رسالة توديع الفريق لـ”آل مدين”
خروج الفريق المقال مدين عن الصمت فجّر عند بعضهم الأمل في فرصة تولي رجل بحجمه وماضيه مهمة انعاش المعارضة، أو على الأقل مضايقة فريق الرئيس، مع أن مضمون الرسالة لا يوحي لا بهذا ولا بذاك، وما كانت لتحرّك ساكنا لسلطةٍ آمنة، أو تحرك مياه المعارضة الراكدة، لولا أن بعضهم هنا وهنالك مازال يعتقد أن الفريق لم يخرج بعد من اللعبة.
كل ما يُقرأ في الرسالة هو محاولة الفريق مدين تبرئة ذمته أمام أقرانه داخل المؤسسة وخارجها، والاعتذار لمن قد يعاتبه على خذلان أقرب الرجال إليه، ليس فقط الآن وهو أعزل، ولكن حين كان على رأس المؤسسة الأمنية، ليقول لهم: لقد اجتهدت قدر المستطاع لتبرئة الجنرال حسان، وهي رسالة أخرى مشفرة داخل الرسالة تفيد أنه قد فقد السلطة والقدرة على التأثير شهورا قبل موعد الإقالة.
ربما يكون الرجل قد ارتكب خطيئة بالتعقيب على قرار محكمة، هو مكروه في القضاء المدني، وشبه محرم في القضاء العسكري، خاصة وأن الفريق مدين عايش عن قرب حالات مماثلة لحالة الجنرال حسان، وكان هو والجنرال خالد نزار، والجنرال بن حديد في مواقع قيادية بالمؤسسة يوم قيِّد اللواء المرحوم بلوصيف إلى المحكمة العسكرية، بعد أن سرّب للصحافة ملفا استخباراتيا مركبا، وحُكم على اللواء حتى قبل أن يستمع إليه قاضي التحقيق، وحرمته الصحافة من حق الرد والدفاع عن عرضه.
غير أن خرجة الفريق المقال لم تكن كلها شرا، حتى وإن كانت قد أفزعت الموالاة، وأحيت آمالا كاذبة عند المتلهفين من المعارضة، فقد كرست ثلاث حقائق على الأقل:
الأولى: أنها تكون قد فجّرت مبكرا فقاعة ما يُسمى بصراع الأجنحة، وتبين أن الصراع قد حُسم منذ شهور، ولم يعد يُخشى منه على السلطة من راجفة، وليس في الأفق من هزات يُخشى منها سوى رادفات زلزال تراجع الموارد المالية للدولة، وأنه لا ينبغي أن يُعوّل على كثير من زمر المعارضة التي قدمت أبرز رؤوسها من غربلة النظام المنتظمة لشوائبه وأحصنته النافقة، أقيلت كما أقيل الفريق، وأحيلت على التقاعد المريح على كراسي مُحَركة بإصلاحيات إعادة تأهيل الأحداث منهم والمشاكسين.
الثانية: أن أكثرية من نُسب زورا لبيت المعارضة هن من بنات فراش بعض أرباب السلطة، لا سبيل إلى القفاية معهن حتى تُنكس راية الجنرال المطرودِ من الحضرة السامية، وإلا كيف نقرأ محنة الباكيات النادبات منهن على فراق الفريق، وكانت أرفعهن صوتا السيدة لويزة التي رأيناها تنتقل من العناق المحموم للرئيس وهي تفرش له النمارق في أروقة المعارضة، إلى “فراق غير وامق” مع فخامته منذ أن التفت مقصه لتقليم مخالب الفريق.
الثالثة: أن المؤسسة تبقى دائما أكبر وأقوى من رجالها، والموقع القيادي هو الذي يصنع الأقوياء وليس العكس، فكان عرش “الدي آر آس” هو الذي صنع من مدين “رب الدزاير” وقد علمنا أن “الأرباب” المعرّضة للإقالة ليست أكثر من أسماء يسميها الأتباع المنتفعون ومن والاهم بغير إحسان، ما أنزل الله بها من سلطان.