الجزائر
حين تراهن السلطات على تقنيات صديقة للبيئة في تشييد المنشآت الكبرى

“سدود الجزائر”… حصن ضد الفيضانات… ومنتجعات للسياحة والترفيه!

أسماء بهلولي
  • 2678
  • 0
ح.م

– 13 سدا لحماية المدن الأكثر عرضة للفيضانات
– لجنة وزارية مُشتركة لإعداد قانون لتثمين طمي السدود

في زمن التغيرات المناخية المتسارعة، وتصاعد مخاطر السيول والفيضانات المهددة للمدن والأنظمة البيئية، لم تعد سدود الجزائر مُجرد هياكل لتخزين المياه بل قلاعا متينة مجهزة بأحدث التقنيات لحماية المدن من المياه الجارفة، كما تعد مصدرا لإنتاج الطاقة النظيفة، وجلب العملة الصعبة للخزينة العمومية، وفضاءات سياحية واقتصادية هامة…
على بعد 20 كلم جنوب غرب ولاية عنابة، يقف سد بوحديد اليوم كحصن صلب يحمي المدينة من الفيضانات والسيول التي اجتاحت المنطقة في السنوات الماضية، مانعا المياه الجارفة من تهديد الأرواح والممتلكات في انتظار تسليمه رسميا بداية سنة 2026.
“الجدار العالي”، كما يُحبذ البعض وصفه ما هو سوى نموذج من بين 13 سدا جديدا، تعول الحكومة على إنجازها ضمن المبادرات الاستعجالية التي أطلقت تحت توصيات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، سنة 2019 لحماية المدن والنقاط السوداء من الفيضانات، حيث أن بوحديد قادر على التحكم في تدفق مياه الأمطار، إذ يخفض معدل التدفق من 160 متر مكعب في الثانية إلى 10 أمتار مكعب فقط عند تصريفها إلى البحر وتم انجازه بكفاءات وطنية وباستخدام الخرسانة المضغوطة عالية الجودة” بي سي في”، ما يجعل الجزائر أكثر استعدادا لمواجهة الكوارث الطبيعية المهددة للبيئة والإنسان.

رقابة سنوية ومعايير بناء دقيقة… هكذا تبنى السدود
وفي هذا الإطار، يكشف المدير العام للوكالة الوطنية للسدود، عبد اللطيف عزيرة لـ:”الشروق” أن سد بوحديد ليس وحده الذي تم بناؤه بهذه المعايير، فالجزائر تمتلك شبكة واسعة من السدود الإستراتيجية التي تحمي المدن من السيول، أبرزها سد الطابية على وادي مكيرة بسيدي بلعباس، وسد بوڨزول في المدية، وسدود بوبريك، ولبيوض، والحيمر في غرداية، إضافة إلى سد وادي العطوف القديم الذي يحمي مجرى النهر نفسه، فهذه المنشآت لا توفر الحماية فقط -يقول المدير العام – بل تؤمن مياه الشرب والري، والصناعة، وتقلل المخاطر الهيدروليكية من خلال ضبط سرعة الفيضان وارتفاع منسوب المياه ووقت وصوله، مما يحد من الأضرار في المناطق الواقعة أسفل مجاري الأنهار.
ويؤكد المدير العام للوكالة الوطنية للسدود أن كل سد يبنى بعد دراسات تفصيلية دقيقة ومعايير دولية صارمة لضمان سلامة المنشآت وحماية البيئة، كما يتم اختيار مواد البناء بعناية خصوصا الأسمنت، بما يتوافق مع طبيعة الصخور وجودة المياه، لتصبح كل منشأة حصنا متينا يحمي الإنسان والطبيعة في آن واحد.

