الرأي

رسالة مفتوحة إلى بن غبريط وبرمضان

الشروق أونلاين
  • 3619
  • 1

السيدة الوزيرة نورية بن غبريط، تحية طيبة بالعربية وبعد:إن التخصص العلمي الذي تبحثين فيه وهو: الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية يؤهّلك لفهم الجماعات الاجتماعية المتنوعة، كيف تتحرك وتعبّر وتتواصل وتؤدي وظائفها المختلفة، ويؤهلك لتعرفي مميزاتها وخصوصياتها في أعراقها وأعرافها وعاداتها وتقاليدها وطقوسها وأداءاتها الرمزية، وممارساتها الاجتماعية والثقافية من الناحية الانثروبولوجية، ويؤهّلك أيضا لتعرفي أن العنصر الموحِّد للجزائريين جميعا هو العنصر اللغوي المتمثل في اللغة العربية الفصحى بما تحمل من دين وثقافة وتاريخ وجغرافيا وقيم اجتماعية وأخلاقية، ومقاومة المستعمِر الفرنسي.

 وإلا: ما هو الهدف من الاقتراحات التي تم تقديمها في الندوة العلمية المزعومة؟ هل يعقل أن نعلّم الدارجة؟ إن فرنسا هي مثلك الأعلى، لِمَ لم تعلّم الفرنسية باللهجات الفرنسية المتعددة وتصرّ على التعليم بفرنسية أكاديمية علمية؟ ثم إنكِ أنت ومن معكِ لم تقترحوا أن تعلّم الفرنسية في الجزائر لتلاميذ الابتدائي بالدارجة إلى أن يتم فهمها وإدراكها تدريجيا، وإنما تلزمون المعلمين لها بألا يتحدثوا أية كلمة بلغة أخرى غير الفرنسية. بل وأكثر من ذلك أنت واحدة من الذين كانوا يدعون إلى جعل اللغة الفرنسية في السنة الأولى ابتدائي ومعك أمينك العام الدكتور فريد برمضان، ولمّا لم يكن ذلك ممكنا تشبثتم بها في السنة الثانية ابتدائي، ولما كذبكم الواقع جعلتموها في السنة الثالثة ابتدائي، وقد اكتشفتِ هذه السنة في امتحانات البكالوريا أن جزءا كبيرا من أبناء الجنوب والجزائر العميقة ليس لهم معلمون بالفرنسية، فقررتم اجتيازهم البكالوريا دون حساب الفرنسية.. فماذا تسمين هذا؟ وفي الوقت نفسه تغلقون الأبواب أمام اللغات الأخرى وبخاصة الإنجليزية مع أنها لغة العلم والتكنولوجيا في العالم، من أجل إبقاء الفرنسية في الجزائر.. إنه والله لأمر عجيب.

ثم هل يعقل أن يتم الاستغناء عن اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية والفلسفة في امتحانات البكالوريا لغير الأدبيين؟ ماذا بقي للتلميذ كي يُمتحن فيه؟ من قال لكم إن هذه الموادثانويةولا تفيد الطالب؟ هل يمكن أن نكوّن إطارا علميا بلا ثقافة وبلا فلسفة ومنطق تفكير، وبلا لغة بلده؟ أي تفكير هذا؟ لأي مجتمع تكوّنون إطارات المستقبل؟  

ويجتهد الدكتور برمضان في توضيح هذه المسائل ويحاول أن يقنع بها الشعب؛ فيدعو إلى عدمتسييسالمدرسة، والتخلص من الإيديولوجيا الضيقةفي المنظومة التربوية، ويشتكي منجهلالذين لم يفهموه؛ لأنهملا يملكون قاعدة أساسية في اللسانيات وعلم التعليم واللغاتكما زعم، وكنا سنكون سعداء بما تفضل به، لو لم يقع هو نفسه في المحظور الذي دعا إليه.

السيد المحترم برمضان: هل هذه الاقتراحات بعيدة عن الإيديولوجيا؟ لا أعتقد ذلك؛ لأن هذه الاقتراحات التي قدمتموها كأنها تخص مجتمعا لا يوجد إلا في أذهانكم، وأنت واحدٌ من المعروفين بالدفاع المستميت عن الفرنسية في الجزائر،  كنتَ عنصرا فعالا في ذلك في اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية التي ترأّسها بن زاغو، وكنت ومن معك من المصادرين للآراء التي تخالفكم.

