رفعت العلم الجزائري أمام 150 ألف مصري عام 1989 وكنت الوحيد على الميدان في أم درمان
تتذكرون.. بكل تأكيد، ذاك الشاب الذي اقتحم ملعب خيخون في السادس عشر من شهر جوان عام 1982 قبل انطلاق مباراة الجزائر أمام ألمانيا.. كان يحمل علما ويتجوّل على أرضية الميدان وكأنه في حي “الفوبور” بقسنطينة، حيث كان يقطن، توجّه نحو طاقم الحكام بقيادة الحكم البيروفي، وحمل العلم، ثم استفز الألمان، بالراية الوطنية على طريقة مصارعي الثيران في بلد الثيران، والتقط صورة تبقى خالدة، مع رفقاء ماجر، وأبى أن يغادر الملعب إلا ببعض الحركات البهلوانية التي ألهبت الملعب الذي كان فيه قرابة الأربعين ألف متفرج، غالبيتهم من الجزائريين، قصة عز الدين بهلول، وهو محام لدى المجلس حاليا، ومعيد سابق في الجامعة، لها بداية عام 1975 وستكتمل في مونديال البرازيل كما رواها للشروق في هذا الحوار.
متى اجتحت أرضية الميدان لأول مرة في حياتك خلال مقابلة رسمية؟
لقد حدث ذلك وأنا تلميذ في الثانوي، خلال مباراة نهائي دورة البحر الأبيض المتوسط، بين فرنسا والجزائر، كان المنتخب الجزائري خاسرا، وبعد هدف بتروني توجهنا إلى الوقت الإضافي، وعندما سجل منڤلاتي هدف الفوز، وجدت نفسي حاملا العلم وأجوب الميدان مع اللاعبين أمام أنظار الملايين.
وأعدت الكرّة.. في المونديال في إسبانيا؟
ما وقع في إسبانيا طريف فعلا، فقد كنت في وليمة عرس في حي الفوبور بقسنطينة، قبل بداية المونديال، ولم أكن ضمن المناصرين النظاميين الذي توجهوا إلى إسبانيا، وقرّرت في آخر لحظة أن أسافر إلى إسبانيا، إذ لم تكن التأشيرة مشروطة، في ذلك الوقت، عندما سألني لاعب سابق لشباب قسنطينة هو الدكتور بولحبال إن كنت سأسافر، لأنه يعلم أنني انتزعت قميص فرڤاني، خلال تأهل الخضر للمونديال على حساب نيجيريا، ولما أكدت له سفري، طلب مني شيئا كان يظن أنه غير قابل للتحقيق، وهو أن أدخل ملعب خيخون قبل بداية المباراة وأرقص أمام عدسة الكاميرا، لم أعده شفويا ولكن في قرارة نفسي نذرت بأن أفعل ما طلبه مني.
كنت حينها أستاذا في الجامعة؟
”يضحك”.. فعلا، قمت بإجراء الامتحانات في كلية الحقوق للطلبة، قبل المونديال، وأنهيت كل الاختبارات، ثم قدمت شهادة طبية خاطئة للأسف، وطرت إلى إسبانيا، ولأنني كنت حرّا فإنني لم أمتلك تذاكر الدخول إلى الملعب، ركبت حافلة المنتخب الجزائري المتجهة إلى ملعب خيخون، وأوقفتها فتعرف عليّ اللاعبون وأعطوني تذكرتين لدخول مباراة ألمانيا، ولأنني كنت من أنصار مولودية قسنطينة التاريخية ومازلت، فإنني قمت ببيع التذكرتين وقرّرت أن أدخل على الطريقة الجزائرية، أي بالدارجة الجزائرية “زرطيت”.
وجدت نفسي أمام حرس ملكي وشرطة مدرّبة، تواجدت بقوة أمام أنصار “الخضر”، الذين قدروا حينها بالآلاف، لاحت في خاطري فكرة التوجه إلى مكان هادئ، حيث يوجد المناصرون الإسبان المحايدون، كان الفاصل بين قمّة الحاجز الحديدي وأرضية الميدان قرابة أربعة أمتار، كنت رياضيا بصفتي لاعب كرة سابق، وأيضا ارتدي بذلة رياضية، بقيت انتظر غفلة البوليس الإسباني، ثم تسلقت الحاجز ورميت بنفسي، فارتطمت على الأرض، فظن رجال الأمن أني من الهالكين أو المصابين، فلم يسرعوا نحوي، ليجدوني وسط الميدان، فسلّموا الأمر وعجزوا عن الحركة، باشرت حينها بتحقيق وعدي، ويمكن لمتابعي المباراة أن يشاهدوا تواجدي وسط الحكام أقدّم رقصة لصديقي، ثم تجولت في الملعب كما أشاء أمام حيرة الجميع، وكأنني رومينيغي أو سرباح، ثم تم اقتيادي إلى المنصة الشرفية تحت مراقبة شديدة، ولكن بمجرد أن سجل ماجر الهدف الأول، حتى رجعت إلى مكاني مع أنصار الخضر، لأصاب بالخيبة عندما عدل الألمان النتيجة، سقطت فاقدا للوعي، ولكن بلومي أعاد الأمل بهدف ثان، وتوجه مباشرة إلى المكان الذي كنت أجلس فيه، وحققنا فوزا تاريخيا وعدت بعد صافرة النهاية لأجتاح الملعب وأحصل على قميصين من جمال زيدان وصالح عصاد.
