سبخة الزمول بأم البواقي تتحول إلى مقصد لعشاق الطبيعة وهواة التصوير
هم أربعة أطفال… كانوا يركضون ببراءة لا مثيل لها، يسقطون وينهضون وكلبهم يمرح ويرتع، في قلب الماء، بل على سطح الماء، تلك كانت الأعجوبة، لقطات الجري على الماء، هي من حولت فيديو التقطه هاو لأطفال يلعبون فوق سبخة الزمول بأم البواقي، إلى “ترند” عالمي صال وجال، وبصم على أن الجزائر القارة ستبقى تفاجئ العالم في كل ولاياتها بما فيها أم البواقي بروائع طبيعية لا تخطر على البال.
تتربع سبخة الزمول بإقليم بلدية أولاد زواي، بدائرة سوق نعمان، بولاية أم البواقي، على مساحة شاسعة جعلت منها واحدة من أبرز المناطق الرطبة في المنطقة، ليس فقط من الناحية المحلية، وإنما باعتبارها موقعا ذا أهمية دولية ضمن قائمة “رامسار” للأراضي الرطبة، حيث سجلت سبخة الزمول رسميا ضمن مواقع “رامسار” بتاريخ 18 ديسمبر 2009، وحملت رقم 1896، فيما تقدر مساحتها بحوالي 6765 هكتارا، وفق بيانات خدمة معلومات مواقع “رامسار”.
وتتميز السبخة بطبيعتها كبحيرة مالحة موسمية، تقع ضمن منطقة الهضاب بولاية أم البواقي، وهو ما يمنحها خصائص بيئية ملائمة لاستقبال أعداد مهمة من الطيور المائية، خاصة خلال مواسم الهجرة والشتاء، حيث تكتنز مياه المطر، وتعد سبخة الزمول محطة مهمة للعديد من الأنواع، من بينها النحام الوردي، والبط أبو ملعقة، إضافة إلى اللقلق، لتتحول مساحاتها المائية خلال فترات امتلائها إلى مشهد طبيعي نابض بالحياة، تتوافد إليه الطيور بحثا عن الغذاء والراحة، كما أشارت بيانات “رامسار” إلى أن وجود أعداد كبيرة من الطيور يجعل الموقع أيضا جاذبا لبعض الحيوانات المفترسة، من بينها ابن آوى الذهبي والثعلب الأحمر.
تصنيف دولي
ولا تقتصر أهمية سبخة الزمول على كونها فضاء تتجمع فيه الطيور المائية، بل تكمن قيمتها في كونها جزءا من منظومة بيئية حساسة، تساهم في المحافظة على التنوع البيولوجي بالهضاب العليا، ويعني تصنيف الموقع ضمن قائمة “رامسار”، أن قيمته البيئية تجاوزت الإطار المحلي، وأصبح مدرجا ضمن شبكة دولية للمناطق الرطبة ذات الأهمية، وهو ما يجعل المحافظة على خصائصه الطبيعية والتنوع الحيوي الذي يحتضنه مسؤولية بيئية تتطلب تضافر جهود مختلف الجهات والفاعلين.
وفي هذا السياق، تشير بيانات اتفاقية “رامسار” إلى وجود جملة من التهديدات، التي يمكن أن تؤثر على الموقع، من بينها التعرية والرعي المفرط والصيد غير المشروع وجمع بيض الطيور المائية، وهي عوامل تجعل حماية السبخة والحفاظ على توازنها البيئي تحديا مستمرا حيث يؤكد إدراج سبخة الزمول ضمن قائمة “رامسار” أن هذه المساحة الواقعة بولاية أم البواقي، تمثل أكثر من مجرد سبخة موسمية، فهي موطن للطيور ومحطة طبيعية مهمة ضمن مسارات الهجرة، وفضاء غني بالتنوع البيولوجي.
