ريّاح.. كفيفٌ يقطع 10 كلم مشياً ليؤم الناس في التراويح بتيسمسيلت..
يتمتع بإرادة حديدية وذات صبر وأخلاق عالية تجبر كبار السن وكل من حوله على احترامه رغم صغر سنه، وعقل ذكي، وقلب تقي، يتأثر بصوت الذهب الخالص القارئ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، متفائل بالنجاح ويبني حياته دائما على الأمل كي لا يعرف شيئا اسمه المستحيل لعله بذلك يكسر قيودا من صنع القدر وأخرى صنعتها الظروف.
انه شاب كفيف يدعى “رياح احمد” لم يتجاوز الـ 20 اما من دوار “الثنايا” على بعد 10 كلم غرب بلدية أولاد بسام في تيسمسيلت، تحدى إعاقته البصرية التي مني بها منذ ولادته عام 1993 والتي حرمته من الجلوس ولو ليوم واحد على مقاعد الدراسة، ومع ذلك اثبت جدارته في مواجهة الصعاب فحفظ القرآن عن ظهر قلب، وأصبح يؤم الناس بصوته الجميل وتلاوته المريحة للنفس في صلاة التراويح بالمسجد العتيق بأولاد بسام.
حلمه الوحيد أن يكون مستقبلا عالما كبيرا وداعية في المجتمع الإسلامي، وشخصية لا يشق لها غبار، الشاب احمد الذي ينحدر من عائلة فقيرة يتدبر شؤونها أب فلاح أثقلته هموم الحياة وجعلته لا يؤمن إلا بزراعة الأرض وتربية الأغنام لتأمين قوت أفراد أسرته وما دون ذلك غير مهم إطلاقا بالنسبة إليه، كان مجبرا على مرافقة أخيه الأقل منه سنا إلى البراري ومساعدته في رعي الأغنام، واستمر على تلك الحال لعدة سنوات رغم انه كان يتوق للعيش وسط الحركة ومجاورة المدن ولا يقبل الحياة البدائية، ما دفع به وهو في سن الـ17 إلى قطع حولي 10 كلم يوميا ذهابا وإيابا مشيا على الأقدام باتجاه مدينة أولاد بسام للصلاة في مسجد العربي التبسي، ورغم بعد المسافة إلا انه كان يواظب على صلاة الجماعة في المسجد.
حبه لربه جعله يستشير الإمام “مصطفى أبركان” في أمور الدين والدنيا منها طريقة حفظ القرآن الكريم، وما كان من الإمام سوى مساعدته في إيجاد طريق العلم الموصل إلى الجنة، وكانت زاوية سيدي أحمد بن عون الله الكائنة ببلدية توسنينة ولاية تيارت، أول من رحبت بالشاب الكفيف في سنة 2010 حيث اعتمد في حفظ القرآن على طريق التلقين خلال فترة تقل عن سنتين على يد الحاج الصادق وهو معلم قرآن متطوع في الزاوية التي كانت تستنجد بالمحسنين لتغطية تكاليف 30 طالبا من حيث الأكل والشرب والإيواء، لينتقل الشاب الكفيف، بعد أن أتم حفظ كتاب الله كاملا إلى معهد تكوين الإطارات الدينية بولاية غليزان، حيث خضع لامتحان تشرف عليه لجنة استظهار القرآن الكريم، حيث أظهر براعة في حفظه وجودة ترتيله ما مكنه من الحصول على شهادة تؤكد حفظه له عن ظهر قلب، ونال أيضا على شهادة إثبات المستوى التي تعادل السنة الثانية من التعليم الثانوي عن طريق مسابقة تم تنظيمها بنفس المعهد مطلع السنة المنقضية، وهو ما يسمح للشاب الكفيف الذي يعيش حاليا على راتب الإعاقة البصرية لا يزيد عن 3000 دج بالمشاركة في المسابقة الوطنية لتوظيف معلمي القرآن الكريم، رتبة التعليم القرآني أو الأعوان الدينيين رتبة مؤذن وقيِّم، وهي المسابقة التي ينتظرها على أحر من الجمر، مع العلم انه يتلقى حاليا دروسا في المواد العلمية والشرعية كحفظ القرآن بطريقة صحيحة ودراسة شاملة لعلم التجويد والفقه والنحو والعقيدة بزاوية سيدي على بن الحاج ببرج بونعامة في تيسمسيلت.
ورغم إعاقته البصرية يقول الإمام الصغير، وهو صاحب عفة وبعد عن طلب الناس وسؤالهم، في ختام حديثه إلينا، انه يقطع مسافة 10 كلم ليلا مشيا على الأقدام برفقة أخيه الذي يصغره سنا ليؤم الناس في صلاة التراويح بمسجد العتيق ببلدية أولاد بسام، بعد أن منحة له رخصة صالحة لشهر رمضان الكريم.