وماذا بعد المباراة؟
توجهت مع اللاعبين إلى غرف تغيير الملابس، كانت أجواء تاريخية، ما لم أنسه في حياتي أن نجوم ألمانيا بقدر ما تأثروا، زاروا الخضر وقدموا لهم التهاني وطلبوا أقمصتهم، ولكن الجزائريين رفضوا، لأنهم أرادوا الاحتفاظ بأقمصتهم.
وهل تكرر المشهد في مباراة النمسا؟
للأسف الأمور لم تتوقف عند إخراجي من الملعب، في مباراة النمسا، لقد كتبت الصحافة الإسبانية عن هشاشة الأمن بعد دخولي الملعب، فكانت الحراسة مشدّدة جدا، وتمت حراستي وكأنني أحد كبار الإجرام، بذل أمن خوان كارلوس، جهودا كبيرة، لمنعي من دخول الميدان، ولكني فعلت، فقبضوا علي واقتادوني إلى الحجز، ولم أشاهد المباراة التي خسرناها بهدفين نظيفين، وأرادوا طردي من التراب الإسباني، ولحسن الحظ أن أفرادا من الفاف ومن الفيفا تدخلوا وأكدوا بأن تعاملي على الميدان، كان سلميا، كنت أحمل علما وأشجع منتخب بلادي، فقاموا بتصويري والتحقيق معي وأعطوني آخر إنذار، فجلست في المدرجات في اللقاء الأخير رفقة بلومي الغائب عن مباراة الشيلي.
المونديال لم ينته عند هذا الحد، فقد واجهت النمسا المنتخب الألماني في لقاء العار؟
تلك قصة أخرى، أصبحت بعد كل هذه الحوادث مشهورا في إسبانيا ولدى الألمان، كنت أتوجه إلى فندق إقامة رفقاء شتيليكي، كانوا يلتقطون الصور معي، وكان الأنصار الجزائريون عموما مفاجأة كأس العالم بتنظيمهم وحماسهم وكثرتهم أيضا، في لقاء العار حملنا المناديل مع الإسبان وحتى مع الألمان، وفي الفندق كنا نحمل أوراقا نقدية ونستفز الألمان ومدربهم دروال، المهم سجلنا حضورنا في إسبانيا، فريقا وأنصارا.
أخطر ما قمت به كان في ملعب ناصر بالقاهرة؟
قبل ذلك، تأهل الخضر إلى مونديال المكسيك، وغبت عن الموعد بسبب تواجدي في الخدمة الوطنية، أعدت الكرّة في لقاء القاهرة عام 1989، كان المصريون يريدون الفوز على الجزائر، ليتأهلوا إلى كأس العالم في إيطاليا، الشرطة والجيش المصري، حاصرا الملعب من الخارج ومن الداخل، كنا بالمئات فقط، وسط قرابة 150 ألف شوفيني، يريدون تأهل بلادهم للمونديال، ولكني في لحظة جنون حقيقية، بينما كان النشيد المصري يُعزف دخلت الميدان، جريت في كل الملعب فاقتحم مناصر مصري أيضا الميدان والتقينا وكدت أن أتسبب في كارثة لي، وربما توقيف المباراة، لولا أن قبض علي رجال الأمن، واقتادوني بالقوة إلى خارج الملعب، ولكني صمّمت، وعدت وعشت تلك المباراة التعيسة، أذكر أنني عندما دخلت ملعب القاهرة حاملا الراية الوطنية، نزلت على رأسي أطنان من المأكولات والأحذية البالية.
وهل عدت إلى مصر في لقاء الخضر التأهيلي لكأس العالم 2010؟
”ينفجر بالبكاء”.. كان والدي رحمه الله ضد توجهي لتلك المباراة، إلى القاهرة، واصطحبت إبني الذي كان في سن الرابعة عشر، وفعلا عشنا الجحيم، كنت أريد أن أمنحه مشعل تشجيع الخضر على طريقتي الخاصة، بحمل العلم ودخول الميدان، ولكن الأمور كانت في منتهى الخطورة بعد نهاية المباراة، حيث قذفونا بالحجارة وحطموا حافلة المناصرين، ارتميت فوق جسد ابني وكنت متيقنا بأني سأموت، وسعيت لإنقاذ ابني فقط، عشنا الجحيم وعدنا سالمين بصعوبة إلى قسنطينة.
وطبعا كنت مع المسافرين إلى أم درمان؟
في السودان لم أكن وحيدا، بل تنقل سبعة من أفراد عائلتي معي، طلبت من ابني أن يقدّر دخولي الخمسينات من عمري ويحمل مشعل المناصرة على طريقتي، ولكنه رفض بعد أن شاهد جيشا من الحرس السوداني في الملعب، وفي لحظة جنون كالعادة كنت الوحيد الذي اقتحم ملعب أم درمان بالعلم الوطني.
كيف تفسر هذا السلوك؟
اقتنعت منذ شبابي بأن مناصرتي بهذه الطريقة، هو تعبير عن حبي لبلدي بطريقتي الخاصة.
وهل توجد حادثة طريفة حدثت لك على أرضية الميدان؟
في نهائي الكان عام 1990، كان الوضع في الجزائر قد بدأ بالانزلاق وحضر الشاذلي بن جديد، والآلاف من رجال الأمن، ومع ذلك كسرت الحراسة، واقتحمت الملعب، وتولى ضابط شرطة مطاردتي، وعندما أمسكني، في وسط الميدان سألني عن الطريقة التي نجحت بها في دخول الملعب، فأخبرته بأن الذي دخل ملعب خيخون قادر على دخول ملاعبنا، وعندها احتضنني ورافقني إلى المقصورة الرئاسية، مثل الأبطال.
ستكون في البرازيل بالتأكيد.. وهل ستكرّر حادثة خيخون؟
يضحك .. نعم.



