ماكرون أساء تقدير الرد الجزائري حول موقفه من الصحراء الغربية
وصف المؤرخ، بنجامان ستورا، سياسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تجاه الجزائر، بـ”المتقلبة”، ما جعلها غير مناسبة لعلاقات خاصة مع دولة يربطها بفرنسا تاريخ حافل بالدماء والمآسي والتجويع، كما رأى بأن الرجل الأول في قصر الإيليزي لم يحسب جيدا موقفه بشأن قضية الصحراء الغربية، قبل نحو سنتين.
وخصصت صحيفة “لوبنيون”، في عدد الخميس، ملفا من ثلاث صفحات للجزائر جاء تحت عنوان “2027، الجزائر ميدان معركة الرئاسيات”، وكان بنجامان ستورا أحد المشاركين في هذا الملف بحوار، حاول من خلاله تلمس مكامن الأزمة التي عصفت بالعلاقات الثنائية، التي لم تكد تخلص من عقبة إلا وسقطت في واحدة أكبر منها.
وسئل ستورا عن القراءة التي يمكنه تقديمها بخصوص سياسة إيمانويل ماكرون تجاه الجزائر؟ فرد قائلا: “تتسم هذه السياسة بتقلبات حادة، وبشكل عام، بنفاد صبر لا يتناسب مع قضية طويلة الأمد، بل تغذي جراحًا لم تندمل، وحنينا متأصلا إلى عظمة فرنسا، وتحولًا في النقاش نحو الهوية الوطنية”.
وأوضح المؤرخ الفرنسي بأن ماكرون الذي زار الجزائر في الفترة من 2017 إلى 2022، وفي ديسمبر 2017 وأغسطس 2022، قدم الكثير من المبادرات من أجل تعزيز العلاقات مع الجزائر، غير أن موقفه من قضية الصحراء الغربية هدم كل شيء، وقال: “لقد سار ماكرون على خطى معسكره السياسي الأصلي، اليسار، وأظهر رغبة حقيقية في المضي قدما. وقدّم تعهدات من خلال الاعتراف بمسؤولية الدولة عن اختفاء موريس أودان، واستخدام التعذيب، وتكريم المتظاهرين الجزائريين الذين قتلوا في 17 أكتوبر 1961، وغير ذلك. وكان يضع في اعتباره الذكرى الستين لاتفاقيات إيفيان، وألقى خطابًا هامًا في قصر الإليزي في 19 مارس 2022″، غير أن كل ذلك، يضيف ستورا “توقف باعترافه بالسيادة المزعومة للنظام المغربي على الصحراء الغربية في أكتوبر الأول 2024”.
والمؤسف، برأي المؤرخ الفرنسي، أن موقف باريس جاء بعد ما “بدأ الجزائريون بالتعاون، لاسيما بالموافقة على تشكيل لجنة مشتركة من المؤرخين، وهو ما شكل خطوة حقيقية إلى الأمام. آمن الرئيس تبون بهذا الأمر إيمانًا راسخًا، وعلى الرغم من وجود مشاعر معادية لفرنسا في الجزائر، فقد تمسك بهذا الموقف حتى تراجعت فرنسا عن موقفها بشأن الصحراء الغربية”.
وحول ما إذا كان ماكرون قد أساء التقدير بشأن موقفه من قضية الصحراء الغربية، لم يستبعد بنجامان ستورا ذلك، قائلا: “لا أدري إن كان قد استهان بالإرث التاريخي الفرنسي الجزائري العريق على ضفتي البحر الأبيض المتوسط. فما زالت ذكرى 1.5 مليون مجند فرنسي ومليوني جزائري (من أصل 9 ملايين) نزحوا إلى المخيمات خلال الحرب حاضرة في الأذهان”.
ولاحظ: “هذه الأرقام ليست بالهينة بالنسبة لـ900 ألف جزائري و2.2 مليون مواطن يحمل جنسية مزدوجة يعيشون في فرنسا اليوم، ولـ6 ملايين شخص الذين تأثروا بشكل أو بآخر بهذا التاريخ المشترك”، مشيرا إلى أنه في عام 2024، أثار احتمال قطع العلاقات الدبلوماسية قلقا بالغا لدى حاملي الجنسية المزدوجة.
وبرأي بنجامان ستورا، فإن حضور الجزائر كموضوع في الحملة الانتخابية للرئاسيات الفرنسية، كان قويا في عهد الرئيس الفرنسي شارل دي غول، إلا أن ذلك اختفى إلى غاية 2007 مع حملة نيكولا ساركوزي، الذي عمل على استقطاب أصوات من حزب التجمع الوطني المتطرف (حزب لوبان)، الذي أعلن نيته مراجعة اتفاقيات إيفيان. وشدد المؤرخ على أن ملف الذاكرة يجب أن يحل، لأن الذاكرة التي تهمل، كما قال، تنقل بشكل سيء وتغذي أوهام الهوية.