-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر: أبعادٌ ودلالات

محمد بوالروايح
  • 1532
  • 0
زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر: أبعادٌ ودلالات

كنا لسنوات عديدة ولا زلنا بحكم تخصصنا في مقارنة الأديان، نحاول تصحيح بعض الرؤى النمطية لدى فئة من المسلمين ضحايا التدين المغشوش والفتاوى الجاهزة حول العلاقة بين الإسلام والديانات الأخرى، الذين ينظرون إلى دراسة الأديان على أنها    انحراف عن الإسلام وخروج عن الهدي النبوي فكلما حاولنا أن نقنع هؤلاء بأن من مقاصد عالمية الإسلام أنه يعمل على توسيع دائرة التقارب بين الناس بالتركيز بصورة أكبر على من ينتسبون   إلى ما نسميه “الديانات التوحيدية“ التي تنتمي من حيث المبدأ إلى دين واحد، وضعوا أصابعهم  في آذانهم واستغشوا ثيابهم وبادرنا أحدهم بقوله تعالى: “إن الدين عند الله الإسلام“ (آل  عمران 19)، وبقوله تعالى:”ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم“ (البقرة 120). هذا كل ما في جعبة هؤلاء مما نقلوه أو تناقلوه أو تواصوا به.

إن حوارنا مع الآخر أو  مع المخالف بتعبير الفقهاء لا يمس     جوهر التوحيد الذي جاء به  الإسلام ولا نسلم له في شيء     مما يدعو إليه مما يخالف هذا المبدأ وإنما هو حوار بمعنى الاجتماع حول ما يمثل مشتركا ثقافيا وحضاريا واجتماعيا مما لا يمنع منه   اختلاف العقيدة إذ يحتفظ كل طرف بقناعاته الدينية، وهو ما  فصلته سورة “الكافرون” التي ترسم حدود العبادة الصحيحة التي لا تخالطها شائبة والعبادة التي اختلطت بها الشوائب مما اختلقه  الكتبة مما ليس من التنزيل في شيء.

إن مصطلح “الإسلام” الذي يرد في قوله تعالى: “إن الدين    عند الله الإسلام“ (آل عمران 19)،  يعني في أصح تعاريفه     الدين الواحد الذي جاء به كل الأنبياء، القائم على التوحيد      الخالص الذي يشير إليه قوله تعالى: “شرع لكم من الدين ما   وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه“ (الشورى 13). هذا هو الدين الإلهي الذي تعبّد به الله الناس من لدن نوح عليه السلام إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم. لا يضرنا اختلاف       المسيحيين وغيرهم معنا في هذا المبدأ ولا يمنعنا هذا الاختلاف    أيضا من محاورتهم طالما أنهم يعاملوننا بنفس ما نعاملهم به      ويحترمون ديننا وقيمنا ولا يحاربوننا ولا يظاهرون من يحاربوننا أو   يحاربون ديننا.

إن الإسلام دين يقوم على ربط أواصر الوئام ودعائم الحوار مع   النصراني واليهودي وغيرهما إنه الدين الذي ينظر إلى هؤلاء بغضّ النظر عن دياناتهم ومذاهبهم على أنهم جزء من العائلة الإنسانية التي قدر لها أن تعيش وتتعايش وتتعارف لتحقق نموذج المجتمع    الإنساني المتعاون والمتضامن الذي يعمل لصالح الإنسانية والقيم الحضارية المشتركة، وفي هذا الإطار يندرج حوارنا مع المسيحيين  الذين نعدّهم لاعتبارات كثيرة يجهلها كثير من المشتغلين بالدعوة الإسلامية شريكا حواريا مهما، أولها شهادة القرآن الكريم  عن فريق منهم بأنهم أقرب مودة إلى الذين آمنوا وبأنهم أدعى لقبول  الحق وأقرب إلى الحقيقة من غيرهم، قال تعالى: “ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى   أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا       فاكتبنا مع الشاهدين“ (المائدة 82).

