زوجي كان يتمتع بحاسة شم قوية فكيف لم ينتبه لإندلاع الحريق في المبنى؟
“ابتعد عن الأشخاص الذين يحاولون التقليل من طموحاتك، بينما الناس العظماء هم الذين يشعرونك أنه باستطاعتك أن تصبح واحدا منهم” كانت هذه آخر نصيحة كتبها رائد التنمية البشرية الراحل إبراهيم الفقي على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” وأوصى أحد أصدقاءه بإعادة نشرها وكأنه لا يريد أن يغادر الحياة قبل أن يستنهض الهمم، ويبث الحماس في الأفئدة المكسورة.
وكان هذا ديدنه منذ أن اعتلى عرش التنمية البشرية والبرمجة اللغوية منذ ثلاثين سنة، حيث استطاع أن يدرب ما لا يقل عن 500 ألف شخص عبر العالم على التحكم في الذات، والسيطرة على التوتر، وفتح أبواب النجاح، وتعزيز الثقة بالنفس وغيرها من المواضيع ذات الصلة المباشرة بتطوير الذات، ورغم الإرث الكبير الذي تركه الفقي من محاضرات وكتب تكفي المجتمعات العربية لترميم نفسها لعقود مقبلة،إلاّ أن وفاته المفاجئة اختناقا بدخان النيران التي اندلعت في بيته بمصر، شكّل صدمة كبيرة لمحبيه ومتابعيه، ورسم علامة استفهام كبيرة مسبوقة بسؤال جريئ:”من قتل إبراهيم الفقي؟”، وهو الكتاب الذي ألفه الصحفي محمد رفعت استنادا إلى شهادة زوجة الراحل السيدة آمال الفقي التي استغربت كيف أن زوجها الذي يتمتع بحاسة شم قوية لا ينتبه لاندلاع الحريق في المبنى ويتسبب في وفاته في إشارة إلى أن الحريق كان مدبرا من جهة مجهولة، رغم ذلك قالت السيدة آمال في حوارها مع “جواهر الشروق” إنه حتى وإن كان هناك من حاول إنهاء حياة زوجها، فإنه لن يستطيع طالما أن الله عز وجل يريد غير ذلك.
– متى بدأت رحلة حياتك إلى جانب رفيق دربك د. إبراهيم الفقي؟
أول مرة تقابلنا كان بالقطار في عام 1966 أثناء سفر فريق تنس الطاولة الذي ينتمي إليه كل منا، وذلك عند سفرنا من الإسكندرية إلى القاهرة للاشتراك في بطولة الجمهورية، في ذلك الوقت كان إبراهيم يبلغ من العمر 16سنة، وأنا كنت حينها في 13، كان هو عضو في فريق نادي اسبورتنج، وأنا عضوة بفريق نادي سموحة وبطبيعة الحال تعارف أعضاء الفريقين وتجاذبوا أطراف الحديث.. ومنذ تلك اللحظة شاءت الأقدار ألا نفترق (إبراهيم وأنا) حتى وفاته.
– ماهي أهم الذكريات التي ما تزال عالقة في ذهنك في مسيرة حياتكما؟
علاقتي بزوجي د. إبراهيم الفقي كانت من نوع خاص، مليئة بالأحداث والذكريات، حيث كان لكل منها تأثير إيجابي في تحول حياتي، وبالتالي من الصعب أن أعطي أهمية أكثر لإحداها دون الأخرى.
– قلت لي إنك أديت مناسك العمرة على روح زوجك المرحوم.. هل هذا نوع من رد الجميل وتعبير عن الوفاء من زوجة مخلصة لروح زوجها؟
العطاء المتبادل والمستمر بين زوجي وبيني كان يميّز علاقاتنا، وكان كل واحد منا يعترف بفضل الآخر عليه، ولذا سأظل أفعل ما حييت كل ما يعود بالنفع على زوجي حتى بعد مماته، مثل العٌمرة التي أديتها على روحه، ودعوت الله أن يجعل مثواه الفردوس الأعلى.
