الرأي

روسيا وأمريكا.. تفاهماتٌ بالصواريخ والقنابل

صالح عوض
  • 2611
  • 0

لقد اضطرت العلاقات الروسية الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى مراجعات عديدة، وفي كل مرة كان الطرف الروسي يقوم بتقليل تنازلاته على صعيد الإقليم والعالم في محاولة لامتصاص الصدمة الكبيرة، ومرة بعد أخرى يتقدم الفعل الروسي في محاولة لاستعادة المكانة وأصبحت الجغرافيا العربية ولاسيما سورية أرض الفحص لأحجام القوى.

وروسيا التي وقفت عاجزة أمام احتلال الأمريكان العراق، وتدمير حلف الناتو ليبيا، وجدت نفسها وجها لوجه مع الإرادة الأمريكية في سورية على اعتبار أنها الجدار الأخير، وأن نتائج هذه المواجهة ستحدد مناطق النفوذ والأدوار في الإقليم والعالم.

بجملة اعتراضية يمكن التنبيه إلى أن معظم قوى الإقليم إنما هي أدوات بوعي أو بدون وعي في معركة الكبار الدوليين وأن انتصاراتها وهزائمها إنما هي بالمردود على الكبار ويذهب أبناء المنطقة وقودا وأراضيها مسرحا لأصحاب الاستراتيجيات الكبرى.

وفي هذه المرحلة وفي الملف السوري وحوله أخذت التفاهمات الأمريكية الروسية شكل التناوش بالسلاح النوعي ويظهر كل طرف ما لديه من قدرات وسرعة في تنفيذ ضرباته.. الأمر أصبح خطرا وكأنه تسخينٌ لحرب كبيرة وطويلة أو على الأقل أنه فصل جديد من الحرب الباردة.. فعندما أطلقت البوارج الأمريكية الرابضة في المتوسط صواريخ “توماهوك”  الـ59 على قاعدة عسكرية جوية سورية، كانت تبعث بعدة رسائل أهمها أنها تستطيع تعديل خريطة النفوذ الاستراتيجي في المنطقة متى أرادت وأن غيابها المؤقت عن تسارع الأحداث في سورية لا يعني أبدا الغياب الذي بموجبه يتمكن الآخرون من رسم معادلتهم.. فكانت وجبة الصواريخ باهظة الثمن هي إلقاء حجر في الساكن في المنطقة بشد انتباه الحلفاء والأصدقاء نحو الوجود الأمريكي، وبالفعل بعد تلك العملية العسكرية نشطت الدبلوماسية الأمريكية السياسية والعسكرية في الإقليم لترتيب اصطفافات جديدة من شأنها إعادة الخطاب إلى مربعه الأول.. ويتم استئناف الحديث عن خصوم تقليديين وحلفاء تقليديين.. أدرك الأصدقاء أهمية تلك العملية لأجنداتهم فاستقبلوا قصف القاعدة العسكرية الجوية السورية بالترحيب.

بين لعب الكبار وتعارض مصالحهم تضيع كثيرٌ من المعاني التي تهم المنطقة ومستقبلها، وغير مستبعد أنه في ظل تفاهماتهم حتى لو كانت بالسلاح أن تضيع كثير من حقوقنا الثابتة في بلادنا، ومن هنا يصبح من الضرورة التفات أبناء المنطقة ودوائرهم الأساسية وجيرانهم من المسلمين إلى أهمية التكاتف لتوطيد عرى الاستقرار والأمن في المنطقة.

في المقابل كانت القوات الروسية التكنولوجية تراقب مسرح العمليات بدقة فسلطت على الصواريخ الأمريكية موجات كهرومغناطيسية مخصصة فشتتت اتجاهاتها وأسقطت كثيرا منها في البحر أو في مناطق نائية وحتى تلك التي اقتربت من هدفها لم تحقق نتائج معتبرة.. فكان الردع الروسي يعني أيضا أن هناك خطوطا حمرا قد جعلتها القوات الروسية حول مهمتها في الإقليم وأنها على أتم اليقظة تجاه الجانب الأمريكي.. وعملت موسكو بدأب لكسب نتائج الضربة الأمريكية سياسيا بأن شنت حملة دبلوماسية دولية لإحراج الأمريكان وإظهارهم بأنهم خارج لعبة القانون الدولي وأن تصرفهم انفرادي وبديل عن المؤسسات الدولية ذات الصلة.. ومن جهة أخرى دفعوا بمزيد من السلاح النوعي إلى الأرض السورية والذي يكون وصل بعضه إلى يد الجيش السوري.

