زيوريخ.. هنا ”العلب السوداء” والأموال النائمة وخزائن الأسرار وسيارات zh
بقدر ما كانت زيارتي إلى سويسرا، وبالضبط إلى زيوريخ، عاصمة العالم للمال والأعمال والتجارة، سريعة وعلى طريقة “الفاست فود” أو “الماك دونالد” أو “البيغ ماك”، فإنها كانت دسمة، من باب أن هذه المدينة المصنفة كأنظف وأأمن وأغلى وأفضل مدينة للعيش والرفاهية والتنزه عالميا، تفتح ذراعيها لزوارها دون أن تعرف إنتماءهم أو جنسياتهم أو إديولوجياتهم.. لكنها تضطر “المزلوطين” على عدم دخولها، وإذا دخلوها فإنهم سيرفعون بأنفسهم يافطة: لا أهلا ولا سهلا ولا مرحبا بكم في مهد الشيكولاطة والأجبان والساعات السويسرية.
- كانت البداية من أول منتدى ترعاه الغرفة التجارية والصناعية الجزائر-سويسرية، بمدينة زيوريخ، يوم الجمعة 25 نوفمبر الماضي، والذي شارك فيه رجال مال وأعمال من البلدين، إلى جانب وزير الصناعة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وترقية الاستثمارات، محمد بن مرادي، وكاتبة الدولة السويسرية للاقتصاد، ماري غابريال انايشن، التي تبنت خطابا براغماتيا، خلال تدخلها في افتتاح المنتدى، مصنفة الجزائر ضمن “المناطق غير المستقرة” عبر العالم، وهو التصنيف الذي ردّ عليه الوزير الجزائري بديبلوماسية وبرسائل مشفرة.
استثمارات خارج الشوكولاطة والأجبان
المنتدى الأول من نوعه، والذي يأتي تتويجا لإنطلاق “إستثمارات” تجارية بين الجزائر وسويسرا، نشطه ألان رولاند، رئيس الغرفة التجارية والصناعية الجزائر-سويسرية، والذي رافع لصالح الشراكة بين البلدين، كما حضره أيضا رضا حمياني، رئيس منتدى المؤسسات الجزائرية، وعبد الكريم منصوري، المدير العام للوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار (andi)، حيث قدّم عرضا “مغريا” لرجال المال والأعمال السويسريين، من أجل القدوم إلى الجزائر والإستثمار فيها، وفق تسهيلات مالية وجمركية، تقرأها عدة معطيات، بينها توقيع 42 اتفاقا لتشجيع التصنيع بين الجزائر وسويسرا.
العلاقات التجارية بين الجزائر وسويسرا، قرأتها تصريحات كاتبة الدولة للشؤون الإقتصادية لسويسرا، ماري غبريال أنايشن، التي أكدت إن مفاوضات البلدين لإنشاء منطقة للتبادل الحر، ستستأنف بعد انتهاء الجزائر من مفاوضاتها مع دول الاتحاد الأوروبي لتستفيد سويسرا من نفس المزايا الممنوحة للاتحاد، وقبل مشاوراتها الجديدة مع الوزير محمد بن مرادي، كانت الوزيرة السويسرية، قد تطرقت إلى الملف خلال زيارة سابقة للجزائر، حيث زارت المركز التجاري لباب الزوار التابع للغرفة.
وتبعا للمفاوضات بين الجزائر وسويسرا، تم تحديد 40 فرصة للشراكة بين المؤسسات السويسرية والجزائرية في القطاع الخاص، والتي تمّ مناقشتها خلال المنتدى المنظم في زيوريخ يوم 25 نوفمبر المنصرم، ويركز السويسريون على تفاصيل قانون الاستثمار الجزائري الذي يمنح حصة الأغلبية للمستثمر الوطني بنسبة 51 بالمائة، وهو ما يبرّرون به ما يسمونه ”صعوبة” إمكانية استثمار المؤسسات السويسرية في الجزائر، حيث لا يوجد قانون في سويسرا يقترح أخذ استثمارات بحصص الأغلبية.
هذا، وأبرز ألان رولاند، رئيس غرفة التجارة والصناعة الجزائرية – السويسرية، أن الجزائر تمنح فرص أعمال جديدة للشركات السويسرية، محفزا هذه الشركات للاستفادة من الإمتيازات التي تقدمها الجزائر، خاصة في مجال الاستثمار والأعمال المتعلق بقطاعات الصيدلة والنقل والموارد المائية والمالية.
