الرأي

زمن تدويل الحروب الأهلية

حبيب راشدين
  • 3052
  • 0

سقوط حلب بيد قوات التحالف الروسي الإيراني الروسي أنهى واحدة من أكبر معارك المدن، وهي تدشِّن جيلا جديدا من الحروب الأهلية بين الأنظمة والشعوب ينخرط فيها الطرفان عبقا في مواجهة مسلحة لا تُحسم إلا بالتدخل الأجنبي الذي يُحسب له النصر، ويتخذ من الطرف الحليف “كرزاي” خاضعا يحكم بالوكالة.

هذا ما حصل في جميع الحروب التي شهدها العالم العربي منذ اندلاع الربيع العربي، بل وبدأ مع الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، وتواصل مع عدوان النيتو على ليبيا، وتدخل دول الخليج لسحق المعارضة في البحرين واستئصال الحوثيين في اليمن، وتجري أهم معاركه اليوم في العراق وسورية.

يقيناً أن المعارضة الليبية ما كانت لتحلم بإسقاط نظام القذافي لولا تدخل النيتو الذي مهّد الطريق لوصول شراذم متنافرة من “الثوار” هي اليوم أعجز ما تكون عن إعادة بناء الدولة. وما كان لمعارضة النظام البعثي في العراق أن تحلم بالوصول إلى السلطة لولا الغزو الأمريكي، وكانت المعارضة في سورية قد بدأت حراكَها بخطيئة قاتلة حين وضعت نفسها تحت مظلة تحالف غربي خليجي وتركي تاجرَ بأحلامها أكثر من خمس سنوات قبل أن يخذلها ويتركها تُذبح في حلب.

جميع هذه المعارك كانت ذات طابع دولي، هي في الجملة أشبه بحربٍ عالمية مصغَّرة حركتها رغبة الدول العظمى في إعادة تشكيل العالم العربي وسط تقسيم مريب للأدوار، وانخراط الدول الإقليمية من العرب والأعاجم تحت إمرة أحد القطبين، حتى أن الانتصارات والهزائم التي تحققت في هذه المعارك تُنسب اليوم إلى رأسي القطبين أكثر مما تُنسب إلى السلطات القائمة أو لمعرضاتها.

ومما لا شك فيه أن سحق المعارضة السورية في حلب هو انتصارٌ لبوتن، الذي لم يتدخل من قبل بهذا القدر من العنف وبترسانةٍ حربية قاهرة، قد استثمر الكثير في المعركة ليُثبِّت تواجدا روسيا دائما في الشرق الأوسط. وحيث يدَّعي اليوم النصر فلا بد له أن يقبل بتبعاته التي ستورِّط روسيا حتما في حربٍ طويلة مكلِّفة، ليس فقط مع المعارضة السورية التي هُزمت في حلب وستعيد الانتشار في ساحاتٍ أخرى، ولكن مع تنظيم “الدولة” الذي اغتنم انشغال الروس والنظام بمعركة حلب ليستعيد في ساعات قليلة مدينة تدمر ومطارها العسكري.

وإذا كان لابدّ من استخلاص دروس مفيدة للأنظمة كما للشعوب، أنه ليس مسموحا اليوم الدخول في حربٍ أهلية لتغيير النظام أو لسحق المعارضة بالقوة دون دعم أجنبي، رأينا في العراق وليبيا وسورية كيف أنه لا يرقب في أهل البلد إِلاًّ ولا ذِمَّة، بل ولا يرقب إلاًّ ولا ذمّة حتى في الطرف الذي جاء لنصرته كما سيكتشف حكام العراق وسورية بعد حين: أنهم ليسو أكثر من “كرزايات” لا تحرِّك ساكنا إلا بإذن من ربِّ البيت الأبيض أو صاحب الكريملن.

غير أن أهمَّ درس لشعوب المنطقة هو بلا شك واجب قطع حبل الرجاء مما يُسمَّى بالمجتمع الدولي الرسمي ممثلا في الأمم المتحدة وملاحقها، أو الشعبي مثل منظمات حقوق الإنسان التي خلدت جميعا إلى الأرض قد أصابتها لوثة ولم ينطلق لسانها تماما كما فعلت من قبل مع جرائم الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان.

مقالات ذات صلة