وقبل أن تنتهي أثار تلك الضربة الأمريكية ألقت الطائرات الأمريكية في أفغانستان أكبر قنبلة صنعتها مصانع السلاح الأمريكي أطلقوا عليها اسم “أم القنابل” وهي الأخطر على الإطلاق لها قوة تفجيرية مذهلة ونتائج تدميرية خطيرة تلاحق الأنفاق والمخابئ الاستراتيجية، وفورا أعلن الروس أن لديهم قنبلة “أبو القنابل”ّ وهي ذات قدرة تدميرية تبلغ الضعف لقدرة أم القنابل.. وعلى صعيد أخر حركت البحرية الروسية نحو شرق المتوسط بارجة خاصة تحمل نوعا من الصواريخ له قدرة فائقة على التصدي للصواريخ الأمريكية.

التفاهم بتصعيد الدعاية العسكرية والتلويح بالضرب وردات الفعل أصبح في الأشهر القليلة الفائتة الضاغط الأكبر على صناع القرار في كل من روسيا وأمريكا وعملية عض الأصابع وسياسة الشد والرخي وأسلوب الإيقاع بالطرف الآخر في مؤامرات مغرية ولها نتائج وخيمة.. كل ذلك يتحرك الآن بين روسيا وأمريكا.. ورغم الأعباء التي يمنى بها الاقتصاد الروسي إلا أن تلك التي تثقل كاهل الاقتصاد الأمريكي لدرجة التخلي عن التأمين الصحي لما يقارب 25 مليون نسمة والعجز في المدفوعات، حيث تمثل النفقات أكثر من المداخيل، ولازالت حرب العراق وأفغانستان تمثل الرهاب النفسي للعقيدة العسكرية الأمريكية التي تبحث عن معاونين أو وكلاء في فرض وجودها في الإقليم والعالم يستفزها في جنب خاصرتها الأمنية جنون رئيس كوريا الشمالية الذي يلوح بتدمير كل القواعد العسكرية الأمريكية واستهداف الولايات المتحدة ذاتها..

يقول الروس إن ليس لهم ثقة بوعود الأمريكان وإن تصريحات ترمب عن الإرهاب تبخرت وإنه لا يجيد سوى لغة الصفقات على حساب أي مسألة مبدئية، وبالمقابل، يرى الأمريكان أن الروس يدافعون عن محور الإرهاب وأنهم يدفعون بالمنطقة إلى توترات من شأنها تقويض فرص السلام والتسويات.

هناك على المستوى الدولي فرز استراتيجي خطير، فكما أن أوربا تقف خلف الأمريكان وكذا بعض دول العالم إلا أن اصطفاف الصين بجوار روسيا يعني أن هناك كتلة دولية خطرة، لاسيما إن أضفنا إليها كوريا الشمالية فهكذا تتجلى قوة الاقتصاد والسياسة والسلاح في ثالوث يستطيع انتزاع موقع النفوذ.

هناك ثلاثة مستويات من الدول في الصراع الدائر الآن على أرض بلاد الشام والعراق، فهناك الطبقة الأولى المتنفذة وصاحبة الاستراتيجيات الكبرى وهي أمريكا وروسيا، وهناك الطبقة الوسيطة وهي تركيا وإيران وهما دولتان تبحثان عن أدوار إقليمية لهما وعن توسيع مساحة الحضور، والطبقة الثالثة هي بلاد الشام والعراق المبتلاة بأطماع العالم كله وطموحات مشاريعه وخطورة هذه الطبقة أن فلسطين جزء من وحدتها الجغرافية والسياسية وأن الكيان الصهيوني يقف على تخومها ونتائج أي تطورات فيها يرجع بسرعة بآثاره على الكيان الصهيوني، ومن هنا جاءت الفرصة التاريخية للأمريكان كي يفتتوا هذه الطبقة ويشتتوا تركيزها ويلحقوها بحالة الانهيار النفسي والاقتصادي والاجتماعي تحقيقا للأمن الاستراتيجي الدائم للكيان الصهيوني.

بين لعب الكبار وتعارض مصالحهم تضيع كثيرٌ من المعاني التي تهم المنطقة ومستقبلها، وغير مستبعد أنه في ظل تفاهماتهم حتى لو كانت بالسلاح أن تضيع كثير من حقوقنا الثابتة في بلادنا، ومن هنا يصبح من الضرورة التفات أبناء المنطقة ودوائرهم الأساسية وجيرانهم من مسلمين إلى أهمية التكاتف لتوطيد عرى الاستقرار والأمن في المنطقة لأن التهديد لايمس طرفا منهم دون أخر، فالفوضى إن لم يتم توقيفها ستجتاح المنطقة كلها وجيران المنطقة.

وحدة سورية أرضا وشعبا ودولة مهمة كل المنطقة وأبنائها وجيرانها من المسلمين لكي نستطيع وضع حد للتدخلات الأجنبية ولإيقاف عملية نزف أمتنا في حروب تحرق الأخضر واليابس في المنطقة كلها.. تولانا الله برحمته.

مقالات ذات صلة