-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رمتنا بدائها وانسلّت

رمتنا بدائها وانسلّت

مجرم من ظن لحظة أن الاستعمار، في كل الأزمنة وفي كل الأمكنة، قد يتوب عن غيّه، ويؤوب إلى رشده.

ومخطئ من ظن يوما أن الاستعمار الفرنسي بالرغم من تغير الكون وما فيه، قد تتغير نظرته إلى الشعوب التي استعادت سيادتها، وافتكّت الاعتراف باستقلالها، فالاستعمار شر، والشر كالشيطان، يأتي الشعوب من جوها وبحرها، ومن بين أيديها ومن خلفها، وعن شمائلها، فهو أقبح باطل، وأشنع ظلم في وجه الأرض.

كنا نظن، وبعض الظن إثم، أن مائة واثنين وثلاثين سنة من المعاناة، والثورات، والدماء، والدموع، والأنّات، هي كافية للحد من الصدامات، ورادعة لإعادة محاولة التدخلات، ولكن ما راعنا، إلا وقد “عادت لعترها لميس”، وما لميس هنا إلا فرنسا الاستعمارية، وما العتر إلا عمل الشر.

إن المعاهدات التي أعقبت استقلالنا، والاتفاقيات التي حددت تعاون بلداننا، قد حققت النديّة والتعاون بيننا، فلهم استقلالهم ولنا استقلالنا، ولهم سيادتهم ولنا سيادتنا.

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فبعد أن خرجت فرنسا من الباب، هاهي تحاول أن تعود من النوافذ؛ نافذة الحدود، ونافذة النفوذ، ونافذة العملاء ذوي الفكر المنبوذ.

لو أن مزدوجي الجنسية، العاقّين لجنسيتهم الأصلية، والتي سلّطتهم فرنسا على الجزائر، لو أنهم  كانوا حلقة وصل بين الوطنين، لرأب الصدع، ووصل القطع لحمدنا ظلهم.

ولو أنهم كانوا وسطاء خير بين متنازعين، وعنوان وفاء للجنسيتين، لوجدوا منا كل الحب والاحترام.

ولكن مزدوجي الجنسية، من ذوي الأفكار الإقصائية، تنكّروا للأصول، وأداروا ظهورهم لقيم الشهيد، وانحازوا للمعتدي.

واعجبا للاستعمار الفرنسي إذ يقدم على الاعتداء على الذاكرة الوطنية، بتسليط الأفكار المارقة عن القيم الأصلية، ودعائم الهوية، فلم يراع الاستعمار الفرنسي بالذات، تطور البلدان المتحررة، ولم يحترم سيادة المجتمعات المتجذرة، فنراه يتمادى في غيه وجنونه، ويصرّ على تجاوز حدوده.

لقد بلونا الحكومات الفرنسية المتعاقبة فوجدناها كأدوات الشطرنج، قد تتغير أماكنها ولكنها لا تتبدل أدوارها.

وليت المعاملة تكون بالإنصاف والعدل، بين المعارضين من كل جانب.

وفي حين يتدخل رئيس الدولة الفرنسي بالذات، فينزل إلى مستوى المطالبة بإطلاق سراح متهم بزرع البلبلة، وتشويه الحقائق ضد وطنه وذاكرة شعبه، نرى فرنسا تقدم على طرد جزائري من أرضها، لمجرد أنه تجرّأ على نقد الأوضاع المتوترة، متهمة إياه بالتأثير على الرأي العامّ. ومتى  كان ذلك تهمة يعاقب عليها القانون؟

في هذا السياق، نحن مدعوّون إلى إعادة النظر في مناهجنا التربوية، لنخلصها من كل آثار الاغتراب والانسلاب، كما أن خطابنا الديني، والإعلامي، والحزبي، مدعوٌّ إلى السمو بأسلوبه ومضمونه إلى مستوى الوحدة الوطنية المحصنة، وذلك لتمتين الجدار الوطني ضد أي محاولة خارجية مستهجنة.

الساسة، والإعلاميون، وزعماء الأحزاب، تنحصر مهمتهم في التأثير على الرأي العامّ، ولا يعاقبهم القانون.

