رياضة
‮"‬الشروق‮" ‬في‮ ‬ضيافة مناصر‮ "‬الخضر‮" ‬ونجم اجتياح ملاعب العالم المحامي‮ ‬عزالدين بهلول‮:‬

رفعت العلم الجزائري‮ ‬أمام‮ ‬150‮ ‬ألف مصري‮ ‬عام‮ ‬1989‮ ‬وكنت الوحيد على الميدان في‮ ‬أم درمان

الشروق أونلاين
  • 28386
  • 107
ح.م
المناصر بهلول يقتحم ارضية ملعب ام درمان في المقابلة الفاصلة بين الجزائر ومصر عام 2009

تتذكرون‮.. ‬بكل تأكيد،‮ ‬ذاك الشاب الذي‮ ‬اقتحم ملعب خيخون في‮ ‬السادس عشر من شهر جوان عام‮ ‬1982‭ ‬قبل انطلاق مباراة الجزائر أمام ألمانيا‮.. ‬كان‮ ‬يحمل علما ويتجوّل على أرضية الميدان وكأنه في‮ ‬حي‮ “‬الفوبور‮” ‬بقسنطينة،‮ ‬حيث كان‮ ‬يقطن،‮ ‬توجّه نحو طاقم الحكام بقيادة الحكم البيروفي،‮ ‬وحمل العلم،‮ ‬ثم استفز الألمان،‮ ‬بالراية الوطنية على طريقة مصارعي‮ ‬الثيران في‮ ‬بلد الثيران،‮ ‬والتقط صورة تبقى خالدة،‮ ‬مع رفقاء ماجر،‮ ‬وأبى أن‮ ‬يغادر الملعب إلا ببعض الحركات البهلوانية التي‮ ‬ألهبت الملعب الذي‮ ‬كان فيه قرابة الأربعين ألف متفرج،‮ ‬غالبيتهم من الجزائريين،‮ ‬قصة عز الدين بهلول،‮ ‬وهو محام لدى المجلس حاليا،‮ ‬ومعيد سابق في‮ ‬الجامعة،‮ ‬لها بداية عام‮ ‬1975‮ ‬وستكتمل في‮ ‬مونديال البرازيل كما رواها للشروق ‬في‮ ‬هذا الحوار‮.‬

‭ ‬متى اجتحت أرضية الميدان لأول مرة في‮ ‬حياتك خلال مقابلة رسمية؟

لقد حدث ذلك وأنا تلميذ في‮ ‬الثانوي،‮ ‬خلال مباراة نهائي‮ ‬دورة البحر الأبيض المتوسط،‮ ‬بين فرنسا والجزائر،‮ ‬كان المنتخب الجزائري‮ ‬خاسرا،‮ ‬وبعد هدف بتروني‮ ‬توجهنا إلى الوقت الإضافي،‮ ‬وعندما سجل منڤلاتي‮ ‬هدف الفوز،‮ ‬وجدت نفسي‮ ‬حاملا العلم وأجوب الميدان مع اللاعبين أمام أنظار الملايين‮.‬

وأعدت الكرّة‮.. ‬في‮ ‬المونديال في‮ ‬إسبانيا؟

ما وقع في‮ ‬إسبانيا طريف فعلا،‮ ‬فقد كنت في‮ ‬وليمة عرس في‮ ‬حي‮ ‬الفوبور بقسنطينة،‮ ‬قبل بداية المونديال،‮ ‬ولم أكن ضمن المناصرين النظاميين الذي‮ ‬توجهوا إلى إسبانيا،‮ ‬وقرّرت في‮ ‬آخر لحظة أن أسافر إلى إسبانيا،‮ ‬إذ لم تكن التأشيرة مشروطة،‮ ‬في‮ ‬ذلك الوقت،‮ ‬عندما سألني‮ ‬لاعب سابق لشباب قسنطينة هو الدكتور بولحبال إن كنت سأسافر،‮ ‬لأنه‮ ‬يعلم أنني‮ ‬انتزعت قميص فرڤاني،‮ ‬خلال تأهل الخضر للمونديال على حساب نيجيريا،‮ ‬ولما أكدت له سفري،‮ ‬طلب مني‮ ‬شيئا كان‮ ‬يظن أنه‮ ‬غير قابل للتحقيق،‮ ‬وهو أن أدخل ملعب خيخون قبل بداية المباراة وأرقص أمام عدسة الكاميرا،‮ ‬لم أعده شفويا ولكن في‮ ‬قرارة نفسي‮ ‬نذرت بأن أفعل ما طلبه مني‮.‬