50 موقعا ضمن الخانة الحمراء… ونظام “ppr” لمواجهة الفيضانات
خلف هذه القلاع الخرسانية الصامتة، تقف منظومة وطنية متكاملة تدار بالأرقام والدراسات والإنذارات المبكرة، هدفها واحد أن تسبق الكارثة بخطوة، فالجزائر اليوم تمتلك81 سدا مشيدا وفق مقاييس عالمية وتخضع جميعها لرقابة دورية ومنتظمة، في إطار إستراتيجية تهدف أساسا إلى حماية المدن من خطر المياه الجارفة، خاصة في ظل ما بات يُعرف “بـشيخوخة السدود”، التي تحولت إلى كابوس حقيقي يهدد السكان القاطنين بمحاذاة هذه المنشآت المائية.
وفي هذا السياق، أوضح مدير التطهير والوقاية من مخاطر الفيضانات بوزارة الري، شريف عيسيو في تصريح لـ”الشروق” أن جهود الدولة لم تقتصر على مراقبة السدود القائمة أو تشييد أخرى جديدة، بل اتجهت نحو بلورة إستراتيجية وطنية شاملة تقوم على توجيه مشاريع البناء نحو المناطق المصنفة ضمن الخانة الحمراء، أي الأكثر عرضة لمخاطر السيول والفيضانات.
وكشف المتحدث، عن إحصاء عدد معتبر من المواقع تم تصنيفها حسب درجة الخطورة، مشيرا إلى أن 50 موقعا تُعد الأخطر على الإطلاق، وذلك وفق نظام PPR الخاص بمخططات الوقاية من المخاطر، حيث يُعرف بـنظام الإنذار المسبق، الموضوع على طاولة ولاة الجمهورية والذي يُعد وثيقة مرجعية قاعدية يعتمد عليها في كل مشروع أو تدخل ميداني على مستوى الولايات المعنية.
وفيما يتعلق بوتيرة تجهيز أنظمة الإنذار المبكر، أكد عيسيو أن الدراسات التقنية أنجزت في 16 ولاية، في انتظار رفعها إلى الولاة المعنيين لاتخاذ القرار النهائي وتطبيقها ميدانيا، بينما تتواصل الأشغال في 14 ولاية أخرى، في حين توجد 11 ولاية إضافية مشاريعها مسجلة وتنتظر فقط صدور دفاتر الشروط للشروع في التنفيذ، تحت إشراف الوكالة الوطنية للري، وتشمل هذه الإجراءات عددا من المناطق المهددة، على غرار العاصمة، النعامة، بشار، عنابة والبيض، حيث تسجل أعلى مؤشرات الخطر المرتبطة بالفيضانات.
وأضاف المسؤول بوزارة الرّي أن الجزائر تشهد منذ نحو 20 سنة تغيرات مناخية واضحة، لاسيما في كميات تساقط الأمطار، التي أصبحت تتسم بعدم الاستقرار والحدة، فبعدما كانت التوقعات لا تتجاوز في السابق 20 ملم، باتت اليوم تصل أحيانا إلى 120 ملم، وهو ما دفع السلطات العمومية، خلال السنوات الأخيرة، إلى التسريع في التفكير في بناء سدود أشبه بالقلاع، قادرة على امتصاص الصدمات المناخية وحماية الأرواح والممتلكات.

سدود ذكية تحمي الماء والبيئة وتخفف فاتورة الكهرباء
لكن خلف جدران السدود، لا تختزن المياه فقط، بل تصنع طاقة المستقبل، حيث تتحول القلاع الخرسانية إلى منصات شمسية تولد الكهرباء وتضخ المياه دون قطرة وقود واحدة.
فشرق ولاية ميلة، يبرز سد بني هارون كنموذج رائد لتحويل السدود الجزائرية إلى منصات ذكية لإنتاج الطاقة الشمسية العائمة، تسخر لضخ المياه وحماية المخزون المائي، وتغذية الشبكة الكهربائية الوطنية في آن واحد.
هذا المشروع النموذجي، الذي أطلقته الوكالة الوطنية للسدود والتحويلات بالشراكة مع جامعة قسنطينة في إطار البرنامج الوطني للبحث، جاء استجابة مباشرة للارتفاع المتواصل في كلفة الطاقة المستعملة بمحطات الضخ الكبرى، والتي ظلت لسنوات تعتمد على الكهرباء التقليدية والوقود، بما يشكل عبئا ماليا متزايدا على الخزينة العمومية ويؤثر على الأنظمة البيئية
وفي تصريح لـ”الشروق” يؤكد حمزة بوجفجوف، مدير محطة ضخ بني هارون والمنسق الرئيسي للمشروع، أن هذا التوجه يهدف أولا إلى ضمان استمرارية الضخ دون انقطاع بطاقة نظيفة، وثانيا إلى تقليص التكاليف التشغيلية، من خلال الاعتماد على طاقة متجددة تنتج مباشرة في موقع السد، دون خسائر نقل أو استهلاك إضافي.
ويضيف المتحدث أن النظام الجديد يسمح باستغلال الطاقة الشمسية المنتجة لتشغيل المضخات العائمة بشكل مباشر، في حين يتم توجيه الطاقة الفائضة إلى الشبكة الوطنية للكهرباء، ما يساهم في دعم قدرات الإنتاج العمومي وتقليص كلفة الكهرباء الموجهة للمواطنين، ويخفف الضغط عن الموارد الطاقوية التقليدية.
ولا يقتصر أثر المشروع على الجانب الطاقوي فقط، إذ يبرز بعده البيئي كأحد أهم مكاسبه، حيث تساهم الألواح الشمسية العائمة في الحد من ظاهرة تبخر المياه، خاصة خلال فصل الصيف.
وفي هذا الإطار، تشير الدراسات التقنية -يقول محدثنا- إلى أن سد بني هارون يفقد أكثر من 300 ألف متر مكعب من المياه يوميا خلال فترات الصيف، ما يجعل من تغطية أجزاء من سطحه حلا عمليا للحفاظ على هذه الثروة الحيوية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
ويؤكد بوجفجوف أن هذه التجربة ليست معزولة، بل تمثل نموذجا قابلا للتعميم، حيث تعمل الوكالة الوطنية للسدود والتحويلات على نقل هذا الحل إلى نحو 80 سدا عبر مختلف ولايات الوطن، مع تكييفه حسب خصوصية كل منشأة مائية، بما يسمح بحماية المسطحات المائية من التبخر، وتحويلها في الوقت نفسه إلى مصادر دائمة لإنتاج الطاقة النظيفة.
وبناءا على ذلك يؤكد مدير المشروع أن السدود الجزائرية اليوم لم تعد مجرد منشآت لتخزين المياه أو صد الفيضانات، بل أصبحت رقما مهما في المعادلة البيئية والاقتصادية، تجمع بين حماية الموارد الطبيعية ودعم الشبكة الكهربائية، وتخفيف الأعباء عن الخزينة العمومية، وذلك ضمن إستراتيجية بيئية جديدة تراهن على الاستثمار الذكي في الشمس والماء معا.

