الرأي

سقوط المتهافتين على قبة البرلمان!

من المؤشرات الإحصائية اللافتة في حصيلة الترشيحات التي أعلنتها “السلطة المستقلة للانتخابات”، تحسبا لموعد الاستحقاق البرلماني المقبل، هو تراجع القوائم المترشحة بنسبة 64 بالمائة، مقارنة بتشريعيات 2021، حيث نزلت من 2433 قائمة عبر الوطن، (2288 قائمة مقبولة)، إلى 854 قائمة انتخابية فقط في 2026.

والملاحظة الأبرز في هذا المؤشر الانتخابي هو أنه يمس بالأساس “قوائم الأحرار”، حيث هوت إلى 138 قائمة فقط في انتخابات 2 جويلية القادم (في حال قبولها كاملة) بعد ما بلغت 1244 قائمة مستقلة في آخر استحقاق برلماني.

بغضّ النظر عن تباين القراءات السياسية والتقنية المتعلقة بتفسير ما حدث، خاصة الفارق الجوهري الذي وفّرته مرحلة ما بعد حراك 22 فبراير 2019، وربما انكماش الرهان على تشكيل قاعدة نيابيّة من الأحرار في منافسة الطبقة الحزبية الموروثة عن العهد السابق، فإنّ تراجع التهافت البرلماني المفرط حالة صحيّة في بُعد آخر من العملية الانتخابيّة حتى لا تفقد مصداقيتها الشعبية.

لا شك أن التطلع إلى بلوغ قبّة البرلمان، كموقع مؤسساتي وسياسي واجتماعي، يبقى حلما مشروعا لمن حاز مؤهِّلات تمثيل الشعب والنيابة عنه في التشريع والرقابة، بل لا عيبَ، ولعلّه يكون واجبا أحيانا، في ظروف النزاهة أن تتزاحم النخب القيادية وطنيا ومحليا على ترشيح نفسها، لكسب تزكية المواطنين في تمثيلهم برلمانيّا، لأنّ النيابة منوطة في الأصل بأهل “الحلّ والعقد” من أعلام المجتمع، وينبغي أن لا تُترك أبدا أمرًا سبْهللاً لأصحاب الطمع من ذوي النفوس الصغيرة.

لكنّ فحصًا مسحيًّا على المتهافتين على الترشح النيابي في 12 جوان 2021، ثم نتائج الانتخاب النهائية وتشكيلة المجلس الشعبي الوطني المنبثقة عنها، أثبت للأسف تضاؤل تقدير خطورة التمثيل الشعبي والتصدُّر لأمر الشأن العام، إذ أضحى تقلّد المسؤولية، لدى الكثير من طالبيها الحزبيين والأحرار، مجرّد فرصة لمغنم مادي، من السذاجة التفريط فيه، وإيثار الغير بمزاياه، مهما علت أهليتُه، فقد كان شعار المتدافعين من هواة السياسة “نحن رجال وهم رجال ليسوا أحق بها منّا”.

ومن وقف على تكوين هؤلاء المزاحمين على البرلمان، وراجع مسارهم وتنشئتهم يجدها بعيدة تمامًا عن مستوى الأداء البرلماني وما يقتضيه من قدرات تؤهِّل صاحبها للمشاركة فعليا في بناء الدولة من بوابة السلطة التشريعية.

بل إنّ مجرد معاينة فكرية سريعة لجدارياتهم الافتراضية تؤكد أن لا رأيَ معتبرًا لهم في قضايا الشأن العام، ولا تصوّرا وازنا يعكس تفكيرهم في شؤون التنمية وإصلاح الدولة. وكل زادهم خربشات هاوية و”سيلفيّات” وديّة ومجامع حول أطباق الأكل وفي أحسن الأحوال تعليقات بسيطة في جزئيات ثانوية.

ومع ذلك، يتجرؤون على طلب صوت الشعب لتمثيله من دون حياء من أنفسهم، في وقت تهيَّب عقلاء من الكبار وعليّة القوم الشرفاء مسؤوليةَ النيابة العامة، لاعتقادهم أنّ الشروط والإمكانات لا تسمح لهم بتجسيد وعودهم الانتخابية الشعبية.

إن ما دفع ويدفع كثيرا من الطامعين في الوصول إلى البرلمان بغرفتيه، زيادة على استسهالهم للمهمة البرلمانيّة، هو حساباتهم المبنيّة على شهرتهم في الأوساط الاجتماعيّة ربما بحكم الانتماء القبلي أو الوظيفة المهنية أو النشاط التطوعي وغيرها، وكذلك نجوميتهم الافتراضية على مواقع التواصل، حيث يرون مثل ذلك كافيًا للتأهيل البرلماني، ما يعني ببساطة أنهم جعلوا من حضورهم العامّ منصّة لطموح أكبر بكثير من حقيقتهم.

إنْ كنا نحترم مواقع بعض هؤلاء وأداءهم المجتمعي أو المهني، فإن ذلك لا يمنحهم صك عبور لدخول البرلمان، لأن هذه الوظيفة مختلفة تمامًا لمن يقدِّرها حق قدرها، وتتجاوز في مقتضياتها ومسؤوليتها مجرّد تداول اسم الشخص بين الناس، إلا إذا كان محفِّزُه الوحيد هو رغبات الطمع والمنافع المادية المرجوّة من دخول السباق الانتخابي.

إن ما نلْحظه دائما من تدافع محموم للصغار على خوض المنافسة النيابية، يعكس بوضوح مؤشرات التمييع التي طالت الاستحقاقات الانتخابية في بلادنا، وهو من تداعيات عملية التصحير طيلة عقود سابقة ضد التجربة التعددية، حتى نأى الرفيعُ بنفسه عن وحَل العمليّة السياسية، ليندفع نحو دهاليزها الوضيعُ والرضيع.

إذا كانت الانتخابات قدر السياسة، فإننا لا نتمنى أبدا أن يجد الجزائريون أنفسهم في نهاية المطاف مرتهنين بين خيارات التزوير ومرشحي المال الفاسد سابقا أو المفاضلة السيئة حاليا بين نوّاب السراب الكاذب في العهد الجديد ولن يكون كذلك بمثل هؤلاء!

لذا، فإنّ المطلوب من المواطنين أن يتقدموا بقوة إلى الحملة الانتخابية ثم صناديق الاقتراع لقطع الطريق على المغرورين والمغمورين، من الذين يعوِّلون على الظفر بحصاد التصويت العقابي والاستثمار في حالة الفراغ والاستقالة الجماعية، حتى لا نجد أنفسنا بعد 7 سنوات من الحَراك الشعبي تحت رحمة برلمان هجين، لا لونا فاقعا له ولا مذاقا حلوا فيه ولا رائحة زكية تفوح منه.

إنّ تجنّب هذا السيناريو السيء يقتضي، التحلي بروح الوعي وقيم التجرّد من المطامع الخاصة، خشية السقوط في تزكية من لا يستحق، بنوازع القرابة والعشيرة والعروشية والجهوية والمصالح الشخصيّة، لأنّ مثل هؤلاء الانتهازيين لن يخدموا الأشخاص الطامعين فيهم ولا مناطقهم ولا الوطن، ولن يكون همُّهم سوى تحقيق مآربهم الضيقة، إذ أنّ فاقد الشيء لا يعطيه.

مقالات ذات صلة