الرأي

زمن قياس الثروة بالخروف الذهبي

حبيب راشدين
  • 2905
  • 5

من استكثر على الجزائريين تضحيتهم بربع ثروتهم من بهيمة الأنعام لأحياء سنة ابراهيم الخليل، عليه أن يراجع عزيز الجزائر وقد وقع على ميزانية للدولة بما يعادل 224 مليون خروف أو 1962 طن من الذهب الخالص، أو يسأل كيف أنفقنا على الطريق شرق غرب ما يعادل 200، 263 طن ذهب أو 36،30 مليون خروف.

 

 في اليوم الثاني من أيام التشريق استوقفني وقوف الزملاء في الشروق من عدد الخميس عند أضاحي يوم الثلاثاء، بعد أن كان أكثرهم قد هضم “الملفوف” وتعرق اللين من الضلع، والمعتق من الظهر، وقد توزعت الأعمدة ما بين مستكثر على الشعب الجزائري نحر ربع قطعاننا من الظعن، ومن يسأل هل في البلد رجل رشيد؟ يرشد هذه الفوضى الخلاقة في نحر بهيمة الأنعام بسلوك البهيمة من البشر(عبد الناصر)، وآخر يصف العيد ب”المعتدة” من النسوة وقد هجرها الفرح (الهادي الحسني)، وثالث يسأل هل بقي عندنا “مخ” يفكر حتى نشتري كباشا بلا “مخ” يرعاها ذوي الأمخاخ من المهندسين( رضا بن عشور)، فيما نقل الرابع (عمار يزلي) من زيارة في المنام لعزيز الجزائر قولا “منصوبا” عليه : “رفعنا من قيمة الكباش، وطأطأنا رؤوس الناس، لأننا نريد أن نرفع من رؤوس كباشنا أمام العالم: أرفع راسك آآآبا” . ولأن الزميل سليم قلالة كان قد افتتح باب الاجتهاد على صفحات الشروق، ودعا كل من له “مخ” في هذا البلد للمشاركة في “هندسة رؤية للبلد”، تأخذ بمنهجية الاستشراف التي من عناصرها: “امتلاك القدرة على التقييم” فإني سوف أدلو بدلوي بتقييم “الصامت والناطق” مما ينفق في عيد الأضحى كما تقول العرب وما ينفق بين حجتين.

مأدبة العيد ب 180 مليار

العنوان الثالث الأبرز في موقع الشروق ذكر أن الجزائريين نحروا ستة ملايين أضحية، وهو رقم يحتاج إلى توضيح وتقييم، فهو من جهة يعني أننا نحرنا ربع ثروتنا من الأزواج الثمانية، وأن كل عائلة جزائرية، مكونة في المعدل من ستة أنفار، تكون قد ضحت ونحرت، إما من باب اتباع السنة والسلف الصالح، أو من قبيل إرضاء الطواحن والإسنان المعطلة طوال السنة، واتباع سيرة الجار والجار الجنب، كما يعني أن البطون التي ظلت على مدار السنة في قطيعة مع لحم الظعن، قد امترأت وهضمت في ثلاثة ايام ما يعادل 150 ألف طن من اللحم، إذا كان متوسط وزن الخروف يساوي 25 كلغم، بمعدل 16،4 كلغم لكل نفس آكلة للحم من ال 36 مليون جزائري مجتر، ولعل ذلك ما يكون قد أغوى الزميل عبد الناصر على القول: “أن المواطنين هم من تولّوا الآن تسجيل الأهداف في مرماهم، منذ أن اقتنعوا بأنهم أجهزة هضمية تنتظر جرس الإطعام على طريقة العالم الروسي الشهير بافلوف”

“حري بنا أن نعتمد لتقييم مداخلنا ونفقاتنا عملة الذهب كما كان يفعل السلف الصالح، قبل أن نستن بسنن العلوج واليهود المرابين، ونتبنى عملتهم الورقية المحرمة شرعا عند كثير من فقهاء الإسلام”

لننتقل ابتداء إلى قياس آخر، يبتعد بنا عن النظر إلى الأضاحي كمال ناطق كما تقول العرب، ونقيم الملايين الستة من الأضاحي من حيث ما تعادله من المال الصامت. فقد ذكرت التقارير الصحفية أن معدل سعر الأضاحي كان هذا العام في حدود 30000 دينار، ليكون إجمالي ما أنفقته الأسر الجزائرية على الأضاحي وحدها، دون حساب كلف النقل، وأدوات الذبح والسلخ، وأجرة الجزار، ومستلزمات الشي والطهي، وما يرافقها من فواكه وأعاصير، أنفقت قرابة 180 مليار دينار، أو مليار و620 مليون يورو، أو 19،2 مليار دولار، وأن سعر كلغم الأضحية كان في حدود 1200 دينار، أقل قليلا من سعره عند الجزار، علما أن سعر الكلغ في دولة مثل فرنسا يساوي 9،9 يورو، أي أقل من نظيره الجزائري ب 110.83د عن كل كلغم.

