سد إيغيل أمدة بخراطة… شاهد على البطش الاستعماري الصامت
يمثل سد “إيغيل أمدة” بخراطة نموذجا صارخا لسياسة الاستغلال الأقصى التي انتهجها المستعمر الفرنسي، حيث تحولت ورشات بناء هذا السد الركامي بين عامي1948 و1954 إلى ما يشبه معسكرات العمل الإجباري التي غُلفت بغطاء التحديث الهندسي البراق، بينما كانت تخفي في جوهرها وجها مظلما من وجوه التنكيل بالإنسان.
فهذا الصرح، الذي يرتفع 75 مترا ويمتد طوله عند القمة لنحو710 أمتار ليحجز150 مليون متر مكعب من المياه، لم يكن مجرد إنجاز تقني، بل كان واجهة لإخفاء “لا إنسانية هندسية” استرخصت أرواح العمال الجزائريين وحولتهم إلى مجرد أدوات استهلاكية لتشييد جدار السد وحفر أنفاق تحويل المياه المعقدة التي تخترق الجبال بطول يتجاوز8 كيلومترات، هذه الأنفاق الأسطورية لم تُحفر إلا لتغذية محطة درڤينة لتوليد الطاقة الكهربائية، حيث استُنزفت دماء العمال في باطن الجبال لضمان تدفق المياه بقوة هائلة نحو التوربينات، وتأمين الرفاهية الطاقوية للمدن والمصانع الاستعمارية على حساب أرواح بئيسة كدحت في ظلمات الأنفاق.
إن قصص العمال الذين سقطوا من قمم الجبال أو طُمروا تحت كتل الخرسانة المتصلبة لتسريع وتيرة الإنجاز تكشف عن عقلية استعمارية اعتبرت جسد “العامل المحلي” مجرد وقود رخيص لتحقيق مجد إمبراطوري زائف، فلقد أُجبر آلاف العمال، الذين استُقدموا من المداشر والقرى الفقيرة، على التعامل مع تقنيات ردم وتفجير كانت تعتبر طفرة في ذلك الوقت، لكنها كانت تفتقر لأدنى شروط السلامة بالنسبة للعامل الجزائري الذي كان يُوضع في الخطوط الأمامية لمواجهة مخاطر الانفجارات الصخرية والانهيارات في جوف الجبال، بينما كانت وسائل الأمان الحديثة والوقاية الطبية حكرا على الأطقم الأوروبية والمهندسين الذين أداروا المشروع بعقلية السيد والعبد.
ولم يتوقف البطش عند الإرهاق الجسدي، بل تعداه إلى سياسة التجويع والتمييز العنصري في الأجور والعلاج، حيث كان العامل الجزائري يُعامل كأداة صماء تُستبدل فور تعطلها، ويُحرم حتى من حق التداوي أو التعويض عن إصابات العمل التي خلفت عاهات مستديمة، حيث كان المستعمر يعتبر هذه الأرواح “خسائر تقنية” غير مكلفة، ولم تكن الإدارة تكلف نفسها عناء إحصاء دقيق لهؤلاء الضحايا الذين ناهز عدد المسجلين منهم فقط 180 عاملا، بينما طوى النسيان مئات آخرين.
إن أبشع صور البطش لم تكن في القتل الجسدي فحسب، بل في “الإعدام المعنوي” لهوية هؤلاء الشهداء، فقد تعمدت الماكينة الإدارية الاستعمارية تهميش أسماء العمال الجزائريين في التقارير الهندسية والاحتفالية التي كانت تُمجد الإنجاز، حيث سُجل الكثير منهم بأسماء ناقصة أو مجرد أرقام في دفاتر الورشات، مما جعل تتبع مصائرهم بعد الاستقلال مهمة شاقة للعائلات، حيث يعكس هذا الجحود المتعمد رغبة المستعمر في نسب “المعجزة التقنية” لسد خراطة ومحطة درڤينة إلى العبقرية الأوروبية وحدها، مع طمس حقيقة أن كل نفق حُفر وكل صخرة وُضعت كانت بساعد جزائري أُجبر على العمل تحت التهديد.
هذا السد الذي يمثل اليوم شريان طاقة وحياة، يحجز في أساساته العميقة حكايات ظلم صامتة لرجال نُهبت قواهم في ظروف مناخية وجغرافية قاسية، حيث كان البرد القارس وصعوبة التضاريس يضاعفان من مرارة السياط المعنوية التي كان يسلطها “المراقبون” على رقابهم، ليظل جدار السد شاهدا تاريخيا أبديا على أن كل حجر في مكانه وكل متر مكعب من خرسانته قد جُبل بعرق ودموع ودماء جزائريين عوملوا كآلات بشرية لا حقوق لها، محولين هذا الصرح في جوهره إلى ضريح كبير يخلد تضحيات شعب رفض الانكسار أمام آلة البطش التي حاولت طمس إنسانيته خلف جدران الإسمنت الصماء.