ستة وثلاثون مليون مستقيل
أن يصل الحال بالسيدة لويزة حنون، إلى حد إلغاء تجمّع شعبي في مكان غير بعيد عن مسقط رأسها، وفي يوم عطلة أسبوعية بسبب خلوّ القاعة الصغيرة من الحضور، الذي لم يزد عدده عن عدد الحرس الخاص بزعيمة حزب العمال، فمعنى ذلك أن ما تبذله الدولة من مال ومن لعاب لأجل إقناع المواطنين بالاهتمام – ولو بقلوبهم – بالحملة الانتخابية التي دخلت أسبوعها الثاني، ولا نقول التوجّه إلى صناديق الاقتراع، إنما هو أشبه بمخاطبة الجثث أو قرع أجراس في مملكة الأشباح، مع حرق للمال العام مع سبق الإصرار والترصد.
وإذا كانت الإذاعة الوطنية، قد بلغت درجة توسّل التشكيلات السياسية لأجل إيفاد من يتكلمون ولا يهمّ ما يقولونه على أمواج أثيرها، ضمن ما يسمّى مجازا بالحملة الانتخابية، وإذا كانت بعض التشكيلات لأجل ملء قوائمها لجأت حتى إلى المعتوهين والمشبوهين، وإذا كان غالبية رؤساء القوائم الذين سيقودون قرابة ألف وخمس مئة بلدية لا يفقهون من القوانين المسيّرة للجماعات المحلية أي مادة، فإن الاستقالة الجماعية وغير المبرمجة التي لجأ إليها الشعب الجزائري بكل أطيافه اتجاه المشهد السياسي الحالي، هي في حد ذاتها ثورة لا يمكن بعدها أن ندّعي عدم فهم رسالتها، لأن قمة الغضب والثورة هي أن تعادي الآخر فتتركه يتحدث وحده، ويبني وحده، ويهدم وحده أيضا، وتبقى الطامّة الكبرى أن لا يفهم هذا الوحيد الرسالة القوية، ويصرّ على أن يقول ويفعل ويبني لنفسه ويهدم لغيره.
في زمن الأحادية كانت اللجان الثورية تزعم أنها تقدم للمواطنين التكوين السياسي، رغم أن الكثير منها لم يكن يفقه من السياسة غير التطبيل للسلطة والبحث عن المآرب الخاصة، وفي زمن التعددية عند رفع الستار عن وجوه الأحزاب الجديدة، بدأت التشكيلات السياسية تتفاخر بالملاعب المكتظة والقاعات المزدحمة بالحمامات البشرية التي غالبية حضورها كان يجرّه الفضول لمتابعة ما يُقال عنه سياسة، ومع مرور السنوات صار البطّالون والباحثون عن التسلية والضحك هم من يحضرون التجمعات السياسية، وبلغنا الآن الفصل الأخير من التعددية المزعومة بإسدال الستار عن المسرحية التي لا سيناريو فيها ولا نص ولا إخراج، بل مجرد ممثلين نجحوا فقط في نقل مشاهد درامية عن واقع سياسي بائس تعيشه البلاد بشهادة الجمهور الذي هو الشعب، ولم يبق أمام رؤساء الأحزاب من حل سوى استدراجه بالمال أو بشهادات العمل ومفاتيح السكن، كما حدث فعلا في بعض التجمعات التي استعانت بالفقراء والمتشردين ليس ليمنحوها أصواتهم وإنما ليجلسوا قبالة المترشحين ورؤساء الأحزاب وهم يقولون، وعندما يصبح هدف الحزب هو الديكور البشري الكمي لأجل أن تظهر صورته جميلة في التلفزيون، فإن الحديث عن برامج ووعود وتنمية سيصبح ضحكا على الأذقان والشوارب، وعندما يعجز رئيس حزب عن ايجاد من يسمعه رغم أن الاستماع هو الوظيفة الوحيدة في الوجود التي لا يبذل فيها الإنسان أي جهد مادي أو بدني أو فكري، فإن المطالبة بالاقتراع أو المشاركة في التنمية تصبح من المستحيلات.