رسالة إلى فرحات مهني: الجزائر غير قابلة للتقسيم
لم يكن لحملة ما يسمى “استقلال منطقة القبائل” التي قام بها فرحات مهني وأتباعه أي صدى في فرنسا وما حولها، ولم يستقطب الاجتماع الذي دعوا إليه في باريس إلا قلة قليلة معروفة بتعاطيها مع الأفكار الانفصالية. أقول هذا بناء على ما وقفتُ عليه في فرنسا من تجاهل الجالية الجزائرية في فرنسا لعمل الذباب الالكتروني لحركة “الماك” وتحامله المشبوه ضد وحدة الجزائر بإيعاز من الدوائر الصهيونية واليمين المتطرف، ففي ليون التي أتردد عليها كثيرا، لم أسمع من الجزائريين إلا كلمات الاستهجان لما يدعو إليه فرحات مهني، فالجزائر الواحدة الموحدة هي الموقف الذي يجمع ويجتمع عليه الجزائريون في هذه المدينة التي تعد ثالث أكبر المدن الفرنسية بعد باريس ومارسيليا.
مواقفُ الجزائريين الرافضة لكل تقسيم هي رسالة إلى فرحات مهني بأن الجزائر التي وحَّدها التاريخ واجتمعت كلمة أهلها منذ قرون وانصهر فيها العرب والأمازيغ وغيرهم في كيان واحد موحد، ليست قابلة للتقسيم وبأن أهلها مستعدون لردع كل من يركب هذه الموجة ويثير الفتنة ويصطاد في المياه العكرة.
رسالتي إلى الانفصالي فرحات مهني أن يقرأ تاريخ بلاد القبائل ويقرأ عن بطولات ونضالات أهلها من أجل وحدة الجزائر.لم تصدر عن أحدهم دعوة نشاز تعزف على وتر التقسيم، ولم يُعرف عن أحدهم أنه ساوم على وحدة الوطن بل كانت دعوتهم واحدة لجزائر واحدة موحدة بكل مكوناتها العربية والأمازيغية وغيرها. قد لا يفقه مهني الجاهل بالتاريخ هذا الكلام على وجه العموم ولذلك لا مناص من الخوض في التفاصيل لعلها تحدث له ذكرا.
قبل الخوض في التاريخ النضالي لمنطقة القبائل أود أن أقول ليس لفرحات مهني أي معرفة بالتاريخ وأي فكرة جديرة بالاهتمام إلا ما كان من قبيل الاتهام واتهام النظام في الجزائر بأنه -على حد زعمه- يبخس منطقة القبائل حقها في التنمية وحقها في الحرية، وهذا هراء يكذِّبه الواقع، فليس في الجزائر سياسة الكيل بمكيالين، وليس فيها مواطنون من الدرجة الأولى وآخرون من الدرجة الدنيا فالكل متساوون في الحقوق والواجبات لا فضل لأحدهم على الآخر. إن مشاريع التنمية المخصصة لمنطقة القبائل أكبر من أن ينكرها ناكر أو يجحدها جاحد، بل إن هذه المشاريع تجاوزت المناطق الحضرية وامتدت إلى المناطق النائية، ويمكن للزائر لهذه المناطق أن يقف على هذه الحقيقة التي لا يريد مهني هضمها ولا الإقرار بها لإصراره على تسويق صورة سوداوية عن القبائل وكأنها أشبه في معاناتها بحارات السود في نظام الأبارتيد البائد في جنوب إفريقيا. صحيحٌ أن هناك نقائص ومشاريع لم تكتمل، وهذا لا يخص منطقة القبائل وحدها بل يشمل بقية مناطق الجزائر، ولا يخص الجزائر وحدها ففي كل دول العالم حتى أكثرها تطورا وتقدما لا تزال هناك كثير من مناطق الظل حتى في قلب المدن الكبرى، تعاني تهميشا فظيعا وبطئا كبيرا في وتيرة التنمية.
هل اقرأ فرحات مهني -وما أظنه بقارئ- عن نضال لالة فاطمة نسومر التي قادت الثورة في خمسينات القرن التاسع عشر ضد الاستعمار الفرنسي، وتركت بنضالها بصمات ناصعة خلَّدها التاريخ وشكَّلت مصدر إلهام لكل التواقين للتحرر والباحثين عن الإنعتاق؟ يحق لساكنة ورجة قرب عين الحمام أن يفخروا بهذه المجاهدة الجزائرية الكبيرة التي شرّفت منطقة القبائل والجزائر كلّها بكفاحا المستميت ضد الاحتلال وتشبُّثها بوطنها ودفاعها عنه إلى آخر رمق. لم يساور نسومر شك في انتمائها للجزائر وفي عدائها للاستعمار رغم أن هذا الأخير قد رمى بكل ثقله على منطقة القبائل وحاول استمالة أهلها لثنيهم عن النضال وإقناعهم بأن الاستعمار قدرٌ محتوم وملاذهم الآمن.
هل قرأ مهني -وما أظنه بقارئ- عن المدينة المناضلة الصامدة “نسومر” التي أنجبت لالة فاطمة نسومر ولفيفا من المناضلين؟ لقد كانت القرية مركزا للنضال الثوري والتعبئة الشعبية ضد الاستعمار رغم نقص الموارد وشح الإمكانات في ذلك الوقت لإيمان أهلها بأن المعاناة ينبغي أن لا تكون ذريعة للخيانة وللارتماء في أحضان المحتل، فالبطولة تولد من رحم المعاناة والليل وإن طال سينجلي وستظهر تباشير الصباح.