ربع خرافنا وثلث ذهبنا

وفي الجملة نكون قد أهلكنا في ثلاثة ايام ربع ثروتنا من الإنعام، وما يعادل ذهبا ثلث احتياط البلد من الذهب، وهنا سوف أنتقل إلى قياس آخر، حري بنا أن نعتمده من الآن فصاعدا لتقييم مداخلنا ونفقاتنا كما كان يفعل السلف الصالح، قبل أن نستن بسنن العلوج واليهود المرابين، ونتبنى عملتهم الورقية المحرمة شرعا عند كثير من فقهاء الإسلام. وحتى يسهل على القارئ مجاراتي في هذا التقييم، أضع بين يديه بعض المعطيات التي يحتاج إليها عند الانتقال للتقييم الذهبي.

ومنها أن احتياطي الجزائر من الذهب قدر هذا العام ب 6،173 طن، سمح للجزائر باحتلال المرتبة الرابعة والعشرين عالميا، الثالثة عربيا بعد السعودية ولبنان، بنسبة 4،4 % من الاحتياطي العالمي، ما قيمته بالدولار 25،7 مليار على اعتبار أن الكلغ الواحد من الذهب تم تداوله هذا الأسبوع ب  41793.241028 دولار.

باستطاعة تلميذ من السنة الثالثة ابتدائي أن يستنتج، أن السكاكين التي نحرت الملايين الستة، تكون قد أفقدت البلد والمضحين 565،52 طن من الذهب، أي ثلث احتياطنا من الذهب، وأن كل أضحية كلفت 67،8 غرام من الذهب، دون حساب النصف مليون من الرؤوس المستهلكة سنويا خارج مناسبة العيد، فيكون المربين ينتجون سنويا ما قدره 355،56 طن من الذهب، أكثر بكثير مما يستخرج من معادن الذهب بالهقار.

ميزانية دولة الرعية بلغة الخرفان

الان وقد وضعنا قاعدة للقياس والتقييم الذهبي، يكون بوسعنا أن ننظر إلى بقية نفقاتنا الفردية ونفقات الدولة، وهي مترجمة إلى ذهب خالص صامت، أو مال ناطق بلغة الخرفان، تفقهها العجوز الجاهلة، والعروس الريفية. ولنبدأ بميزانية الدولة لسنة 2013، وتحديد من باب عجز الميزانية المقدر ب 2908  مليار دينار أي 17، 26 مليار يورو، أو 35.7758 مليار دولار، وبالذهب يقدر العجز ب856018.8  كلغ ذهب، أو بلغة الخرفان ما يعادل 97 مليون خروفا من خراف العيد، ما يكفي لأضاحي 16 مناسبة عيد أضحى قادمة. 

أما حجم النفقات العمومية المقدر ب6.727,9 مليار دينار أو 55،60 مليار يورو، أو 012،82 مليار دولار، يعادله من الذهب 1962326.87  كلغ أو 1962 طن من الذهب. ولمن شاء أن يحول القيمة إلى ما يعادلها من خرفان العيد، فسوف يكتشف أن النفقات العمومية وحدها تعادل 224 مليون خروف، تسع مرات ثروتنا من الأنعام، دون حساب ميزانية التجهيز المقدرة بحوالي 1590 مليار دينار، أو ما يعادل 53 مليون خروف، أو إن شئت 91،459 طن من الذهب.

وحتى تكون ميزانية 2013 في متناول الجميع سوف أقتصر فيما يلي على ذكر حصص بعض مؤسسات الدولة من ميزانية التسيير المقدرة ب 4333 مليار دينار، أو 144333333 خروف أو 1252 طن من الذهب. ولتكن البداية من الرئاسة التي خصص لنفقاتها 310138 خروف أو 7،2 طن ذهب، والوزارة الأولى: 112121 خروف أو 973 كلغ ذهب، والدفاع:53،27 مليون خروف أو  67،238 طن ذهب، والداخلية: 88،18 مليون خروف أو 7،163 طن ذهب، والخارجية 013،1 مليون خروف أو 78،8 طن ذهب، والمجاهدين: 37،7 مليون خروف أو 88،63 طن ذهب، والشؤون الدينية  768342 خروف أو 66،6 طن ذهبن والتربية الوطنية 95،20 مليون خروف أو 68،181 طن ذهب، والصحة 23،10 مليون خروف أو 7،88 طن ذهب، وسوف أتوقف عند هذه النماذج، بعد أن يكون قد رسخ في ذهن القارئ طريقة تحويل ما ننفق إلى عدله من الخراف أو من الذهب الخالص، لنتفحص بعض ما أنفقناه في مشاريع فيها شبهة فساد مثل الطريق السيار، أو ما ننفقه على مستورداتنا من السيارات وتجهيزات الاتصال، مثل التلفاز والهاتف النقال إلخ، أو نقدر كلفة نواب الأمة، ووزراء الدولة ومن جاورهم من السلطان الأصغر بالصامت والناطق من العملتين.