هل يوجد ألمانيٌ أو إنجليزي أو أمريكي أو فيتنامي أو فرنسيعالما كان أم طبيبا أم مهندسا أم متخصصا في الذرة.. لا يعرف لغة بلده، ولا يجيد الحديث والكتابة بها ولا يؤمن بجدواها؟

تظهر كثيرا من الممارسات والاقتراحات كأن اللغة العربية الفصحى ليست هي اللغة الرسمية والوطنية في وجدان هؤلاء..

 نكتة بل مسخرة أخرى؛ أو إن شئت فقل: جريمة أخرى هي: إجراء امتحان شفوي في اللغات في البكالوريا، ونحن نتساءل: لماذا هذا الامتحان؟ ما الهدف منه؟ وكيف سيجرى؟ ومن يسهر على إجرائه، ويحقق الموضوعية العلمية في تقويمه؟

ربما سيكون الهدف إقصاء كل من لا يعرف اللغة الفرنسية من النجاح في البكالوريا، ويتمّ انتقاء قلة قليلة بدعوى معرفتها للغات أو للغة الفرنسية على وجه التحديد..

لابد من التذكير هنا ـ بخطورة الهجانة اللغويةـ برأي الدكتور مصطفى محسن، المتمثلة في تشتت عناصر المشهد اللغوي في مجتمعنا، والمتمثلة أيضا فيما تمارسه اللغة الفرنسية من هيمنة على تدبير مختلف دواليب الشأن العام، ومن إقصاء وتهميش للغة الوطنية العربية، وفي هذا السياق لا بد من التذكير أيضا بالاستتباعات الخطيرة لهذا الوضع على مستوىالمواطنةونشر المعرفة والتنمية، وقد أورد العقيد عمار بن عودة في حوار لجريدةالشروقبتاريخ 01 نوفمبر 2014 العدد 4543 أجرته معه الصحفية حسينة بوشيخ، في إجابته عن سؤال: ماذا استفادت الجزائر من اللغة الفرنسية في الجانب الاقتصادي؟ فرد قائلاً: “إن الرئيس المرحوم الشاذلي بن جديد عندما كان متوجها إلى نيويورك في إحدى زياراته الخارجية، عبّر ميتيران في تصريح له عن استغرابه من تلك الزيارة وقال: ماذا يفعل الشاذلي في نيويورك ونحن لدينا 100 ألف جندي في الجزائر؟ لقد اعتبر الجماعة التي تعمل لصالح فرنسا جنوده، وهو محق في ذلك، وهذه الاقتراحات التي خصت المنظومة التربوية تبيّن أنها نابعة من هؤلاءالجنودالذين تقلدوا المناصبالمفاتيح واستولوا على المسؤوليات بحجة أنهم يمثلون العلم والمعرفة والعصرنة والحداثة، واستمتعوا بخيرات البلاد، وأكلوا الغلة وهم غير أوفياء للملة. إن بينهم وبين واقع الجزائريين قطيعة عميقة بدليل أنهم لا يعرفون هذا الواقع، وإن أطروحاتهم غريبة ومتجاوزة، وأن المثقفين والعلماء الفرنسيين المنصفين لا يقبلون هذه الأطروحات الغريبة.

وبعد هذا، السيدة الوزيرة المحترمة، نرجو منك أن تعرفي واقع الجزائريين حقيقة؛ لأنه ـ كما يبدو ـ لم تستفيدي من تخصّصك العلمي المهم في المحافظة على النسيج الاجتماعي وتناسقه وانسجامه.

هوامش:

 * هل يعقل أن نعلّم الدارجة؟ إن فرنسا هي مثلك الأعلى، لِمَ لم تعلّم الفرنسية باللهجات الفرنسية المتعددة وتصرّ على التعليم بفرنسية أكاديمية علمية؟ ثم إنكِ أنت ومن معكِ لم تقترحوا أن تعلّم الفرنسية في الجزائر لتلاميذ الابتدائي بالدارجة إلى أن يتم فهمها وإدراكها تدريجيا، وإنما تلزمون المعلمين لها بألا يتحدثوا أية كلمة بلغة أخرى غير الفرنسية.

*هل يوجد ألمانيٌ أو إنجليزي أو أمريكي أو فيتنامي أو فرنسي…. عالما كان أم طبيبا أم مهندسا أم متخصصا في الذرة.. لا يعرف لغة بلده، ولا يجيد الحديث والكتابة بها ولا يؤمن بجدواها؟  

مقالات ذات صلة