الرأي

رسالة صحراويّة إلى الأمريكييّن قبل صدور قرار مجلس الأمن!

حمدي يحظيه
  • 434
  • 0

نقول لكم أيها الأمريكيون، إنه إذا سأل أحدكم أيَّ صحراوي الآن عن مَن المتسبب في إطالة معاناة ومأساة الشعب الصحراوي؟ فسيقول لك دون تردد: فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، والمغرب.

وإذا كان المواطن الصحراوي يقبل بأن يتفهم سبب غزو المغرب للصحراء الغربية، ويتفهم دعم فرنسا له، ويتفهم أن ذلك راجع إلى أسباب وعُقد جيوسياسية وتوسعية، ويتفهم أنهما عدوان تاريخيان، فكيف سيفهم ويتفهم إصرار الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يصل إلى حد الهوس، على إطالة أمد مأساة الشعب الصحراوي الصغير المسالم، الموجود على بُعد آلاف الكيلومترات من سواحل كاليفورنيا؟

الذي يحير، أيها الأمريكيون، أن ما يدافع عنه الشعب الصحراوي الصغير اليوم هو حق تقرير المصير، وهذا الحق تواجد ذات يوم في ديباجة ومتن دستور الولايات المتحدة الأمريكية، وكان عنوان استقلالها، وأبو تقرير المصير ومؤسسه هو الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (Woodrow Wilson)، الذي قال بشأن حق تقرير المصير قولته الشهيرة: «إن الشعوب ينبغي ألا تُحكم إلا بموافقتها». وفي خطابه أمام الكونغرس الأمريكي يوم 11 فبراير 1918م، قال: «يجب أن يكون أساس كل مسألة تتعلق بالسيادة، عند تسويتها، هو حرية قبول الشعوب المعنية بها». وهو القائل: «تقرير المصير ليس مجرد عبارة؛ إنه مبدأ حتمي للعمل به»، وهو القائل كذلك: «لا يجوز إخضاع الشعوب وحكمها إلا بموافقتها».

الآن، أيها السادة الأمريكيون، يقول لكم المواطن الصحراوي البسيط الجالس تحت خيمته في مخيمات اللجوء أن دولتكم منذ خمسين سنة وهي تمنع شعبًا صغيرًا مسالمًا من حقه في تقرير المصير، الذي اخترعتموه ، هو والديمقراطية وحقوق الإنسان، وطالما تغنيتم به أمام الاتحاد السوفييتي، وحاربتم به منافسيكم. المشكلة، أيها السادة الأمريكيون، أن الشعب الصحراوي الذي تمنعونه من تقرير مصيره هو شعب صغير لا يعرف إلا المحبة، ولا يسعى إلى الحصول على السلاح النووي، وليست له أطماع جيوسياسية، وليس متشددًا، ولا يعرف الإرهاب ولا القاعدة ولا داعش، ولم يدخل منه شخص واحد معتقل غوانتانامو، ولا يطالب بشيء ما عدا تقرير المصير الذي كنتم تتغنون به.

وحتى لا نركب على خطاب سردي فج، تعالوا نشرح لكم بالتفصيل الدقيق كيف أطالت إداراتكم المتعاقبة أمد معاناة الشعب الصحراوي. كان كيسنجر أول من وافق على المسيرة الخضراء سنة 1975م، ودانيال مويْنيهان، سفيركم في الأمم المتحدة، هو الذي أعد مسودة القرار 3558 B الذي يشرّع اتفاق مدريد، وهو أول سفير رفع يده في الأمم المتحدة موافقًا على ذلك القرار المشين الخارج عن الشرعية الدولية. منذ تقديمكم لذلك القرار وموافقتكم عليه والتصويت عليه برفع اليد عاليًا وبحماسة، بدأت مأساة الشعب الصحراوي وتشريده.

والمشكلة أنكم لم تتوقفوا عند ذلك الدعم فقط، بل ظللتم تهددون باستخدام الفيتو كلما اتفق المجتمع الدولي على حل يحترم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. وليس «فيتوكم» ـ من الفيتو ـ أيها الأمريكيون، هو وحده الذي أطال معاناة الشعب الصحراوي، بل دعمتم المغرب بالسلاح، وكل الطائرات والذخيرة التي استُعملت ضد الشعب الصحراوي في الحرب هي أسلحة أمريكية. لقد سال الكثير من الدم الصحراوي على رمال الصحراء الغربية بسبب أسلحتكم وطائراتكم.

ومنذ سنة 1991م، يا “أصدقاءنا الأمريكيين”، استغللتم عدم اهتمام الدول الأعضاء الأخرى في مجلس الأمن بالقضية الصحراوية، واستحوذتم عليها، وأصبحت سفارتكم في نيويورك هي حاملة القلم، وهي التي تشطب وتنقح وتضيف حسب أهوائها. ومنذ ذلك التاريخ، وبسبب معاندتكم للتاريخ، دخلت قضية تقرير مصير الشعب الصحراوي في نفق مظلم، وظلت تنتقل من نكبة إلى نكبة، ومن قرار سيئ إلى قرار أسوأ حتى وصلنا إلى محاولتكم اقبار حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره بطريقة وقحة.