لوحة طبيعية ساحرة
وتبرز صور حديثة لسبخة الزمول، حجم الجمال الطبيعي الذي يختزنه هذا الموقع، خصوصا عقب تساقط الأمطار، وامتلاء أجزاء واسعة منها بالمياه، حيث تبدو السبخة في أبهى حللها وهي تمتد على مساحة شاسعة، مشكّلة لوحة طبيعية مفتوحة تتداخل فيها المياه مع زرقة السماء وتضاريس الهضاب المحيطة، وفي إحدى الصور التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر سطح السبخة وقد أصبح أشبه بمرآة كبيرة تعكس أشعة الشمس، بينما ترسم لحظات الغروب مشهدا استثنائيا تتدرج فيه الألوان بين الذهبي والبرتقالي والبنفسجي، في انسجام لافت بين الماء والسماء والجبال، ولا يقتصر جمال المكان على ساعات الغروب، إذ تكشف الصور عن اتساع المسطح المائي وهدوء المنطقة، بما يمنح الزائر إحساسا بالابتعاد عن صخب المدن والاقتراب من الطبيعة في صورتها البكر، وتظهر في المشهد مجموعة من الأشخاص والأطفال وهم يخوضون المياه الضحلة، مستمتعين بأجواء السبخة بعد الأمطار، في صورة تعكس كيف يمكن لهذا الفضاء الطبيعي أن يجذب الزوار الباحثين عن الهدوء واكتشاف المناظر غير المألوفة.
وتمنح المياه المتجمعة بالسبخة المكان مظهرا مختلفا تماما عما قد تبدو عليه خلال فترات الجفاف، إذ تتحول المساحات الممتدة إلى سطح مائي واسع تتراقص فوقه انعكاسات الضوء مع حركة الرياح، بينما تظل المرتفعات المحيطة حاضرة في الخلفية، لتكتمل بذلك ملامح مشهد طبيعي يجمع بين البساطة والروعة. ومع اقتراب الشمس من الأفق، يزداد المشهد جمالا، حيث تمتد أشعتها فوق المياه في خط مضيء، وتتحول السبخة إلى فضاء مفتوح يشبه لوحة فنية رسمتها الطبيعة من دون تدخل.
وتكشف هذه اللقطات كذلك عن وجه سياحي وإيكولوجي مهم لسبخة الزمول، فالمكان لا يمثل فقط مساحة رطبة ذات قيمة بيئية، وإنما يمتلك مقومات طبيعية يمكن أن تجعل منه مقصدا لمحبي الطبيعة والتصوير واستكشاف المناطق الرطبة، خصوصا خلال الفترات التي تستعيد فيها السبخة مياهها عقب التساقطات المطرية.
وبين صفحة الماء اللامعة، واتساع الأفق، وهدوء المكان، وامتداد التضاريس في البعيد، تبدو سبخة الزمول بأم البواقي، وكأنها تستعيد الحياة في كل موسم ممطر، لتقدم مشاهد تختلف من فترة إلى أخرى. وهي صور تختصر جانبا من قيمة هذا الموقع، وتبرز الحاجة إلى مزيد من التعريف به والترويج لجماله الطبيعي، بالتوازي مع المحافظة على خصوصيته البيئية باعتباره موقعا مصنفا ضمن الأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية، وهكذا، لا تبدو سبخة الزمول في هذه الصور مجرد مساحة مائية موسمية، بل فضاء طبيعيا نابضا بالولاية الجزائرية الرابعة أم البواقي، يجمع بين القيمة البيئية والجمال البصري، ويؤكد أن الولاية تختزن مشاهد طبيعية قادرة على لفت الأنظار، متى حظيت بالتعريف والتثمين والعناية التي تستحقها.
ورغم ذلك، تظل سبخة الزمول ثروة طبيعية تحتاج إلى مزيد من التعريف والتثمين والحماية، خاصة من خلال نشر الوعي بأهميتها وتشجيع الدراسات العلمية والمتابعة الميدانية، بما يضمن بقاء هذا الموقع الطبيعي للأجيال القادمة، ويحافظ على مكانته ضمن شبكة الأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية.