سجّل أنا عربي
أخطر ما يتهدد العرب اليوم ـ يقول بعضهم ـ هو مشاريع التقسيم وتفكيك الدول. أعظم خطرا من ذلك ـ يزعم آخرون ـ هو إرهاب أقام “دولة” تقول: أنا باقية وأتمدد. ألعن من هذا وذاك ـ يقول من يفسر الماء بالماءـ بقاء العرب رهينة بيد أنظمة الاستبداد.
وعلى لسان عرب ومستعربة يقال بالتفصيل الممل، وبلسان عربي لا يبين: العرب نيام، سيان من نام منهم، قعد، همّ بالوقوف، أو قام واستقام. العرب أوهامٌ وأحلام، ظاهرة صوتية، طواحين تلوك الهواء، وتصدر للناس كلاماً في كلام. هم على قارعة الطريق، على هامش الحضارة، بين كهوف ظلامية سكنت الجماجم، وشتات من الأيتام يتسوّلون حول موائد اللئام.
هكذا يقولون عن العرب، وأكثر منه شناعة مما لم توصف به أمة في التاريخ، ولا حتى بقايا الأمم البدائية من أهل أستراليا، وأدغال الأمازون، متخلفون أعجز من أن تقوم بينهم صناعة للإبر، ويُنسب إليهم التدبيرُ الخارق في تدمير أبراج التجارة العالمية.
بعض العرب من المستغربة “المستغورة” باتوا يستحون من الانتساب لأبناء إسماعيل، ويعرب، وقحطان، ومُضر، يقولون: لسنا بعرب، ولا حتى مستعربة، حتى صارت أختنا بن غبريط تريد قيادة ثورة بلا ثوار لتدريج اللسان، بعد أن أخفقت مدرستها في تعبيد حناجرنا للغة المحتل، الذي حاول وفشل، فغادر وهو يتمثل بقول قيصر: حللت، فرأيت، فهزمت.
قبلها وقبل أن تحل بديارنا مخلفاتُ جيش نابليون، كان قد وُصف العربُ بأقبح من هذه الأوصاف، كانوا على قارعة الطريق بين أعظم امبراطوريتين في زمنهم: فارس والروم، وكانت جلسة مؤانسة لسفراء الأمم المهيمنة وقتها مع كسرى، فأراد أن يتندّر على العرب بحضرة النعمان، أحد ملوك العرب من الأتباع، فقال كسرى في سبِّ العرب ما لا يخطر على بال من يُسخر منهم اليوم في الإعلام، وقلل من شأنهم، واستغرق فيما كانوا عليه من ضعف وهوان، ومن شظف العيش، وبُعدٍ عن التمدن، مع جرأة على المفاخرة والاعتداد بالنفس، وهم قبائل تتقوّت من الغزو والحِرابة البيّنة كحالهم اليوم.
كان ذلك قبل عقودٍ قليلة، وجد كسرى العظيم نفسه وعرشه أمام شراذم من العرب وهي تكسر عرشه، وتزلزل دولته العظمى، فلا فرس، ولا روم، ولا هند، ليوقف زحفهم العظيم، الذي انطلق بسرعة البرق، بعد أن عرض على العرب الرسالة الوحيدة التي كانت لتغريهم على الخروج من جزيرتهم بلا رهبة من عظيم، أو فرق من فارق من بطش القوة، أو ارتعاش أمام إمبراطورياتٍ عالمية هي في ميزان القوة وقتها أقوى من الصقر الأمريكي، والدب الروسي، ومما يخوّف به العرب اليوم.
ولم يسقط العرب اليوم فيما سقطوا فيه، إلا أنهم نسوا ما ذُكروا به، بعد أن أعزهم الله برسالة الإسلام، ولو شاؤوا لفعلوها تارة أخرى، ولو شاء بعض قادتهم لفعل ما فعل النعمان حين قرأ في كلام كسرى تدبيرا يبيّت لغزو العرب، فكانت موقعة ذي قار، أوّل صدام مع الفرس، ربع قرن قبل أن يكسر العرب، وقد ارتضوا حمل الرسالة، الفرسَ في القادسية، والروم في اليرموك.