الرأي

سقوط “سايكس بيكو” في قطر!

محمد سليم قلالة
  • 1324
  • 0

لم تستسغ بعض الدوائر المُتحكِّمة في الإعلام الغربي أَنْ تَنجح قطر في إبراز وجه الأمة المُتسامح إلى العالم. لم تهضم كيف تَجرى مقابلات كأس العالم من دون أن تعبقها رائحة الخمور. لم تتقبّل كيف يَسمع كل شباب العالم صوت الآذان خمس مرات في اليوم ويتقبّلون ذلك. لم يعجبها أن يُجمِع العالم أن ما عرفته دورة قطر لم يسبق أن عرفته دورة قبلها، سواء من حيث التنظيم أو من حيث نوعية الاستقبال وكرم الضيافة. والأكثر من ذلك، لم يعجبها، بل بلغت حد الهستيريا وهي ترى “سايكس” الانجليزي و”بيكو” الفرنسي صانعي التقسيم والتجزئة في العالم العربي يسقطان سقوطا حرا… لم تفهم هذه الدوائر كيف أن هذا العالم  الإسلامي الذي جزَّأته وعَملت لأكثر من قرن من الزمن على تقسيمه، ومازالت تفعل، مازال ضميرُه حيًّا، وما زالت شعوبه تتطلع إلى الوحدة ويؤازر بعضُها بعضا، ومازال وجدانها واحدا وفرحتها واحدة وحزنُها واحدا، والأهم من كل ذلك وفوق كل ذلك قضيتها واحدة: فلسطين فوق الجميع.
كيف لا تُجَنُّ هذه الدوائر غير الصديقة المُتحكِّمة في صناعة القرار الغربي ولا تُصاب بالهستيريا.. كيف لا تجتمع في حالة من الاستعجال وتسعى إلى مواجهة الأمر؟ كيف لا تسعى إلى التفكير في القيام بأمر ما وهي ترى كل هذه العقود من محاولة كسر لحمة هذه المجتمعات ووحدة شعوبها تذهب هباءً منثورا؟ 

لقد سقط “سايكس بيكو” في قطر حقا أمام مرآى الجميع.. نعم بات واضحا أن هناك ما هو أقوى من التجزئة المادية والسياسية والاقتصادية.. ما هو أقوى من خطط التقسيم والتفرقة.. ما هو أقوى من الخلافات المُصطَنعة في كافة المجالات وعلى جميع المستويات: الوحدة المعنوية والروحية للأمة ووحدة شعورها بالانتماء ما زالت قائمة.. بل وتنبض بالحياة في قلوب الشباب الصاعد.. وذلك هو الأهم.
لذلك تحركت الآلة الدعائية لهذه الدوائر لمواجهة ما اعتبرته إشارات غير مُريحة قادمة من قطر، وإشارات حاملة لمستقبل أطاحت بشكل صريح بـ”سايكس بيكو” القديم و”أبراهام” الجديد.
ما الذي فعلته في الأيام القليلة الماضية؟
أرادت أن لا تترك الوقت لهذه القيم السامية حتى تنمو وتنتشر.. أرادت أن تُشوِّهها بحدث أكبر وبسلوك مُشين لعله يُعيد إلى الأذهان تلك الصورة المشوَّهة عن الشعوب العربية والإسلامية، أنها شعوب لا تصلح سوى للمؤامرة والفساد والتطرّف.. وكالعادة ستبحث عن ضالتها في مجال التلاعب بالعقول.
وهكذا خرجت لنا فجأة بكلمة واحدة تقول: انسوا تلك القيم التي رأيتموها لأيام خلال كأس العالم وتذكروا أمرا واحدا نعلنه لكم: إن قطر تُصدِّر الفساد بدل تلك القيم السامية! وعليكم أن تصدِّقوا ذلك.. وسنضحي ببعض قادتنا لكي تُصدِّقوا ذلك.
وتم تفجير قضية الفساد في الاتحاد الأوروبي قبل أن ينتهي كأس العالم..
ولم تتخلف واحدة من كبريات وسائل الإعلام العالمية التي تتحكم الدوائر الغربية غير الصديقة فيها، عن ربط قضية الفساد التي عرفها الاتحاد الأوروبي بدولة قطر.. وتم الدفع بالإعلام العالمي المهيمن عليه من قبل لوبيهات معروفة، ليُثير ما زعموا أنه قطر غيت (على شاكلة “واترغيت”) القائمة على الفساد والسلوك الدنيء.
وهكذا بدأت هذه الدوائر معنا فصلا آخر من محاولة الإبقاء على عصر التجزئة والهيمنة والاستغلال والمعاملة الدونية.
إنها لا تريد أبدا أن ترانا في ثوب المنتصر الناجح، المتطلع إلى المستقبل العامل على استعادة الأمل في الوحدة والتحرر، لذلك قامت مرة أخرى بالعمل الذي تُتقنه: محاولة تعميم الفساد الذي هي مصدر نشأته، وصانعة مَن يصنعه.
ولكن هيهات أن تستطيع هذه المرة حتى ولو أرادت؛ لقد بات واضحا أن ضمير الأمة، خلافا لباقي المستويات، مازال نقيّا وحيّا، وفي أيِّ لحظة قادر على استعادة المبادرة والصدح بصوت واحد: إننا أمة واحدة، ولا أمل في نجاح لا “سايكس” ولا “بيكو”، ولا مَن حل محلهما أخيرا “ابراهام” الجديد.

مقالات ذات صلة