زوبعة في فنجان
التغيير الحاصل في سلك الولاة هذه الأيام لم يثر الرأي العام والملاحظين قيد أنملة، بل لم يكن حتى مجرد مثار لفضول الناس وحب إطلاعهم لأنه أكثر من أي وقت مضى، ليس أكثر من زوبعة في فنجان لا يتعدى الأمر فيها عملية “بدّل هذا بهذا” ونقل هذا إلى مكان ذاك، بدون أسباب ظاهرة أو باطنة، بل إن تغييرات أو تعيينات هذه السنة تكرس الممارسة الحاصلة في هذا الميدان منذ الاستقلال، وتؤكد أن منصب الوالي لا يعدو كونه مجرد تمثيل للسلطات المركزية ويكاد يكون شرفيا بالتالي، على الرغم من امتلاك الوالي صلاحيات القيام مقام الوزراء والدواوين وبقية مؤسسات الدولة على المستوى المحلي .
- وأكثر من ذلك، فإن هذه الصلاحيات وحرية ممارستها والتصرف فيها تختلف من وال إلى آخر حسب درجة الولاء للسلطة المركزية أو لمجموعات الضغط الأخرى والثقة التي يتمتع بها لديها والخدمات التي يقدمها لأفرادها، وهذا ما يفسر درجة عدم الكفاءة والقدرة والشجاعة وروح المبادرة لدى بعض الولاة، بل والأخطاء المهنية والإدارية المرتكبة.. ومع ذلك فإن منهم من ظل واليا لعدة عقود وعلى عدة ولايات لم يتغير شيء من أوضاعها التنموية في كل المجالات، على الرغم مما تحظى به من مشاريع وما تلتهمه من أموال وميزانيات.
- ومن جهة أخرى، لا أحد يدري إن كان من باب الصدفة أم من باب التحدي الحكومي أن يتزامن هذا التغيير أو تبادل المناصب بين الولاة مع مصادقة مجلس الوزراء على مشروع القانون الجديد للبلدية الذي يزيد من سيطرة هؤلاء الولاة على المجالس الشعبية البلدية المنتخبة، ويزيد من تبعية هذه الأخيرة للإدارة والبيروقراطية التي تمارسها المصالح الولائية، والتي تتحكم في كل تصرفات البلدية وتقيد مبادراتها في مجال المشاركة في التنمية المحلية، وتقصر دورها على إصدار وثائق الحالة المدنية، سواء عبر الصلاحيات المخولة للولاة ورؤساء الدوائر أو عبر صلاحيات الأمين العام للبلدية الذي يعد بمثابة الرقيب البيروقراطي دون مهام أخرى في البلدية.
- وإذا كان هذا يحصل مع التغيير في سلك الولاة الذي أصبح “لا حدث” مع نفس الرتابة المستمرة عبر السنين والعقود، كما يحدث مع مشروع قانون البلدية الجديد المعبر عن إرادة السلطة المركزية في الاستمرار على نفس المنوال، فكيف سيكون الأمر مع قانون الولاية والولاة الجديد الذي يدور عنه الحديث منذ سنوات؟ ومتى سيكون الوالي في الجزائر مسؤولا عن نتائج أعماله وتصرفاته وأخطائه أمام العدالة وليس أمام أولياء أمره معصوما من الخطأ وغير مسؤول عن أخطائه!