تعبيد السيار ب 263 طن من الذهب

ليس بوسع المواطن البسيط أن يدرك مبلغ 11 مليار دولار: كلفة الطريق شرق غرب، لكنه يعلم كيف يقدر مقابلها من الخراف أو الذهب، فقد كلفنا الطريق السريع ما يعادل 200، 263  طن ذهب أو  36،30 مليون خروف، أعدت لقرابة خمسة ملايين سيارة، معدل سعرها 800 ألف دينار، أي أكثر من 26 خروف أو 2،231 غرام ذهب، كلفتها الإجمالية 33،133 مليون خروف أو 1156 طن ذهب، بما يعني أننا أنفقنا على السيارة وحدها 263 طن ذهب للسيار  و1156 طن ذهب على السيارات. وإذا علمت أن النائب الواحد يكلفنا من جهة الأجرة الشهرية عشر خرفان، أو 120 خروفا في السنة أو 0404،1 كلغ ذهب، فلك أن تحسب كم يكلفنا نواب الأمة في الغرفتين كل سنة.

“إدخال البهجة والسرور على ستة مليون أسرة، لا تزيد كلفته عن 67،2 % من ميزانية النفقات العمومية للدولة التي تزيدنا غما وهما حين نحولها إلى ما يعادلها من شحوم ولحوم الثاغية من بهيمة الأنعام”

 في  سنة 1944 وخلال قمة “بريتن وودز” التي وضعت الأرضية للنظام المالي والنقدي العالمي، كان رئيس الوفد البريطاني وعالم الاقتصاد  كينز، قد اقترح اعتماد عملة دولية قياسية محايدة، أطلق عليها اسم “بنكور” (كلمة مركبة من بنك وأور: ذهب) قبل أن يستسلم لإملاءات الأمريكان الذين فرضوا على العالم الدولار، وإلى أن ينجح العالم في ابتكار عملة دولية مستقرة، أو يعود المسلمون إلى التداول بالدينار الذهبي، والدرهم الفضي، يمكن للمواطن الذي لم يعد يفقه شيئا في هذه العملات الورقية، أن يعتمد مؤقتا عملة “الكبشور” (من كلمة كبش وأور: ذهب) ما دام أحد الزملاء قد زعم أننا أصبحنا بلا عقل، لأننا نشتري خرافا ليس لها “مخ” ولمن استكثر على الجزائريين التضحية بستة ملايين رأس غنم، عليه أن يحسب كم نسبة اضاحي هذا العيد قياسا مع ميزانية النفقات العمومية للسنة الجارية، وقد قدرناها ب 224 مليون خروف، وسوف يكتشف أن إدخال البهجة والسرور على ستة مليون أسرة، لا تزيد كلفته عن 67،2 % من ميزانية النفقات العمومية التي تزيدنا غما وهما حين نحولها إلى ما يعادلها من شحوم ولحوم الثاغية من بهيمة الأنعام، ثم إنه استهلاك محمود عند فقهاء الاقتصاد لمنتج محلي خالص، يشغل يدا عاملة محلية، ويعد بمستقبل واعد لمهندسي الزراعة تتم رسكلتهم كرعاة ظعن بأجرة شهرية قدرها 50000 دج، أو 666،1 خروف، أو 45،14 غرام ذهب.

جبل من ذهب تحت أقدام العرب

هذه الملايين من الخراف، والأطنان من الذهب لم تربى بهضابنا العليا، ولا هي استخرجت من مناجم الذهب، وإلا كانت الجزائر قد صنفت في المرتبة الأولى عالميا بأكثر من ألفي طن قيمة ميزانية هذه السنة، ولكانت السعودية أولى بالمرتبة إنتاجها من الذهب الأسود يقدر ب 52،10 مليون برميل يوميا أي 84،3 مليار برميل سنويا، يعادلها بسعر 110 دولار للبرميل قرابة 4،422 مليار دولار أو 10104 طن من الذهب أو 17،1 مليار خروف، ولك أن تحسب ثروة العرب من الذهب الأسود حين تحولها إلى ذهب أصفر خالص، أو إلى قطعان من الأزواج الثمانية ، لتتأكد أن “الخرفان” ليس من يضحى بها يوم النحر.

 

 

مقالات ذات صلة