كنت حينها أستاذا في‮ ‬الجامعة؟

‮”‬يضحك‮”.. ‬فعلا،‮ ‬قمت بإجراء الامتحانات في‮ ‬كلية الحقوق للطلبة،‮ ‬قبل المونديال،‮ ‬وأنهيت كل الاختبارات،‮ ‬ثم قدمت شهادة طبية خاطئة للأسف،‮ ‬وطرت إلى إسبانيا،‮ ‬ولأنني‮ ‬كنت حرّا فإنني‮ ‬لم أمتلك تذاكر الدخول إلى الملعب،‮ ‬ركبت حافلة المنتخب الجزائري‮ ‬المتجهة إلى ملعب خيخون،‮ ‬وأوقفتها فتعرف عليّ‮ ‬اللاعبون وأعطوني‮ ‬تذكرتين لدخول مباراة ألمانيا،‮ ‬ولأنني‮ ‬كنت من أنصار مولودية قسنطينة التاريخية ومازلت،‮ ‬فإنني‮ ‬قمت ببيع التذكرتين وقرّرت أن أدخل على الطريقة الجزائرية،‮ ‬أي‮ ‬بالدارجة الجزائرية‮ “‬زرطيت‮”.‬

وجدت نفسي‮ ‬أمام حرس ملكي‮ ‬وشرطة مدرّبة،‮ ‬تواجدت بقوة أمام أنصار‮ “‬الخضر‮”‬،‮ ‬الذين قدروا حينها بالآلاف،‮ ‬لاحت في‮ ‬خاطري‮ ‬فكرة التوجه إلى مكان هادئ،‮ ‬حيث‮ ‬يوجد المناصرون الإسبان المحايدون،‮ ‬كان الفاصل بين قمّة الحاجز الحديدي‮ ‬وأرضية الميدان قرابة أربعة أمتار،‮ ‬كنت رياضيا بصفتي‮ ‬لاعب كرة سابق،‮ ‬وأيضا ارتدي‮ ‬بذلة رياضية،‮ ‬بقيت انتظر‮ ‬غفلة البوليس الإسباني،‮ ‬ثم تسلقت الحاجز ورميت بنفسي،‮ ‬فارتطمت على الأرض،‮ ‬فظن رجال الأمن أني‮ ‬من الهالكين أو المصابين،‮ ‬فلم‮ ‬يسرعوا نحوي،‮ ‬ليجدوني‮ ‬وسط الميدان،‮ ‬فسلّموا الأمر وعجزوا عن الحركة،‮ ‬باشرت حينها بتحقيق وعدي،‮ ‬ويمكن لمتابعي‮ ‬المباراة أن‮ ‬يشاهدوا تواجدي‮ ‬وسط الحكام أقدّم رقصة لصديقي،‮ ‬ثم تجولت في‮ ‬الملعب كما أشاء أمام حيرة الجميع،‮ ‬وكأنني‮ ‬رومينيغي‮ ‬أو سرباح،‮ ‬ثم تم اقتيادي‮ ‬إلى المنصة الشرفية تحت مراقبة شديدة،‮ ‬ولكن بمجرد أن سجل ماجر الهدف الأول،‮ ‬حتى رجعت إلى مكاني‮ ‬مع أنصار الخضر،‮ ‬لأصاب بالخيبة عندما عدل الألمان النتيجة،‮ ‬سقطت فاقدا للوعي،‮ ‬ولكن بلومي‮ ‬أعاد الأمل بهدف ثان،‮ ‬وتوجه مباشرة إلى المكان الذي‮ ‬كنت أجلس فيه،‮ ‬وحققنا فوزا تاريخيا وعدت بعد صافرة النهاية لأجتاح الملعب وأحصل على قميصين من جمال زيدان وصالح عصاد‮.‬