هذه الحقيقة التي ذكرها القرآن الكريم عن فريق من النصارى لا    تزال تتكرر وتتجسد في مسيحي هذا الزمان ممن تلمس من    حوارهم مع المسلمين صدقا في الوصول إلى الحقيقة وإدراك كنه   العقيدة الصحيحة من غير لف ولا دوران  كما يفعل كثير من     اليهود الذين يحاور أكثرهم ويناورون بنية مبيتة وأمل في تضليل محاورهم أو التلبيس عليه أو مخادعته بطريقة أو بأخرى ولذلك    قال الله عنهم: “لتجدنَّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود    والذين أشركوا“ (المائدة 82)، حقيقة قرآنية أثبتها التاريخ     فأكثر عمليات الخداع التي تعرَّض لها المسلمون وأكثر المصائب    التي أصابتهم قد تولى كِبرها اليهود والمشركون الذين يكنون     للإسلام حقدا دفينا.

إن استقراء التاريخ يعيننا على إدراك حقيقة وهي أن المواجهات  والحروب التي خاضها المسلمون كانت ضد الوثنيين واليهود، ولم  يسجل التاريخ مواجهة بين المسلمين والنصارى إلا حينما لبست النصرانية لبوس اليهودية واستحوذت ما يسمى “نجمة داوود” على الصليب فجعلت منه سيفا للانتقام من الآخر وتمثل الحروب الصليبية صورة لهذا الاستحواذ اليهودي للمسيحية وما تبقى من قيم النصرانية. إن بعض النساك والقساوسة قد جُرُّوا إلى حرب  المسلمين جرا بإيعاز من الظهير اليهودي الرافض للإسلام ولكل  الأديان لاعتقاده بأن الدين شرفٌ إلهي لا يحصل إلا لفئة        مخصوصة وهم شعب الله المختار.

إن من رجال الكنيسة المسيحية المعاصرة من تلمس فيهم صدقا في المعاملة وأدبا في المجادلة وسعيا لإدراك الحقيقة وحبا في أغلب  الأحيان للمسلمين والمجتمع الإسلامي الذي يعيشون في كنفه،   ومن هؤلاء  الأسقف هنري تيسي راعي الكنيسة الكاثوليكية  سابقا في الجزائر الذي عرفتُه عن قرب من خلال زياراته المتكررة  لقسنطينة ولجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية على وجه  التحديد، إنه الرجل المسيحي الذي اجتمعت فيه روح الدين     والفلسفة معا فهو رجل دين بارز من الصف الأول وفيلسوف   متميز تستمع إليه وتقرأ له فلا تجد فيما يقول ويكتب شتيمة أو تحاملا على الآخر، وقد نعيته عند وفاته تقديرا لهذه الشخصية   الدينية الصادقة التي يتمتع بها. يمكن القول إن هنري تيسي من   رجال الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر الذين لا يمكنك تمييزه عن غيرهم من محاوريه ومجالسيه إلا حينما يفصح عن انتمائه الديني  لمن لا يعرفه. ويحضرني في هذا المقام كتابه الذي يحمل عنوان:   “المسيحيون في الجزائر: مشاركة أمل“، الذي تكتشف من     خلاله صورة رجل الدين الهادئ والمتسامح الذي يشجع على     الحوار ويحذر من الصراع الذي لا يخدم قضية ولا شريعة. إنه    يرسم في هذا الكتاب معالم المجتمع التشاركي الذي نأمله والذي  يقوم على تجاوب المسيحيين مع المجتمع الجزائري وتعاونهم       لصناعة الأمل الذي ينشدونه.

