“زنوبيا” تستعيد تدمر..
جاء في تلمود اليهود: “هنيئاً لمن سيرى خراب تدمر”.. وها قد جاء زمان نشهد فيه كيف غزتها جيوش الظلام فخربت رموزها وشخوصها في عملية منظمة لتدمير آثار الأمة ومعالمها، فأي تشف أبلغ من هذا الذي نراه في صدور بني صهيون؟.. ومنذ تجرّعت زنوبيا السم رافضة الضيم بعد أن أسرها الملك الروماني اوراليان واحتل تدمر، ودرسُ التاريخ يسكن أرواح أهل المكان وعقولهم بأن لا تنازل عن الدفاع عن هذا الموقع الاستراتيجي الذي يوحّد الشام بالعراق ويسكن في عمق بيداء العرب الساحرة.. لم تكن هذه المرأة العربية المتميِّزة تتحرك خارج إطار قوانين الجغرافيا السياسية، بل كانت خير من استوعب عبقرية المكان لتنطلق منه نحو مصر لتحكمها إلى جانب الشام والعراق وآسيا الصغرى حتى أنقرة.
كانت تدمر وكانت زنوبيا التي افتخر بها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فأطلق اسمها على إحدى بناته “زينب”، مشيراً بهذا إلى معاني الأنفة والكرامة والعزة.. أجل زنوبيا ملكة العرب إشارة للمدافعين عن حقوق المرأة بتميّز موقع المرأة في ثقافة العرب بعيدا عن التشويه الممارس من قبل من يمنع على المرأة سياقة السيارة.. كانت تدمر مملكة العرب النموذجية، ولم يتوقف الرومان عن محاولاتهم لتدميرها، وظل الدرس في أعماق الروم موغلا في الحقد والحسد وروح الانتقام، فكان إسقاطها وتدميرها من جديد إشارة إلى أن الصراع الحضاري بين الأمة والروم يعود إلى الدرس الأول؛ انه يمنع على العرب قيام دولة عزيزة يقول قائلها: إن شعبنا لا يخشى الحرب ولا يتردد عن المواجهة.. لم تكن تدمر بلاد الحرية والإباء فقط، وإنما بلاد الاقتصاد والمال، كيف لا وقد تحولّت إلى عاصمة التجارة الدولية بين الشرق والغرب والمشهورة بالنص المعروف بالقانون المالي التدمري، والذي أصدره مجلس الشيوخ والشعب في تدمر، وهو يُعدّ أطول نص قانوني لاحتوائه على أربعمائة مادة، حددت خلالها الرسوم والضرائب المستوجبة على كافة البضائع الواردة والصادرة من المملكة.
لقد ارتبطت عروس الصحراء تدمر أو بلاد النخيل بملكتها زنوبيا صانعة أمجادها، فشكّلت هذه المدينة العظيمة حاضرة سورية ومنارتها ومصدر إلهام جميع السوريين، كانت ملكة الشرق قبل أكثر من ألفي عام تستحمّ بحماماتها الشهيرة، تسترخي في مياهها الساخنة لتحلم بمملكة سورية شاسعة قويّة عظيمة، تحلم بأن تتربَّع يوما على عرش روما نفسها، وتقود العالم بأجمعه.. إنه شاهدٌ على سبق الأمة وحضارتها ولذا كان تغييبُها عن الوجود هدفا استعماريا اقصائيا بامتياز.. كما كان فرحا للصهاينة، حسب ما جاء في التلمود.
استردّ الجيش السوري تدمر ليملك سُرّة سورية وعاصمتها التاريخية وهو مدعوٌّ إلى استشعار ما في المسألة من دلالات، فما بعد تدمر ليس كما قبلها.. فاليوم بداية انهيار كتل الظلام وانسحاب الموت الأعمى من البلاد، فهل يكفي هذا لكي يشعر المدافعون عن سورية البلد والشعب والدور إنهم يستأنفون مهمات زنوبيا لبناء دولة حرة كريمة يسود فيها العدل والتنمية والرفاه وتجللها العزة والكرامة وتكون للعرب قاعدة نهوض حضاري؟
عادت تدمر فهل تستلمها عبقرية زنوبيا؟ هل يكون رجال اليوم بهمة زنوبيا؟ هذه هي أهمية تدمر بعد استعادتها فهل تجد من الرجال من يرتفع إلى قامتها؟.. تولانا الله برحمته.