وماذا بعد المباراة؟

توجهت مع اللاعبين إلى‮ ‬غرف تغيير الملابس،‮ ‬كانت أجواء تاريخية،‮ ‬ما لم أنسه في‮ ‬حياتي‮ ‬أن نجوم ألمانيا بقدر ما تأثروا،‮ ‬زاروا الخضر وقدموا لهم التهاني‮ ‬وطلبوا أقمصتهم،‮ ‬ولكن الجزائريين رفضوا،‮ ‬لأنهم أرادوا الاحتفاظ بأقمصتهم‮.‬

وهل تكرر المشهد في‮ ‬مباراة النمسا؟

للأسف الأمور لم تتوقف عند إخراجي‮ ‬من الملعب،‮ ‬في‮ ‬مباراة النمسا،‮ ‬لقد كتبت الصحافة الإسبانية عن هشاشة الأمن بعد دخولي‮ ‬الملعب،‮ ‬فكانت الحراسة مشدّدة جدا،‮ ‬وتمت حراستي‮ ‬وكأنني‮ ‬أحد كبار الإجرام،‮ ‬بذل أمن خوان كارلوس،‮ ‬جهودا كبيرة،‮ ‬لمنعي‮ ‬من دخول الميدان،‮ ‬ولكني‮ ‬فعلت،‮ ‬فقبضوا علي‮ ‬واقتادوني‮ ‬إلى الحجز،‮ ‬ولم أشاهد المباراة التي‮ ‬خسرناها بهدفين نظيفين،‮ ‬وأرادوا طردي‮ ‬من التراب الإسباني،‮ ‬ولحسن الحظ أن أفرادا من الفاف ومن الفيفا تدخلوا وأكدوا بأن تعاملي‮ ‬على الميدان،‮ ‬كان سلميا،‮ ‬كنت أحمل علما وأشجع منتخب بلادي،‮ ‬فقاموا بتصويري‮ ‬والتحقيق معي‮ ‬وأعطوني‮ ‬آخر إنذار،‮ ‬فجلست في‮ ‬المدرجات في‮ ‬اللقاء الأخير رفقة بلومي‮ ‬الغائب عن مباراة الشيلي‮.‬

المونديال لم‮ ‬ينته عند هذا الحد،‮ ‬فقد واجهت النمسا المنتخب الألماني‮ ‬في‮ ‬لقاء العار؟

تلك قصة أخرى،‮ ‬أصبحت بعد كل هذه الحوادث مشهورا في‮ ‬إسبانيا ولدى الألمان،‮ ‬كنت أتوجه إلى فندق إقامة رفقاء شتيليكي،‮ ‬كانوا‮ ‬يلتقطون الصور معي،‮ ‬وكان الأنصار الجزائريون عموما مفاجأة كأس العالم بتنظيمهم وحماسهم وكثرتهم أيضا،‮ ‬في‮ ‬لقاء العار حملنا المناديل مع الإسبان وحتى مع الألمان،‮ ‬وفي‮ ‬الفندق كنا نحمل أوراقا نقدية ونستفز الألمان ومدربهم دروال،‮ ‬المهم سجلنا حضورنا في‮ ‬إسبانيا،‮ ‬فريقا وأنصارا‮.‬

أخطر ما قمت به كان في‮ ‬ملعب ناصر بالقاهرة؟

قبل ذلك،‮ ‬تأهل الخضر إلى‭ ‬مونديال المكسيك،‮ ‬وغبت عن الموعد بسبب تواجدي‮ ‬في‮ ‬الخدمة الوطنية،‮ ‬أعدت الكرّة في‮ ‬لقاء القاهرة عام‮ ‬1989،‮ ‬كان المصريون‮ ‬يريدون الفوز على الجزائر،‮ ‬ليتأهلوا إلى كأس العالم في‮ ‬إيطاليا،‮ ‬الشرطة والجيش المصري،‮ ‬حاصرا الملعب من الخارج ومن الداخل،‮ ‬كنا بالمئات فقط،‮ ‬وسط قرابة‮ ‬150‮ ‬ألف شوفيني،‮ ‬يريدون تأهل بلادهم للمونديال،‮ ‬ولكني‮ ‬في‮ ‬لحظة جنون حقيقية،‮ ‬بينما كان النشيد المصري‮ ‬يُعزف دخلت الميدان،‮ ‬جريت في‮ ‬كل الملعب فاقتحم مناصر مصري‮ ‬أيضا الميدان والتقينا وكدت أن أتسبب في‮ ‬كارثة لي،‮ ‬وربما توقيف المباراة،‮ ‬لولا أن قبض علي‮ ‬رجال الأمن،‮ ‬واقتادوني‮ ‬بالقوة إلى خارج الملعب،‮ ‬ولكني‮ ‬صمّمت،‮ ‬وعدت وعشت تلك المباراة التعيسة،‮ ‬أذكر أنني‮ ‬عندما دخلت ملعب القاهرة حاملا الراية الوطنية،‮ ‬نزلت على رأسي‮ ‬أطنان من المأكولات والأحذية البالية‮.‬