في سنة 2025م، وصلت غطرستكم واستخفافكم بالقانون الدولي واحتقاركم للأمم المتحدة إلى درجة لا يمكن تصورها. قدمتم القرار 2797 بهدف واحد، وهو حرمان الشعب الصحراوي من حقه في تقرير المصير الذي كان رئيسكم ويلسون يتغنى به ويضرب الطاولة أمام الرؤساء دفاعًا عنه. المشكلة أن الحل الذي تقترحونه بدلًا من تقرير المصير هو الحكم الذاتي، ومع مَن؟ مع أكبر وأسوأ ديكتاتورية في العالم، وهي المملكة المغربية، صديقة الولايات المتحدة الأمريكية، «أكبر ديمقراطية» في العالم.

الذي يحير الشعب الصحراوي هو: لماذا تصرون على منعه من حقه في تقرير المصير؟ منذ أكثر من خمسين سنة، وضعتم استراتيجية تقوم على أن تصبح الصحراء الغربية جزءًا من المغرب، ومنذ ذلك التاريخ وأنتم تعملون ليل نهار على حرمان الشعب الصحراوي من حقه في تقرير المصير إرضاءً للمغرب، والآن تقفون على حافة هاوية الفشل، فلماذا تعاندون ولا تغيرون استراتيجيتكم، مثلما تفعلون في الكثير من مناطق العالم؟ ماذا استفدتم، وماذا ستستفيدون لو حرمتم الشعب الصحراوي من حقه في تقرير المصير؟ الصحراء الغربية لا توجد فيها مؤهلات اقتصادية مثل دول الخليج، ثم إنه حتى لو افترضنا أن المغرب ضم الصحراء الغربية، فأنتم لا مكان لكم في المنطقة. هذه المنطقة، انطلاقًا من المغرب نحو الجنوب، تعتبرها فرنسا حديقتها الخلفية، وستطردكم منها، وبالتالي تذهب مجهوداتكم عبثًا. كل الدارسين للعلاقات الدولية توصلوا إلى استنتاج واحد، وهو أن الولايات المتحدة الأمريكية تورطت في قضية حرمان شعب صغير من حقه في تقرير المصير بلا هدف ولا نتيجة؛ فلا هي حسمت القضية لصالح المغرب، ولا هي غيرت استراتيجيتها، ولا هي ستحصل على مصالح لها في المنطقة مستقبلًا. قد نتفهم إنكم دعمتم المغرب سنة 1975م لأنكم كنتم تخافون أن تتأسس دولة “شيوعية” في الصحراء الغربية، أو دولة تابعة للاتحاد السوفييتي، لكن الشيوعية انتهت منذ التسعينات والاتحاد السوفييتي شبع موتا والجمهورية الصحراوية لم تجدون سببا واحدا كي تصنفونها شيوعية، فلماذا تواصلون دعم المغرب بلا هدف؟

لنتصور الآن الوضع بطريقة عكسية. لنتصور أن الولايات المتحدة الأمريكية، غداة غزو المغرب للصحراء الغربية سنة 1975م، توسطت وحلّت القضية طبقًا للقانون الدولي، والجميع يعرف أنها الوحيدة التي كانت تستطيع أن تفعل ذلك بمكالمة واحدة من البيت الأبيض. ألا يمكن أن تكون قد حصلت، بالاتفاق مع الشعب الصحراوي، على ما لا تزال تنتظر أن تحصل عليه، والذي قد لا تحصل عليه من ضم المغرب للصحراء الغربية؟ في سنة 1975م، كانت الصحراء الغربية في حاجة إلى الاستثمار فيها، وبكل تأكيد كان الشعب الصحراوي سيرحب بالولايات المتحدة لتساعده، وليرد لها جميلًا لأنها منعت غزو بلاده، ويفتح لها أبواب الاستثمار، مثلما سيفعل مع دول أخرى، لكن للأسف اختارت الوقوف في الجانب الخطأ من التاريخ.

عناد الولايات المتحدة الأحمق في محاولة كسب قضية ليست قضيتها، وهزيمة شعب مسالم صغير لن يُدخلها من باب التاريخ المجيد بكل تأكيد. ومن جهة أخرى، فإن تورط الولايات المتحدة في محاولة حرمان الشعب الصحراوي من تقرير مصيره، عن طريق قرارات مجلس الأمن، فكرة غير عملية. الحكم الذاتي لا يمكن أن يُفرض من خلال قرارات مجلس الأمن، وحتى يصبح شرعيًا، يجب أن يقبل به الشعب الصحراوي، أو يقوم بثورة مُطالبا به، وهذا عاشر المستحيلات ودونه خرط القتاد. ولا يستطيع أحد أيضًا أن يُقنع الشعب الصحراوي به، أو أن يلمّع له مشاريع الحكم الذاتي والتنمية والرفاهية وتوفير الكوكاكولا والبيتزا. التنمية والرفاهية أولى بها المغاربة البؤساء في المداشر والأرياف الذين يعيشون بلا ضوء ولا ماء، وأولى بها الذين يرمون بأنفسهم وأبنائهم في دوامة الموت نحو أوروبا يوميا، وأولى بها 80 ألفا رموا بأنفسهم في البحر مؤخرا نحو سبتة .

القضية بالنسبة للشعب الصحراوي هي قضية كرامة، وقضية تاريخ، وقضية تضحيات، وليست قضية استثمارات وامتيازات وتنمية.

مقالات ذات صلة