي قتله شباب من شعبه، وهو في نشوة الاحتفاء بذكرى انتصاره على اليهود، وبالزمن الذي شرع فيه في بيع القضية (ذكرى أكتوبر 1973)..

والقاسم المشترك بين هؤلاء الطغاة، المقتولين من قبل شعوبهم، أنهم بنوا جدرانا وحفروا خنادق بينهم وبين شعوبهم، وكذلك فعل ويفعل الباقون، وعاشوا حياتهم كلها مختفين وراء الدبابات والفيالق من المرتزقة والمنافقين، من الذين يزينون لهم سوء أعمالهم فيجعلون المعاصي قربات والجرائم طاعات يتقربون بها من أهوائهم…، فلا صديق لهم ولا عدو إلا بالقدر الذي يحتاجون فيه إلى إشباع رغبة واستجابة لنزوة عابرة ومستقرة…، ولذلك كان موتهم راحة لهم؛ لأنهم لا يستطيعون العيش بعد خروجهم من القصور، ولذلك لا نراهم يستقيلون أو يفضلون الابتعاد عن المناصب تحت أي مبرر، خوفا من شعوبهم، ومن نهايات لا يرضونها لأنفسهم.

لا شك في أن هذه الحالات الأربع بينها فروق قد تسمح للمرء بالموازنة بين حالة وأخرى، فالسادات قتله شباب من شعبه؛ لأنه أول من سن بدعة التطبيع مع اليهود، وصدام قتله الأمريكان في محاكمة مسرحية مثلها خصومه السياسيون من أبناء شعبه، والقذافي قتله شعبه وقيل بتواطؤ غربي، وصالح قتله حلفاؤه من الحوثيين.. والجامع بينهم –مهما قلنا إيجابيات هذا أو سلبيات ذاك- هو أنهم قتلوا قتلا غير طبيعي، بطرق بشعة لا يتمناها المرء للحيوان، فضلا عن الإنسان…، بسبب الاستبداد بشعوبهم، وبكثرة المظالم وتراكمها، وطريقة القتل التي قتلوا بها وحدها تدعو إلى التعاطف معهم ومع ذلك قتلوا غير مأسوف عليهم.

مقالات ذات صلة