وهل عدت إلى مصر في‮ ‬لقاء الخضر التأهيلي‮ ‬لكأس العالم‮ ‬2010؟

‮”‬ينفجر بالبكاء‮”.. ‬كان والدي‮ ‬رحمه الله ضد توجهي‮ ‬لتلك المباراة،‮ ‬إلى القاهرة،‮ ‬واصطحبت إبني‮ ‬الذي‮ ‬كان في‮ ‬سن الرابعة عشر،‮ ‬وفعلا عشنا الجحيم،‮ ‬كنت أريد أن أمنحه مشعل تشجيع الخضر على طريقتي‮ ‬الخاصة،‮ ‬بحمل العلم ودخول الميدان،‮ ‬ولكن الأمور كانت في‮ ‬منتهى الخطورة بعد نهاية المباراة،‮ ‬حيث قذفونا بالحجارة وحطموا حافلة المناصرين،‮ ‬ارتميت فوق جسد ابني‮ ‬وكنت متيقنا بأني‮ ‬سأموت،‮ ‬وسعيت لإنقاذ ابني‮ ‬فقط،‮ ‬عشنا الجحيم وعدنا سالمين بصعوبة إلى قسنطينة‮.‬

وطبعا كنت مع المسافرين إلى أم درمان؟

في‮ ‬السودان لم أكن وحيدا،‮ ‬بل تنقل سبعة من أفراد عائلتي‮ ‬معي،‮ ‬طلبت من ابني‮ ‬أن‮ ‬يقدّر دخولي‮ ‬الخمسينات من عمري‮ ‬ويحمل مشعل المناصرة على طريقتي،‮ ‬ولكنه رفض بعد أن شاهد جيشا من الحرس السوداني‮ ‬في‮ ‬الملعب،‮ ‬وفي‮ ‬لحظة جنون كالعادة كنت الوحيد الذي‮ ‬اقتحم ملعب أم درمان بالعلم الوطني‮.‬

كيف تفسر هذا السلوك؟

اقتنعت منذ شبابي‮ ‬بأن مناصرتي‮ ‬بهذه الطريقة،‮ ‬هو تعبير عن حبي‮ ‬لبلدي‮ ‬بطريقتي‮ ‬الخاصة‮.‬

وهل توجد حادثة طريفة حدثت لك على أرضية الميدان؟

في‮ ‬نهائي‮ ‬الكان عام‮ ‬1990،‮ ‬كان الوضع في‮ ‬الجزائر قد بدأ بالانزلاق وحضر الشاذلي‮ ‬بن جديد،‮ ‬والآلاف من رجال الأمن،‮ ‬ومع ذلك كسرت الحراسة،‮ ‬واقتحمت الملعب،‮ ‬وتولى ضابط شرطة مطاردتي،‮ ‬وعندما أمسكني،‮ ‬في‮ ‬وسط الميدان سألني‮ ‬عن الطريقة التي‮ ‬نجحت بها في‮ ‬دخول الملعب،‮ ‬فأخبرته بأن الذي‮ ‬دخل ملعب خيخون قادر على دخول ملاعبنا،‮ ‬وعندها احتضنني‮ ‬ورافقني‮ ‬إلى المقصورة الرئاسية،‮ ‬مثل الأبطال‮.‬

ستكون في‮ ‬البرازيل بالتأكيد‮.. ‬وهل ستكرّر حادثة خيخون؟

يضحك‮ .. ‬نعم‮.‬

مقالات ذات صلة