سبقكم إليها المستشرقون يا دعاة العامية
إن محاولة التوجه إلى استعمال الدارجة والابتعاد عن اللغة العربية الفصحى في التعليم، هو المعول الذي سيؤدي إلى التمزق والتشرذم اللغوي، فيقل بذلك الاتصال الفكري، ويتولد من ذلك تفكك اجتماعي يتبعه تفكك لغوي، وقد نشأت في العصر الحديث دعوات أسميها هدامة تصر على استخدام الدارجة بدلا عن الفصحى لأغراض ومآرب مختلفة، وتحت مسميات قد تكون براقة، لكنها كالسم في العسل.
فقبل أن تدعو الندوة الوطنية للتربية بالجزائر إلى استخدام الدارجة في التعليم، كانت دعوة المستشرق وليام لكوكس، عام ثلاث وتسعين ثمانمائة وألف، ودعوة القاضي ويلمور، سنة واحد وخمسين وتسعمائة وألف، حتى تجرأ بعضهم إلى محاولة تبديل الخط العربي بالحرف اللاتيني بحجة إفهام المتلقين، وهذا ما سيطالب به دعاة الدارجة لو مر مشروعهم، ولن ينالوا مرادهم بإذن الله تعالى، فكانت الدعوات تحت غطاء تيسير اللغة وتيسير تعليمها كدعوة عبد العزيز فهمي وأنيس فريحة، لينتصر مصطفى صادق الرافعي للغة العربية ويواجه هذا المد التغريبي والتخريبي، ويسانده عمر فريخة وحتى بعض المستشرقين وعلى رأسهم بروكلمان الذي اعترف بشرف وعظمة العربية الملتصقة بالقرآن الكريم، التي ستبقى حية لن تموت، بشهادة الأعداء قبل المناصرين.
وعلى كل حال، فمشكلة العامية والفصحى ليست أمرا مستحدثا ولا جديدا، فقد طرحت حتى قبيل الاسلام، وظن الواهمون المعاصرون أن الخلل في لغة القرآن الكريم، وما ذلك بصحيح، وعدوها لغة متخلفة لا تصلح إلا للشعر والرومنسيات والغراميات، وأنها جامدة لا تتطور، ولعمري هذا هو التطرف بعينه، والإرهاب اللغوي بشحمه ولحمه، ويا أسفاه على من يفكر بهذا النمط البليد، ونقول كما قال الدكتور صبحي الصالح، بأن العربية الفصحى ليست هي المتخلفة، لأنها أدت دورها على أحسن وجه في حضارة الانسان وماتزال كذلك، وإنما التخلف فينا، وفي ذهنياتنا، ومناهجنا وبرامجنا وطرائق تدريسنا، التخلف فينا، لأننا شعب يستهلك ولا ينتج، يتواكل ولا ينشط، حتى استراتيجياتنا في التعليم سواء العام أو الجامعي استوردناها من الغرب ولا أدل على ذلك من نظام “ل.م.د” بالجامعة الجزائرية، فلنستنجد بأهل الاختصاص وأكابر العلماء بالجزائر وعلى رأسهم العالم اللساني البروفيسور عبد الرحمن حاج صالح الذي أفنى حياته في خدمة اللغة والتعليم تنظيرا وتطبيقا، وللنناقش الأمر بعلمية وموضوعية، حتى نحافظ على ديننا وهويتنا وتاريخنا ووطنيتنا، ولنتق الله في الأجيال القادمة.
*أستاذ جامعي في اللسانيات