زمن مقاومة الفتن بالاعتزال
الذكرى الرابعة لما سمي بـ”الربيع العربي” عمدت بالدم في مصر (أكثر من 25 قتيلا) وبتقسيم اليمن مجددا إلى جنوبي وشمالي، وبتسفل القتال في سورية، وتقسيم الهلال الخصيب إلى ثلاث دول، وربما إلى أربع بعد حين، وثبوت سمة الصوملة بليبيا مع هيمنة “الثوار الشيوخ” ولم ينج من هذا المصير سوى تونس التي قدحت فيها شرارة “الثورة” بفعل انتحاري كان فأل شرّ على ما سيأتي.
الاستفزاز الرخيص لمشاعر الشعوب كان حاضرا في جميع هذه الميادين، فقد أطلق القضاء المصري سراح نجلي الرئيس المخلوع علاء وجمال مبارك، فيما كانت الشرطة تطلق النار بالذخيرة الحية وبدم بارد على بقايا من ثوار يناير، وكان الاستفزاز حاضرا في اليمن: بسيطرة الشيعة الحوثيين وبقايا أنصار عبد الله صالح على القصر الرئاسي، والدفع بالرئيس إلى الاستقالة، وهو حاضر بسورية: حيث يتحالف “جهاديو النصرة” جهارا مع الكيان الصهيوني، فيما يسوّف حزبُ الله والنظام وإيران في الرد عل الاستفزاز الصهيوني الأخير بقتل قياديين كبار لهم.
لكن الاستفزاز الأكثر إيلاما هو الذي صدر عن كبريات المنظمات الدولية “الراعي الرسمي” لحقوق الإنسان من “آمنيستي” إلى “هيومان رايتس” وقد وصفت المذبحة الجديدة التي تعرّض لها المتظاهرون في مصر بـ“الاستعمال المفرط للقوة” ودعت الأطراف إلى “ضبط النفس” وكأنها تنطق بلسان بان كي مون، ونراها قد توقفت عن إحصاء جرائم “أنظمة الاستبداد” وانتقلت ـ على خلفية عملية “شارلي إيبدو“ـ إلى إحصاء ضحايا “الإسلام المتطرف المتوحش” من الغربيين، والصمت عن الدعوات الفاشية التي تجتاح أوروبا وتذكرنا بأيام القشتاليين في الأندلس، وقد بدأ القضاء الأوروبي يعمل بذهنية محاكم التفتيش.
والحال، يحسن بشعوبنا أن تصرف النظر عن هذه الاستفزازات التي هي جزءٌ من الحروب الغربية المتواصلة ضد المسلمين منذ خروج الغرب من ظلمات القرون الوسطى، وأن تتوقع منه ما هو أسوأ في القادم من السنين، لأن المشروع الحربي الغربي في المنطقة لا علاقة له، لا بنشر الحرية والديموقراطية، ولا بنصرة الاستبداد، بقدر ما هو منشغل بتفكيك دولنا المفككة أصلا منذ النشأة الأولى، وتقسيم كل ما يقبل القسمة بالعِرق، والملة، والمذهب، وحتى بالعصبية القبلية، والمسلم الجيّد عنده في كل الأحوال هو “المسلم الميت” أو المهجّر المستأجِر لخيام الصليب الأحمر من المهد إلى اللحد.
وقد تسأل هذه الشعوب نخبها: ما العمل؟ فلا يسع نخبها في الوقت الراهن سوى دعوتها ـ كإجراء وقائي احترازي ـ إلى الوقف الفوري لهذا النزيف المروّع لدماء المسلمين، أو اعتزاله وقد تحول إلى حرابة ضالة مفسدة في الأرض، بعد أن نسي المسلمون ما ذكروا به في الآية 32 من المائدة: ((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَاعَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَل النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا..)) وتنكروا لوصيّة نبيهم، صلوات الله عليه وسلامه: “لا ترجعوا بعدي كفارا يقطع بعضكم رؤوس بعض“.