طائرات درون “AquaRob” تنبش في مليار و600 مليون طن من الطمي…
بعيدا عن طاقة الشمس، وتحت سكون مياه السدود، تنام ثروة غير مرئية تتمثل في طمي تراكم عبر عقود من الزمن، تقدر كميته بحوالي مليار و600 مليون طن، وفق معطيات تحصّلت عليها “الشروق”، فهذا الطمي، الذي ظل لسنوات يصنّف كعبء تقني يهدد القدرة التخزينية للسدود، بدأ اليوم يفرض نفسه كـمورد اقتصادي مهم.
وبحسب دراسة اطلعت عليها “الشروق”، اعتمدت الوكالة الوطنية للسدود والتحويلات، في إطار المخطط الوطني للبحث (PNR)، عدة مشاريع علمية تندرج ضمن رؤيتها الممتدة إلى غاية سنة 2026، وتهدف إلى تثمين طمي السدود، في انتظار صدور النصوص القانونية والتنظيمية التي تسمح باستغلاله اقتصاديا، وهو ما أكده المدير العام للوكالة.
وفي هذا السياق، يرتكز أحد المشاريع على تطوير طائرة دون طيار سطحية (AquaRob)، مخصّصة لاقتناء المعطيات الباثيمترية بدقة عالية، إلى جانب تنفيذ عمليات أخذ عينات مائية لفائدة الوكالة الوطنية للسدود والتحويلات.
ويندرج هذا المشروع ضمن إستراتيجية وطنية لمكافحة طمي السدود وتثمينه، تقوم على تنويع وسائل التدخل وتقليص الاعتماد على مكاتب الدراسات الأجنبية، وما يرافق ذلك من أعباء مالية واستنزاف للعملة الصعبة، كما يُنتظر أن تحدث هذه التكنولوجيا تحولا نوعيا حسب الدراسة، من خلال تعويض التدخل البشري كليا في عمليات القياس، وتحديد كميات الطمي بدقة، اعتمادا على حلول ذكية وآمنة.

عروض قيد الدراسة لتحويل السدود إلى وجهات سياحية وترفيهية
وبين حصون المياه والطاقة، تكشف السدود الجزائرية اليوم عن وجه آخر من قيمتها، فبعيدا عن دورها التقليدي في حماية المدن وتوفير المياه هي اليوم فضاءات طبيعية خلابة يمكن أن تتحول إلى وجهات سياحية وترفيهية نابضة بالحياة مستقبلا.
فالمسطحات المائية الشاسعة، والغابات والجبال المحيطة ببعضها توفر بيئة مثالية لممارسة الرياضات المائية، ركوب الدراجات والمشي، وحتى تربية الأسماك، مع إمكانية إنشاء أحواض سباحة آمنة خلال فصل الصيف لتوفير أماكن للترفيه العائلي، والحد من حوادث الغرق التي تسجل سنويا، مع تهيئة بعض المساحات لتشجيع السياحة الجبلية والأنشطة البيئية.
وفي هذا الإطار، أكد المدير العام للوكالة الوطنية للسدود عبد اللطيف عزيرة في تصريح لـ:”الشروق” أن السدود لا تقتصر على دورها التقليدي في تأمين المياه الصالحة للشرب والري الفلاحي، بل يمكنها أن تتحول إلى محطات للأنشطة السياحية والترفيهية والاقتصادية، مضيفا أن تكييف الإطار القانوني الخاص بتسيير هذه المنشآت سوف يسمح بشكل رسمي وآمن من استغلالها، مع مراعاة حماية الموارد المائية والبيئة المحيطة.
وأوضح المسؤول أن هناك مشاريع قيد الدراسة لتهيئة بعض السدود الكبرى لتصبح وجهات جذب سياحية، تشمل الرياضات المائية، المشي، ركوب الدراجات، وحتى تربية الأسماك، مع توفير مرافق آمنة للسباحة خلال الصيف، بما يضمن دمج البعد البيئي والاستثماري في إدارة هذه المنشآت.
وعليه يمكن القول أن سدود الجزائر اليوم لم تعد مجرد منشآت لتخزين المياه أو صد الفيضانات، بل أصبحت فضاءات حيوية تجمع بين حماية الموارد الطبيعية، ودعم النشاط الاقتصادي، وتعزيز السياحة والترفيه، لتصبح جزءا من إستراتيجية متكاملة لخدمة المواطن والبيئة والاقتصاد الوطني على حد سواء.

مقالات ذات صلة