الرأي

سقوطٌ مدوّ لـ”السلطان” أردوغان

حسين لقرع
  • 5415
  • 39

نسف اتفاق تطبيع العلاقات بين تركيا والكيان الصهيوني كل تلك الهالة التي بناها طيب رجب أردوغان حول نفسه منذ سنوات عديدة وهو يدغدغ مشاعر العرب والمسلمين بالخطابات “البطولية” عن غزة والأقصى وفلسطين.. الآن أكد “السلطان” أردوغان أنه كان يبيع للشعوب السراب والوهم، وأنه لا يختلف جوهرياً عن أسلافه الأتاتوركيين، ولا عن بقية الحكام العرب والمسلمين الذين نفضوا أيديهم من القضية الفلسطينية وباعوها بأبخس الأثمان.

من أجل مكاسب اقتصادية غير ذات قيمةٍ كبيرة، قبل أردوغان بتطبيع العلاقة مع كيانٍ إجرامي مارق يحتلّ فلسطين ويمعن في التنكيل بسكانها وارتكاب أبشع الجرائم بحقهم ومصادرة أراضيهم وتهويد مقدّسات 1.5 مليار مسلم، فما الذي يجعل أردوغان إذن مختلفاً عن الأتاتوركيين الذين ألحقوا العار بتركيا حينما جعلوها أوّل دولة مسلمة تعترف بما يُسمّى “دولة إسرائيل” بعد قيامها في 1948؟

لو كان أردوغان صادقا في خطاباته حول فلسطين وغزة المحاصَرة، لاتخذ جريمة قتل 10 أتراك على متن سفينة “مرمرة” ذريعة للقطيعة الأبدية مع الكيان الصهيوني، ولكنه فضّل مصالح بلده على المبادئ فأقدم على تطبيع العلاقة مع هذا الكيان والقبول بعودة التعاون العسكري والأمني معه، أليس هذا إضفاءً للشرعية على احتلال فلسطين وقضمِ أراضيها وتهويد مقدَّساتها والتنكيل بشعبها وحصار مليونين من أبنائها في غزة؟  !

حينما نجح حزب “العدالة والتنمية” في الوصول إلى الحكم بتركيا في عام 2002 بعد قرابة سبعة عقودٍ من حكم العسكر، ونجح أردوغان في بناء اقتصادٍ تنافسي قوي احتلّ المرتبة الـ17 في قائمة أقوى الاقتصادات العالمية، اعتبرنا ذلك دليلاً على إمكانية نجاح الديمقراطية في الدول الإسلامية، ونجاح الإسلاميين المعتدلين في حكم بلدانهم وإخراجها من التخلّف وتقديم أنموذج مُشرق للإسلام قائم على التنمية ومنافسة اقتصادات أقوى دول العالم، ما يغيّر الصورة النمطية المأخوذة عن الإسلام في الغرب كدين رافض للديمقراطية، قائم على التشدّد والعنف.. وحينما انتفض أردوغان لغزة بعد حرب 2009 وثار على بيريز أمام كاميرات العالم، وأرسل سفينة مرمرة باتجاه القطاع، رأت فيه الشعوبُ أملاً جديداً لفلسطين ولمقاومتها التي تركها العرب المتآمرون لإيران تنفرد بدعمها، كما رأت فيه قائدا مُسلما يعيد تركيا إلى جذورها الإسلامية بعد أن بالغ الأتاتوركيون في توجيه بوصلتها إلى أوروبا والغرب.. ولكن ها هو “وريث العثمانيين” ينسف كل هذه الآمال المعلقة عليه ويسقط بشكل مدوٍّ في أعين الشعوب بعد أن اتجه إلى تطبيع علاقاته مع الكيان الصهيوني الإجرامي مقابل دراهم معدودات وطمعا في نيل رضا أمريكا مجددا ودفعها إلى التخلي عن دعم الأكراد في سوريا.

انتهت المسرحية الآن بعد سنوات من العنتريات الفارغة وافتعال البطولات وخوض المعارك الوهمية، وتبيّن أن أردوغان ليس سوى أتاتوركيٍ آخر في ثوبٍ إسلامي زائف.

مقالات ذات صلة