زعريطة!
يكاد الواحد منـّا يُفطر في عزّ الظهر، عندما يسمع بأن بعض أولياء المتفوقين في البكالوريا، غضبوا بسبب إلغاء جولة أبنائهم السياحية باتجاه ماليزيا والاكتفاء برحلة تركيا، فصدّقوا أو لا تصدّقوا!
هذه “الزعريطة” لا تختلف عن نزول الوزير الأول إلى تندوف في عزّ “الصمايم”، حيث شوّط الوفد المرافق له من الوزراء والصحفيين، بنفس الطريقة تقريبا التي شوّط بها وزيرا الطاقة والبيئة مرافقيهما في زيارة “عجيبة” إلى ولاية ورڤلة في عزّ صعود ترمومتر الحرارة إلى 50 درجة!
في الحقيقة حتى وإن كان من حقّ النجباء الاستفادة من امتيازات وتشجيعات، حتى يكونوا مثالا ونموذجا لزملائهم “الفاشلين” والمخفقين مستقبلا، فإنـّني لم أفهم مثلما لم يفهم المتابعون الفرق بين رحلة سياحية إلى ماليزيا أو تركيا؟ وهل يتعلق الأمر بلوزوطو أو أدغال إفريقيا حتى يقلب البعض الأرض ولا يقعدها بسبب تغيير وجهة جولة الاستجمام؟
بالمقابل، فإن اختيار عدد من الوزراء لمناطق صحراوية في عزّ السيروكو والزوابع الرملية، حتى وإن فهمه مسيّسون على أنه “حملة انتخابية” مبكرة أو متأخرة، فقد تكون هذه الخرجات الوزارية بمثابة “ردّ اعتبار” لجزء من سكان الجنوب، من باب مقاسمتهم آلام المعيشة والظروف الطبيعية التي لا تـُقاوم وتستدعي من الحكومة للتعاطي الخاص مع هؤلاء الجزائريين المقاومين والمحڤورين!
هل فهمتم الآن، لماذا أدرجت قصة تغيير جولة “التحواس والتشماس” من ماليزيا إلى تركيا، كمثال أو نموذج؟.. أعتقد أن ما يقف عليه “أصحاب المعالي” خلال هذه الأيام الحالكات بولايات الصحراء الواقفة والشهمة، يجعلهم يشعرون بما يشعر به أهالينا الطيّبون فيما قد يُصنـّف بـ”الجزائر الأخرى”!
عندما تـُعلن مصلحة الأرصاد الجوية، أن درجات الحرارة قد تصل ليومين فقط 40 درجة بالولايات الساحلية والشمالية، تعلن المستشفيات والحماية المدنية ومعها المواطنون، حالة الطوارئ والاستثناء والحرب، ويتمّ إقرار حظر التجوال، ويُمنع السكان أنفسهم من مغادرة مكاتبهم وبيوتهم المكيفة، وتغلق المحلات أبوابها، وتغزو الأشباح الشوارع!
..لكن الحرارة على مدار كلّ الصيف تتجاوز الـ50 درجة بـ”الجزائر المنسية”، فلا الأحوال الجوية تـُصدر نشرية خاصة ولا الحماية تجنـّد خراطيمها ولا هم يحزنون، والمثل يقول: “الموالفة خير من التالفة”!
نعم، هي إرادة الله ومشيئته، وهي الطبيعة ونظام الكون، لكن الشيء الجميل أن نحسّ جميعا ببعضنا البعض، بآلامنا وأحزاننا ومشاكلنا وآهاتنا، وبعدها لابدّ أن نسعد لأفراحنا وانتصاراتنا.
الإحساس بالآخر جزء من المواطنة، لكن على الحكومة أن لا تكرّس التمييز والمفاضلة في التعاطي مع مناطق البلد الواحد، وهذا لا يعني توزيع حرارة وزوابع الجنوب على الشمال، لكن من الضروري والمفيد توزيع المشاريع التي تـُبذر بالشمال على ولايات الجنوب التي أضحى جزء منها منكوبا!
لا فرق بين منتجعات كوالالمبور ومنتزهات اسطنبول، وبالتالي لا داعي لهوشة التلاميذ وأوليائهم، لكن استياء جزء من الجزائريين يبقى مشروعا طالما أنه مبني على مبررات لا يُمكن إخفاؤها بغربال.. فهل وصلت الرسالة؟