لقد أبان هنري تيسي عن شخصية دينية وازنة ومتوازنة وهادئة   وتجلى ذلك فيما قاله بعد حادثة اغتيال رهبان دير تيبحيرين في  المدية إذ وقف بالمرصاد لكل الدعوات المغرضة التي تروم التحريض وكيل الاتهامات ضد  الجزائريين الذين أثبتوا طوال احتكاكهم    بالمسيحيين بأنهم شعبٌ مضياف ومتسامح بعيد عن التطرف،  كما أبدى تعاونه مع السلطات الجزائرية من أجل كشف الجناة  وفك خيوط الجريمة. وللرجل موقف من الأمير عبد القادر      يستحق التذكير إذ ينظر إليه على أنه من القادة الدينيين القلائل  الذين أرسوا دعائم التسامح الديني على أسس صحيحة وفق    مبدأ إنساني رفيع ينظر إلى الناس على أنهم عيال إنساني قائم    على التعاون وأدب الحوار وحسن الجوار.

إن زيارة بابا الفاتيكان الحالي إلى الجزائر تحمل أبعادا كثيرة: دينية وتاريخية وحضارية ودبلوماسية، فمن أبعادها الدينية أن الجزائر    التي اختارت الإسلام دينا للدولة في دستورها قد أقرت في المقابل حقوقا لغير الجزائريين بممارسة شعائرهم الدينية وأداء صلواتهم في كنائسهم، فالجزائر لا تعرف شيئا اسمه “الاضطهاد الديني“ ولم  يُعرف عنها أنها ضيقت على المسيحيين أو أمرت بهدم كنائسهم بل على العكس من ذلك، تولي الجزائر عناية خاصة للكنائس    المسيحية وغيرها انطلاقا من موقفها باحترام أماكن العبادة      وتمكين روادها من أداء طقوسهم بكل حرية طالما كان ذلك     منسجما مع قوانين الجمهورية وروح التنظيمات والتشريعات      المعمول بها.

ومن أبعادها التاريخية أن زيارة البابا إلى الجزائر جاءت لتبين الدور الذي أدّاه القديس أوغسطين (354م- 430 م) في تصحيح  المعتقدات المسيحية وتخليصها من بعض الهرطقات التي علقت  بها، وهي القضايا التي بسّطها في كتابه “مدينة الله“ وكتابه     “اعترافات“. لقد ولد القديس أوغسطين في “تاغست” بولاية سوق أهراس حاليا، المدينة التي حملت اسم الأسد وتخرج منها    الأسود ومن هؤلاء القديس أوغسطين الذي أقام ثورة داخل      الكنيسة المسيحية وقاد حربا ضد الدوناتيين بروح قتالية امتزجت فيها روح القائد الروحي وشخصية الجزائري الثائر الذي لا يسلم ولا يؤمن بما يمجه العقل ويرفضه الواقع ولا يتماشى مع الحقيقة.

سيعود القديس أوغسطين إلى كنيسة بونة ‘لالة بونة“ مرة أخرى خلال الزيارة التي يقوم بها بابا الفاتيكان الحالي “ليو الرابع عش“ إلى الجزائر، سيكتشف ضيف الجزائر الكبير زيف الروايات     الإعلامية المضللة التي تروج لأكذوبة الاضطهاد الديني الذي    تتعرض له ما يسمى “الأقليات الدينية في الجزائر”، سيكتشف  أن الكنيسة التي أسسها أوغسطين في بونة لا تزال شامخة شاهدة على قيم التسامح الديني المكرسة في الدستور الجزائري والمحفورة في أذهان الجزائريين، وسيكتشف البابا أن المقدسات المسيحية في الجزائر بخير وأنها تحظى باهتمام كبير من السلطات الجزائرية التي تحارب كل فكر متطرف يسلك أصحابه مسلكا دينيا منحرفا    ويتبنى حاملوه أفكارا دينية متشددة بعيدة عن روح الإسلام وقيم المجتمع الجزائري.

ومن الأبعاد الحضارية لهذه الزيارة أن الجزائر التي شكلت حلقة

وصل بين ضاف المتوسط قد تعاقبت عليها حضارات كثيرة ومن أهمها الحضارة المسيحية، وهناك شواهد كثيرة على هذا الشهود   والتنوع الحضاري. إن للجزائر عمقا حضاريا تمتد جذوره في       التاريخ، فهي ملتقى الحضارات التي لا تزال آثارها شاهدا حيا   يستلهم منه المؤرخون وعلماء الآثار السمة الحضارية المتعددة التي جعلت من الجزائر قبلة حضارية لا غنى عنها.