امتيازات وتسهيلات مقابل إظهار ”حنـّة اليدّين”
ولم يفوّت وزير الصناعة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وترقية الاستثمارات، محمد بن مرادي، أول منتدى ثنائي، لدعوة المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين والسويسريين، إلى استغلال فرص التعاون من أجل إرساء شراكات تعود بالفائدة على الطرفين، مشيرا إلى الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها الجزائر لتعزيز برنامج تطوير الاستثمارات وإنعاش القطاع الصناعي، ودعا بن مرادي رجال أعمال البلدين إلى ”اغتنام الفرص المتاحة في عديد القطاعات وإنشاء شراكات تعود بالفائدة المتبادلة”.
كما دعت من جانبها، كاتبة الدولة السويسرية للاقتصاد، ماري غابريال أنايشن، المتعاملين الاقتصاديين لكلا البلدين “لتنويع علاقاتهما خاصة في مجال الاستثمار” بالجزائر، واصفة الاصلاحات الجزائرية المدرجة على القطاع الاقتصادي “بالشجاعة والهادفة إلى ازدهار الشعب الجزائري”.
وفي نفس المنتدى، الذي حضره 100 رجل أعمال، بينهم 20 متعاملا جزائريا، قدم ممثلو المؤسسات والادارات الجزائرية، لمحة عن مناخ الاستثمار في الجزائر والآليات العملية المرتبطة بالمزايا الممنوحة للمستثمرين في ما يخصّ تحديدا الجباية والتمويل والعقار)، علما أن عديد القطاعات كانت ممثلة في هذا اللقاء الأول من نوعه، سيما الصناعة الصيدلانية والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة وكذا الخدمات.
.. بعيدا عن لغة الأرقام والضرائب والتحفيزات الجمركية، فإن سويسرا تقع في وسط أوروبا، تحدها ألمانيا من الشمال، فرنسا من الغرب، إيطاليا من الجنوب، النمسا وليختنشتاين من الشرق، وتتبع سويسرا سياسة خارجية “محايدة” يعود تاريخها إلى 1515 وتُعد إحدى أغنى دول العالم.
ارتباط إسم سويسرا بالمال والأعمال، ولجوء العديد من قادة وزعماء العالم إلى “تهريب” وتكديس الأموال ببنوكها “الآمنة” والمحصنة بالسرّ البنكي، جعلها تبقى “سرّا” يحمي العديد من “العلب السوداء”، فمن لوزان(عاصمة اللاجئين السياسيين)، إلى جنيف (العاصمة السياسية)، وصولا إلى بيرن (العاصمة الإدارية والديبلوماسية)، تتربّع مدينة زيوريخ على عرش المال والأعمال، فهي عاصمة التجارة والبنوك والبورصات والاستثمارات والصفقات والمال والأعمال، ليس في سويسرا فقط، وإنما عبر كل العالم.
زيوريخ، هي إحدى أهم مدن سويسرا وأكبرها على الإطلاق، تقع في وسط شمال البلاد على مقربة من الحدود الألمانية على بحيرة زيوريخ، حيث تشتهر المدينة بشركات الخدمات المصرفية المصنفة الأفضل عالميا، وتعد أيضا أفضل مدن العالم أمنا ونظافة وهدوءا، وهي تلك الفسيفساء القوس قزحية التي تخلق السلم والسلام والتعايش بين الحاضر والماضي، فالأبنية النائمة فيها تعود إلى عدة قرون، وبها يوجد أكبر سوق للذهب، وترتيب بورصتها، هو الرابع في العالم بعد نيويورك ولندن وطوكيو، وفيها شارع بطول 1.5 كيلومتر يدعى بانهوف شتراسه.
لا أهلا ولا سهلا بالمزلوطين في أغلى مدينة بالعالم
حصلت زيوريخ على لقب أفضل مدينة للعيش في العالم لثلاثة أعوام على التوالي، كما نالت المدينة السويسرية، أو مثلما يُطلق عليها: عروس سويسرا، ولخمسة أعوام متتالية، لقب أكثر المدن في العالم إثارة للسعادة في نفوس الأجانب الذين يقصدونها أفرادا وأفواجا، إما للسياحة أو للأعمال أو لقضاء شهور العسل، وذلك وفقا لنتائج مسح شمل أكثر من 350 مدينة حول العالم.
يوجد في زيوريخ 85 بالمائة من كبريات الشركات السويسرية والمصارف الكببرى، بالإضافة إلى أنها أكبر مركز لتداول الذهب في العالم، وبها كبريات شركات التأمين، فيما يعدّ سوق البورصة في زيوريخ الرابع عالميا من حيث حجم التداول المالي.
وفي أكتوبر الماضي أعلنت زيوريخ، إحدى مجموعات التأمين العالمية الرائدة، اليوم، عن إطلاق مجموعة من منتجات التأمين المصممة خصيصاً لتلبية الاحتياجات الفريدة للمتعاملين من أصحاب الثروات الكبيرة في المنطقة، حيث تهدف إلى تأمين الأصول الثمينة لديهم، بما فيها سياراتهم ومنازلهم ويخوتهم ومقتنياتهم من القطع الفنية والأشياء الغالية.