إننا نريد من فرنسا، أن تنزع العباءة الاستعمارية التي طالما ألحقت بها الأذى، وأدت بها إلى الكشف عن سرها، وشرها.

نريد لفرنسا، بعد تحررها من الطابع الاستعماري، أن تعود إلى فرنسا المبادئ، والقيم، وحقوق الإنسان، فتتخلى عن هؤلاء العملاء، الذين تجرّدوا من سحنتهم،فتحولوا إلى أدلاء أذلاء يبشرون بمطامع الاستعمار، ويمهدون لعودته إلى الديار.

إنه ليسوءنا والله، أن تكشف فرنسا عن وجهها الاستعماري القديم، الذي اعتقدنا، أنها قد تخلصت منه، فقد أساء إلى تاريخها وإلى ذاكرتها، فحوّلها إلى كيان جائع، تدفعه الهدات إلى الملذات فينتقم، بعد أن كان في العهد الاستعماري يهدم وينتقم.

ليدرك الفرنسيون أن الوطن الجزائري اليوم قد ازداد ثباتا وصلابة، فأصبح صعب المكسر، وصلب المخبر.

ولن تستطيع أي قوة، مهما اشتدت، أن تنال من عزمه، أو أن تؤثر على حزمه، حتى ولو كانت من حَمَلَة الفكر المنسلب.

إننا نربأ بالفكر أن يكون مفتاحا للتضليل، أو أن يتحول اللسان إلى عنوان للتهويل والتطبيل.

وإننا لنعجب أن يُنسب إلى بلد الملايين شهيد، من تنكَّر لدماء الشهداء، أو من يخدش في ذاكرة العلماء.

ونهيب بكل مواطن جزائري مخلص، أن يستخلص الدرس المستفاد، مما تعانيه البلاد، فيخلع رداءة الانسلاب الحضاري، والخضوع، والخنوع، لبقايا الفكر الاستعماري.

سقطت الأقنعة –إذن- وبان الصبح لكل ذي عينين، فالصخرة لن تكون ثقيلة وصلبة إلا إذا تجذّرت في عمق أرضها، وتغذّت بماء عذبها، وهواء نبضها.

وفي هذا السياق نحن مدعوّون إلى إعادة النظر في مناهجنا التربوية، لنخلصها من كل آثار الاغتراب والانسلاب، كما أن خطابنا الديني، والإعلامي، والحزبي، مدعوّ إلى السمو بأسلوبه ومضمونه إلى مستوى الوحدة الوطنية المحصنة، وذلك لتمتين الجدار الوطني ضد أي محاولة خارجية مستهجنة.

على أننا بالرغم من كل هذا، نبقى متفتّحين على أي حوار صادق، بنّاء، وأيّ يد ممدودة سمحاء، بعيدا عن أدران الماضي.

يجب أن يعلم من يعلن عن مدّ يده إلى الجزائر، من الجانب الفرنسي، والذي يلوّح بإمكانية الحوار لتجاوز الماضي، والبحث عن حلول لكلّ ما يعكر صفو العلاقات، أن بين بلدنا وفرنسا، جبلا من المشكلات:

  • بيننا وبينها أنهار من الدماء، لم تجف ولن تجف، إلا بتقديم الاعتذار، الواضح والصريح.
  • بيننا وبين فرنسا، مواقف عداء، وصلت إلى حد تأليب الأشقاء، وتشجيع الانفصاليين العملاء.
  • مساندة الصهاينة المعتدين، وهم يخوضون حربا استئصالية ضد الفلسطينيين الأشقاء.
  • ضرورة اتخاذ الحياد، في الخلافات بين الأشقاء، وعدم إذكاء الفتنة، وتأليب الفتن، في الساحل الإفريقي، وفي الصحراء.

في ضوء هذه المعطيات كلها، إذا كان الجانب الفرنسي، يريد تصفية الأجواء، وفتح حوار كامل، وشامل، وبناء، فأهلا وسهلا به.

لقد رمتنا فرنسا بدائها وانسلّت، فعملت ولا تزال تحاول زعزعة الاستقرار، وهذا ما يجعل من المستحيل فتح باب الحوار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!