زوجات عاملات يرفضن مساعدة أزواجهن في النفقات
“لكي أساعد زوجي في مصاريف البيت والأولاد”.. هذه، هي الحجة الأكثر شهرة، إذا ما سألت زوجة عاملة، عن سبب خروجها للعمل، ما يوحي بأنه من البديهي، أو المفروض، أن تسهم آليا كل امرأة عاملة متزوجة، براتبها، أو جزء منه، في سد نفقات بيتها وأولادها، ومساعدة بعلها، على تحمل أعباء ذلك. ولكن، ومادام لكل قاعدة استثناء، فلقد طفت إلى سطح الحياة الاجتماعية فئة من النساء العاملات، اللواتي يقضين أغلب أوقاتهن في مقرات العمل، لكنهن، بالمقابل، يرفضن إنفاق، ولو مليم، من رواتبهن على مصاريف البيت والأبناء. وحجتهن في ذلك، أن النفقة واجبة على الزوج.
تعتبر المسائل المالية من أكثر أسباب الخلاف بين الأزواج، المفضية بهم إلى ساحات القضاء، خاصة في شقها المتعلق براتب الزوجة، وكيفية تسييرها وإنفاقها له. وغالبا، ما يتهم الزوج بالتعسف في إعطاء الأحقية لنفسه، بالتصرف في ذلك الراتب، غصبا عن زوجته. لكن، في أحيان أخرى، قد تتعسف الزوجة في ذلك. وهذا، حينما تمتنع، بصفة قطعية، عن المشاركة في أي نفقة، خاصة بالبيت والأولاد، رغم أن الزوج سمح لها بالعمل على حساب تحمله التقصير الناجم عن غيابها شبه الدائم عن المنزل، مثلما هي الحال مع زوجة السيد عبد الإله، التي تزوجها بناء على رغبة من والدته، التي اختارتها له معلمة، كي تقاسمه تكاليف الحياة القاصمة للظهر.. ولأن تعارفهما كان تقليديا، فإنه لم يتجرّأ على التطرق معها إلى تنظيم المسائل المالية، الناجمة عن ارتباطهما. وكان يظن أنها ستسهم، ولو بالقليل، في مصاريف البيت. ولكنها،لم تفعل. وحينما استفسرها عن راتبها الشهري، الذي لم يكن يرى له أثرا، أجابته بأنها حريصة على شراء الذهب واكتنازه عند والدتها، من منطلق أن “الحدايد للشدايد”. وحين سألها المشاركة في نفقات البيت، خاصة أنه كان ينوي تقديم ملف للحصول على سكن بصيغة “عدل”، رفضت ذلك بشدة، وأخبرته أنها غير ملزمة بالإنفاق عليه، وأنها تزوجته “باش تعيش في عزو.. ماشي باش يعيش في عزها”. فكانت عبارتها المهينة تلك القطرة التي أفاضت الكأس، وعجلت بطلاقهما.
الغنم بالغرم
“خلاّت راجلها ممدود، وراحت تعزي في محمود”. هكذا، وصف نور الدين حال زوجته العاملة، الرافضة مشاركته نفقات البيت. في حين، إنها تمنح نصف راتبها لوالدها. وتهدر النصف الآخر على كماليات وتفاهات، تدلل بها نفسها. وذلك، ما جعله حانقا حاقدا عليها. والمسألة، كما يقول: “ليست مادية، بقدر ما هي معنوية. فأنا أشعر بأنها استغلالية أنانية، وغير رحيمة بي.”
وذلك، على الأغلب، هو شعور أغلب الأزواج، الذين يعيشون مثل ذلك الوضع. ما دفع بالكثير منهم إلى معاملة زوجاتهم العاملات بمبدإ المعاملة بالمثل، مستندين إلى القاعدة التي تقول: “الغُنم بالغُرم”. أي، من يحصل على منفعة من أمر معين، يجب عليه أيضا تحمل الخسارة أو المسؤولية، المتعلقة بذلك الأمر. فالزوجة التي تعمل وتكسب المال، من وجهة نظر الكثير من الرجال، عليها أن تتحمل أيضا المسؤولية المالية، المتعلقة بأسرتها، بما يتناسب وراتبها أو ما تجنيه من مال. فإن أبت ذلك، فقد يمتنع الزوج عن النفقة عليها، أو على الأقل يضمن لها الحد الأدنى من احتياجاتها، بحجة أنها عاملة وتملك دخلا.
إعانة مستحبة
حول الموضوع، يؤكد الأستاذ عبد الرشيد بوبكري، إمام وخطيب بمسجد الغزالي بحيدرة، أن “النفقة على الزوجة واجبة على الزوج باتفاق الفقهاء، قال الله تعالى: “الرجال قوامون على النساء بما أنفقوا”، وقال سبحانه: “وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف”. والرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: “ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف”. إذن، الزوج ملزم بالنفقة، سواء كانت الزوجة غنية أم فقيرة، ما دامت مقيمة في بيته ومطيعة له. ومن حيث الأصل الشرعي، لا يجب على الزوجة، حتى وإن كانت مليونيرة، أن تنفق على البيت أو الأولاد. مالها خاص بها. ولا يُجبرها الشرع على الإنفاق. لكن، من باب العشرة بالمعروف، والتعاون الأسري، يُستحب أن تعين زوجها، إذا كان محتاجا، خاصة في زمن الغلاء. فهذا، من الوفاء والرحمة. قال تعالى: “وعاشروهن بالمعروف”.
لا تبن بيتك على الحقوق فقط
أما من ناحية امتناع الزوج عن النفقة على زوجته العاملة، فلقد أجاب الأستاذ بوبكري: “ما دامت لم تقصر في واجباتها الزوجية، ولم تخرج من دون إذنه، فإن النفقة عليه هو، لا عليها، حتى وإن كانت تعمل وتكسب، إلا إذا اشترط عند العقد أن تعمل وتشارك في النفقات، ووافقت، فيلزمها الشرط بالعرف أو القانون أو الاتفاق، لا بالنص الشرعي المجرد. ولكن الخروج للعمل لا يبرر إهمال الأسرة والزوج. ومن تفعل ذلك، وتنفق مالها كله على الرفاهية، قد تكون آثمة ومقصرة”. ويختم محدثنا ناصحا كل زوجين: “التوازن والتفاهم أفضل من النزاع. فبيوتنا تحتاج إلى تفاهم، لا إلى تجاذب. فلا تبن بيتك على الحقوق فقط، بل على المروءة أيضا. والمرأة الذكية، هي من تعين زوجها، لا ترهقه. والرجل النبيل، يكرم زوجته، لا يهينها.”