– طاف الدكتور إبراهيم الفقي (الله يرحمه) الكثير من دول العالم محاضرا ومعلما، هل كنت ترافقينه في رحلاته؟
كنت أرافق د. الفقي في كل جولاته التدريبية، ليس لأكون بجواره فقط، وإنما لأنه كان لي دور هام في هذه الجولات، حيث أنني كنت المسؤولة عن كافة الأمور الإدارية والمالية والتنسيقية أثناء سفرنا لكي أوفر له المناخ المناسب ليتفرغ هو لتقديم المادة العلمية، وعلى العموم سيصدر لي كتاب يروي قصة حياتي معه وسيكون متوفرا في المعرض الدولي للكتاب المقبل في الجزائر.
– هل كان يطلب رأيك في رحلاته والمواضيع التي سيعالجها؟
لقد بيَّن القرآن الكريم أهمية المشاورة، أو المشورة.. ولذا كان من الطبيعي أن يسألني د. الفقي عن رأيي فيما يخص حياتنا بما في ذلك حياتنا العملية من ناحية التعاقدات والجولات التدريبية، أما عن المواضيع التي يعالجها في دوراته التدريبية فإنها كانت من اختياره وحده لأنه يختار ما يتوافق مع ميوله، وكان دوري الوحيد في هذا الجانب هو أنني كنت الجمهور الأول الذي يلقى عليه الموضوع لأول مرة، ومن خلال رد فعلي كان يضيف أو يعدل ما سوف يقدمه.
– ما الذي أخذته ابنتاك من أبيهما د. إبراهيم الفقي؟
“نانسى” و”نرمين” تعلمتا من والدهما يرحمه الله عمل الخير والعطاء وعزة النفس وحفظ الكرامة واحترام الآخرين، والاعتماد على النفس، فقد بدأتا العمل خلال عطلة الصيف قبل أن ينتهيا من دراستهما.
– قلت في لقاءات صحفية سابقة أن الدكتور ابراهيم الفقي يتمتع بحاسة شم عالية، هل هي إشارة إلى أن الحريق الذي اندلع في شقته كان مدبرا؟
بالفعل كان د. الفقي يتمتع بحاسة شم قوية، وقد ذكرت في كتابي الذي ألفته عن حياتي معه عدة وقائع دليل على هذه الخاصية.. إنني أؤمن بقضاء الله وقدره، ولا أتهم أحد أن يكون السبب فى موته، ولكننى أستعجب كيف للدكتور الفقي الذي يتمتع بحاسة شم عالية القدرة أن لا ينتبه لاندلاع الحريق منذ بدايته حتى وصل إلى هذه الصورة البشعة، دون أن يتصل بأحد ممن كانوا متواجدين بنفس المبنى لإنقاذه ومن معه.
– من له مصلحة في اختفاء الفقي من حياة المسلمين؟
إن وفاة د. الفقى هو أجل مكتوب، فالآية المباركة التي جاءت في سورة يونس تقول: ﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾.. فما أراده الله سبحانه وتعالى لن يستطيع أى إنسان أن يغيره .. ولذا فإن إيمانى بأنه إذا حاول شخص إخفاء د. الفقى أو إنهاء حياته، فإنه لن يستطيع طالما الله عز وجل يريد غير ذلك.. فإرادة الله فوق إرادة البشر.
– هل كان زوجك يشعر بأن الغرب منزعج من إضفاء الصبغة الإسلامية على التنمية البشرية؟
اسمحي لي أن أستبدل عبارة “الصبغة الإسلامية” وأضع بدلا منها “الصبغة الدينية”.. فقد كان حديث د. الفقي عن الله سبحانه وتعالى وعن القيم الدينية يعبر عن سماحة الدين الإسلامي، ولذا كان يستقطب جمهور من جميع الأديان ومن مختلف الانتماءات لحضور دوراته، وهذا هو سر عظمته.. ومن لا يعرف الله بالتأكيد سينزعج من الحديث عن القيم الدينية.