وقامت زيوريخ بإنشاء فريق متخصص من المؤمَّنين والمقيمين ومديري العلاقات من ذوي الخبرة والمهارات العالية لتلبية احتياجات عملائها من أصحاب الثروات الكبيرة، حيث تقوم الشركة بتطوير التأمين عقب إجراء مشاورات مع العميل لتوفير مستوى من التغطية يلبي احتياجاته ومتطلباته الخاصة مهما بلغت درجة تعقيدها وصعوبتها، ويستفيد المتعاملون أيضا من وجود مدير حوادث متخصص لتلقي الطلبات على مدار الساعة (24/7) لضمان توفير المساعدة إذا ما دعت الحاجة لذلك.
وجاءت مدينتا زيوريخ وجنيف السويسريتان، في قمة الترتيب من حيث القدرة الشرائية، إذ أن الأجور الصافية التي يتقاضاها سكانهما هي الأعلى مقارنة مع المدن الواردة في دراسة “أسعار وأجور”، وتظهر دراسة “اسعار وأجور” لاتحاد المصارف السويسرية (UBS) أن عدد ساعات العمل السنوية في أوروبا الغربية تصل إلى 1687 (أي 39 ساعة في الأسبوع)، بينما يستقر المعدل العالمي في 1844 ساعة، ويعمل سكان زيوريخ 1808 ساعة سنويا، وسكان جنيف 1795 ساعة، وبذلك يتصدرون الترتيب من حيث ساعات العمل، إلى جانب سكان لندن (1782 ساعة).
سيارت zh وصاندويتشات ”البيغ ماك”
وحسب ما وقفت عليه “الشروق”، بالنسبة لمستوى القدرة الشرائية، أي أجر الساعة الصافي مقسوما على سعر البضائع والخدمات (دون احتساب الإيجار)، تتصدر زيوريخ وجنيف المرتبتين الأوليين، قبل دبلن ولوس أنجيليس، ويفسر بنكيون هذه النتيجة بمستوى رواتب القطاع العام.
وخلافا لعدد من الدول الصاعدة، حيث يتقاضى المعلمون وسائقو الحافلات، رواتب منخفضة مقارنة مع مهن أخرى، في القطاع الخاص، تضمن سويسرا والدول الاسكندينافية عموما أجورا مغرية لهذه المهن.
وقد استخدمت الدراسة مأكولة “بيغ ماك” السريعة، كمؤشر للقدرة الشرائية، بما أنه المنتوج الذي يحضر بنفس الطريقة وله نفس المذاق في مختلف أنحاء العالم، ويؤكد سويسريون أنه يجب العمل لمدة 35 دقيقة على الأقل، كمعدل عالمي، للتمكن من شراء هذا “الهامبورغر”، وفي زيوريخ، تكفي 15 دقيقة من العمل لتذوق هذا السندويتش، و16 دقيقة في جنيف.
ومن أجل دراسة “أسعار وأجور” لعام 2006، على سبيل المثال، اعتمد اتحاد المصارف السويسرية على جملة من المقاييس الموحدة تشتمل على 122 من السلع والخدمات في 71 مدينة، وأدمجت معها تكاليف الإيجار والسكن، وتبين أن مستوى المعيشة يظل الأغلى في كل من لندن ونيويورك، أما المدن الأقل غلاء فهي كوالا لامبور، وبومباي، وديلهي، وبوينوس أيريس.
ونحن نتجوّل بشوارع زيوريخ الجامعة بين الهدوء والحيوية، تذكرنا تلك السيارات التي كانت تدخل للجزائر بالعشرات والمئات واكتسحت قبل سنوات السوق الجزائرية، وحملت لوحة الـ zh، التي تمّ تدوالها بطريقة سريعة وعجيبة، قبل أن يتم “تأميم” هذا النوع من المركبات على مستوى الميناء، بسبب تهمة ”تقصير” عمر تلك السيارات التي احترفت شبكات التصدير والتسويق تخفيض أعمارها لبيعها على أساس أنها ”جديدة” وبغرض التحايل على الإدارة ومصالح الجمارك.
..غادرنا مدينة زيوريخ، بعدما وقفنا على بنك جزائري لا يعرفه أغلب الجزائريين يحمل اسم: البنك الجزائري للتجارة الخارجية (سنعود إلى تفاصيله لاحقا)، كما غادرنا المدينة على وقع أحلام رجال مال وأعمال جزائريين، يريدون رفع وتيرة الشراكة والتجارة مع السويسريين، كما غادرناها بعدما لمسنا البرغماتية المفرطة لرجال الأعمال السويسريين، وهو ما يتطلب برغماتية من الطرف الجزائري تطبيقا للمثل الشعبي القائل: من عندي ومن عندك تنطبع، ومن عندي برك تنقطع!