ومن الأبعاد الدبلوماسية لهذه الزيارة البابوية أن الفاتيكان قلب    الكنيسة الكاثوليكية ومقر الفاتيكان والدولة تحتفظ بعلاقات   متميزة مع الجزائر، فهذه الزيارة في هذا التوقيت بالذات رسالة    دبلوماسية شديدة اللهجة لدعاة الكراهية الذين يتبنون فكرة    صدام الديانات بعد نفاد ما في جعبتهم من كلام مجتر ومكرر  حول صدام الحضارات.

لا ندّعي أن الجزائر مركز الكون ولكنها بيقين واحدة من أهم    معالم هذا الكون، ففي الجزائر تطور الفكر الفلسفي وفي الجزائر نما الحس الديني والثوري وفي الجزائر امتزجت حضارة الروماني     وحضارة المسيحي والهلال الإسلامي مع الصليب المسيحي وفي   الجزائر كتبت أمجاد تاريخية كثيرة. إن الجزائر حضارة ضاربة في    التاريخ ، تختزن فصولا كثيرة من تاريخ البشرية فنأمل أن تكون زيارة بابا الفاتيكان إليها فرصة لتحفيز الباحثين والمؤرخين لاكتشاف جوانبها الحضارية المغمورة  التي تنتمي إلى عصور مختلفة وحضارات متباينة.

في هذا الإطار يندرج حوارنا مع المسيحيين  الذين نعدّهم    لاعتبارات كثيرة يجهلها كثير من المشتغلين بالدعوة الإسلامية   شريكا حواريا مهما، أولها شهادة القرآن الكريم  عن فريق منهم  بأنهم أقرب مودة إلى الذين آمنوا وبأنهم أدعى لقبول  الحق وأقرب إلى الحقيقة من غيرهم، قال تعالى: “ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى    أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين“ (المائدة 82).

يمكن القول إن هنري تيسي من   رجال الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر الذين لا يمكنك تمييزه عن غيرهم من محاوريه ومجالسيه  إلا حينما يفصح عن انتمائه الديني  لمن لا يعرفه. ويحضرني في هذا المقام كتابه الذي يحمل عنوان: “المسيحيون في الجزائر:     مشاركة أمل“، الذي تكتشف منخلاله صورة رجل الدين الهادئ والمتسامح الذي يشجع على الحوار ويحذر من الصراع الذي لا يخدم قضية ولا شريعة. إنه يرسم في هذا الكتاب معالم المجتمع    التشاركي الذي نأمله والذي يقوم على تجاوب المسيحيين مع    المجتمع الجزائري وتعاونهم لصناعة الأمل الذي ينشدونه.

الجزائر التي اختارت الإسلام دينا للدولة في دستورها أقرت في  المقابل حقوقا لغير الجزائريين بممارسة شعائرهم الدينية وأداء     صلواتهم في كنائسهم، فالجزائر لا تعرف شيئا اسمه “الاضطهاد   الديني“ ولم  يُعرف عنها أنها ضيقت على المسيحيين أو أمرت بهدم كنائسهم بل على العكس من ذلك، تولي الجزائر عناية    خاصة للكنائس  المسيحية وغيرها انطلاقا من موقفها باحترام    أماكن العبادة وتمكين روادها من أداء طقوسهم بكل حرية طالما كان ذلك منسجما مع قوانين الجمهورية وروح التنظيمات والتشريعات المعمول بها.

من الأبعاد الدبلوماسية لهذه الزيارة البابوية أن الفاتيكان قلب    الكنيسة الكاثوليكية ومقر الفاتيكان والدولة تحتفظ بعلاقات   متميزة مع الجزائر، فهذه الزيارة في هذا التوقيت بالذات رسالة    دبلوماسية شديدة اللهجة لدعاة الكراهية الذين يتبنون فكرة    صدام الديانات بعد نفاد ما في جعبتهم من كلام مجتر ومكرر  حول صدام الحضارات.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!