– بعد وفاة د. الفقي (الله يرحمه) مباشرة بدأ الحديث عن كتبه التي تحدث فيها عن كيفية قيادة الحشود وتوجيهها، هل تعتقدين أن هذا الأمر له علاقة بمقتل زوجك خاصة وأن وفاته كانت متزامنة مع انطلاق ثورات الربيع العربي؟
د.الفقي لم يكن يتحدث عن السياسة، وكان اهتمامه ينصب فقط على الارتقاء بالآداء الإنساني. أما الحديث عن قيادة الحشود وتوجيهها فهذا أمر عار من الصحة تماما والدليل على ذلك أنه لايوجد كتاب أو تسجيل له في محاضرة أو حديث تلفزيوني يتطرق فيه إلى هذا الأمر.
– بعد ثلاثة أعوام على رحيل رائد للتنمية البشرية في العالم العربي، كيف أصبحت حياتك؟
أفتقده كثيرا، لأننا كنا وجهين لعملة واحدة، وبمعنى آخر كنا شخصين يكمل كل منا الآخر.. بعد وفاته لم يكن الأمر سهلا، ولكنني تقبلت إرادة الله.. والآن استكمل رسالته كما كان يوصينى دائما، وهو ما أعتبره أكبر تكريم له.
– قلت أن بعض الشركات تحاول استغلال اسم الدكتور ابراهيم الفقي، هل من توضيح حول هذه النقطة؟
بالفعل، هناك العديد من المراكز والأشخاص الذين يستغلون اسم وعلوم د.الفقي أسوأ استغلال، من أجل جمع المال، وليس لنشر العلم كما كان يفعل هو.. فعلى سبيل المثال هناك من يدعى أنه يمثل د. الفقى ويعلن عن دورات للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه، وهو أمر مرفوض تماما وكثيرا ما كان د. الفقى يحاربه قبل وفاته، لأن مثل هذه الدرجات العلمية لايمكن الحصول عليها من مراكز تدريب، وإنما من المعاهد والجامعات الأكاديمية بعد القيام بالعديد من الدراسات والأبحاث.. فهل هناك استغلال أكثر من ذلك؟ .. للأسف هناك العديد من أوجه الاستغلال لاسم د. الفقي يطول شرحها في سطور، ومن خلال المراكز التي أسسها الدكتور في كندا، وأديرها الآن بعد وفاته نحاول قدر المستطاع التصدي لهذا الاستغلال.
– هل يمكن أن نقول أن التنمية البشرية في الوطن العربي ضاعت بعد وفاة زوجك؟
من الصعب أن نعتقد أن التنمية البشرية ضاعت بعد وفاة الدكتور، فهناك الكثير من العلماء والمفكرين العرب في هذا المجال أطال الله في عمرهم، ولكننا لانستطيع أن ننكر أنها تأثرت سلبا بسبب من يتاجرون باسم د. الفقي وبعلومه.
– ماهي المشاريع المستقبلية التي كان ابراهيم الفقي يخطط لها قبل أن توافيه المنية ؟
لقد كان حب د. الفقي لنشر العلم والارتقاء بالإنسانية لاحدود له، ولذا كانت أمنيته أن يقدم دورات ويلتقي بكل شعوب العالم، ولذا كان يسعى لإتقان عدة لغات.. وهو بالفعل زار بلادا عديدة، ولكن وافته المنية قبل أن يستكمل جولاته في باقي بلاد العالم.
– كان الفقي رحمه الله ينوى زيارة الجزائر قبل أسبوع واحد من وفاته، ما الذي كان سيقدمه، وماهي الذكريات التي يحملها عن الجزائر؟
جدول د. الفقي كان مزدحما جدا قبل وفاته، حيث كان مقررا له أن يقدم دورات في العديد من البلاد العربية، ونظرا لأني كنت في مونتريال بسبب مرض ابنتنا نرمين خلال تلك الفترة، لذا لا أتذكر بالتحديد ما كان سوف يقدمه في الجزائر، وكل ما أستطيع أن أقوله أن زياراتنا المتعددة للجزائر جعلته يرتبط كثيرا بشعبها لما يتميز به من حب للعلم وكرم الضيافة، وحسن العشرة، وعزة النفس.