وهل قرأ فرحات مهني -وما أظنه بقارئ- عن ثورة المقراني التي انطلقت من منطقة وجانة وامتدّت إلى مناطق أخرى بما في ذلك منطقة القبائل وشارك فيها العديد من سكان القبائل؟ لم يكن المقراني يصنِّف جنوده على أساس مناطقي بل كان ينظر إليهم على أنهم جنود الجزائر ضد المحتل الغاشم الذي يستهدف أرضهم ووحدتهم. لم يرفع المقراني لواء الانفصال بل رفع راية الجهاد من أجل وحدة الجزائر ووحدة أهلها ولم يساوره شك بأن الاستعمار يستهدف الكل ويسعى لتفريقهم وتشتيتهم ليسهل الانقضاض عليهم وترويض بعضهم.
هلّا قرأ فرحات مهني -وما أظنه بقارئ- عن تعاون سكان القبائل مع الداي أحمد باي وانضمامهم للدفاع عن مدينة قسنطينة ضد الحملة الفرنسية وصمودهم واستماتتهم وبسالتهم؟ وهلّا قرأ عن مساندة أهل القبائل للأمير عبد القادر وتجنيدهم الآلاف من أبناء القبائل في الغرب الجزائري لمساندة جيش الأمير عبد القادر ضد القوات الفرنسية الغازية؟
وهلّا قرأ فرحات مهني -وما أظنه بقارئ- عن تعاون سكان القبائل مع الداي أحمد باي وانضمامهم للدفاع عن مدينة قسنطينة ضد الحملة الفرنسية وصمودهم واستماتتهم وبسالتهم؟ وهلّا قرأ عن مساندة أهل القبائل للأمير عبد القادر وتجنيدهم الآلاف من أبناء القبائل في الغرب الجزائري لمساندة جيش الأمير عبد القادر ضد القوات الفرنسية الغازية؟
ما الذي يدفع مهني إلى ركوب موجة الانفصال، وليس في الجزائر نظام فصل عنصري ولا تمييز على أساس البشرة و”الدشرة”، وليس في الجزائر تقسيمٌ عرقي للسكان على شاكلة ما عرفته جنوب إفريقيا في زمن الأبارتايد: “الأفريكان والبيض” و”البانت والسود” و”الخلساء” و”الآسيويون”، بل هناك شعبٌ واحد يعيش في إقليم واحد هو الجزائر، يتساوى فيه الترقي مع القبائلي والشاوي والعربي…؟
إن شحَّ الموارد في حالة وجوده ليس مبررا للانفصال بل محفزا للعمل لدفع عجلة التنمية، وهذه مسؤولية مشتركة لا يتحمل وزرها الحاكم بمفرده بل يتقاسمها الحاكم والمحكوم. إن تنمية البلاد ومكافحة الفساد مسؤولية جماعية لا تُعزى إلى جهة بعينها بل يشارك فيها الكل،كل من موقعه وعلى قدر مسؤوليته. لماذا لا يكون مهني يدا للتنمية ولسانا للتهدئة بدلا من أن يكون معولا للهدم ولسانا للفتنة؟ لماذا لا يقتدي “فرحات إيمازيغن إيمولا” بأجداده في مسقط رأسه “إيلولة أمالو” بدائرة بوزغن بولاية تيزي وزو الذين ضربوا أروع الأمثلة في النضال والكفاح، ويؤثر إتِّباعَ سبل الضالين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون؟.
لقد تأكد أن دعوة مهني دعوة انفصالية وأن حركته حركة انفصالية ولذلك فتصنيفها حركة إرهابية، في الجزائر، يتماشى مع طبيعة عملها الانفصالي، فماذا نسمي التحريض على الانفصال؟ وماذا نسمي التآمر على وحدة البلاد وتفتيت الوحدة الترابية؟ وماذا نسمي التعاون مع أعداء الوطن ضد الوطن؟ إن لم يكن هذا إرهابا فماذا يكون الإرهاب إذن؟.
ورسالتي إلى الذين يتّبعون ويسبحون في تيار فرحات مهني بأن القبائل بجبالها ووديانها وسهولها، وإن سكان القبائل بريئون منكم ومن مخرجات مؤتمركم المشؤوم في باريس الذي لا يخدم القبائل بل يخدم الأجندة الصهيونية التي تحاول ضرب استقرار الجزائر بتحريك بعض الأبواق وبعض الدمى من أمثالكم في الوقت الذي تحرص فيه هي على رصِّ صفوفها وتمتين عرى الوحدة بين مواطنيها. إن سكان القبائل لا يزالون أوفياء لروح مؤتمر الصومام ولا يثنيهم عن هذا التشويشُ الذي تثيرونه في منابر باريس وغيرها.
آمل أن يتداعى الجزائريون شرقا وغربا وشمالا وجنوبا لجعل الرابع عشر من ديسمبر 2025 موعدا لتعزيز اللحمة الوطنية ولرصِّ الصفوف، وليكون ضربة قوية، تقصم ظهر فرحات مهني وتعري صفحته، وتزيد الجزائريين تمسكا بوحدتهم وليدق فيه آخر مسمار في نعش ما يسمى حركة “الماك” التي أبانت عن أفكارها الانفصالية، التي صدق فيها حكم القانون الجزائري وما ظلم. أرجو من السلطات العليا -إيمانا مني بوحدة الجزائر وبوحدة أهلها- أن يردوا على حركة الماك باتخاذ الرابع عشر من ديسمبر 2025 تاريخا لإعلان انفصالهم المزعوم، بإعلان مماثل باتخاذ هذا التاريخ يوما للوحدة الوطنية، تتخلله مداخلاتٌ إعلامية، تشارك فيها كل القنوات الإعلامية الوطنية تحت شعار “وحدة الجزائر خط أحمر”.