سكوت.. “إحنا نقتل”
تعتبر مدينة حمص ثالث أكبر المدن في سوريا بعد دمشق وحلب، حيث تتنوع فيها الطوائف والمذاهب الدينية. وهو ما لاحظناه خلال احتكاكنا بالبعض. وصولنا إلى هناك كان عشية تفجير حي الزهراء، أعرق الأحياء وأقدمها. يسمى بحي الموالين، نسبة إلى الطائفة العلوية، التي تسكنه. وهي نفس طائفة الرئيس بشار الأسد، التي ما زال يتكل عليها في دعم نظامه.
طلبنا من المرافقة، التي كانت معنا، أن تأخذنا إلى هناك، رغم أننا لاحظنا أن الظروف الأمنية كانت تحت الصفر، وهي جد متدهورة، بل إنني كنت متأكدة من أن النظام لن يصمد في حمص طويلا. انتقلنا صباحا إلى هناك. كانت نقاط التفتيش كثيرة وتابعة لمختلف التشكيلات الأمنية، أخطرها الأمن السياسي والعسكري، الذي يتبع جهاز المخابرات، التي قد تعتقل أي مشتبه فيه في غياهب سجون النظام. بين النقطة والثانية أمتار فقط. استغربت الموضوع وسألت المرافقة التي أخبرتني بأن التفجيرات في حمص كثرت ووصلت في حي الزهراء فقط إلى أكثر من 40 تفجيرا انتحاريا في أقل من سنة.
..رقم مهول فعلا، كنت أتساءل عن أسبابه، خاصة في ظل وجود مثل هذا التشديد الأمني، لكن عن أي تشديد نتحدث؟ فكثيرا ما وصلنا إلى نقاط تفتيش لا يدقق عناصرها في أصحاب السيارات أو حتى السيارات أصلا. ربما لأن صاحبها يملك بطاقة المرور السحرية الخاصة بالنفوذ، التي ربما تكون مزروة، أو ربما لأن صاحبها قدم الورقة السحرية الثانية الخاصة بالمرور، وهي الورقة المالية الخضراء صاحبة الـ1000 ليرة سورية.. وفي حالة ما كان الأمر يتعلق بالمواطن العادي، فإن التفتيش يكون عاديا ويقتصر فقط على تفتيش شنطة السيارة.. أمر أثار استغرابي فعلا. فكثيرا ما مررنا أجهزتنا ومعدات التصوير تحت المقاعد وبين الأرجل دون أن ينتبه أي عنصر في أي نقطة تفتيش.
وما شد انتباهي أكثر هو غياب أي جهاز متطور للتفتيش في أكبر المدن التي تشهد عمليات انتحارية تستهدف طائفة الرئيس، الذي لم يول أي اهتمام لها وكأنه حسبهم تخلى عنها. مررت على أكثر من نقطة، بل مررت على كل النقاط داخل حمص ولم أجد شرطيا أو جنديا أو عسكريا بيده جهاز تفتيش.. رأيت واحدا لكنه كان عند مدخل مبنى المحافظة، أدركت من تعابير وجوه العناصر الذين يقبعون تحت برد يصل إلى تحت الأربع درجات نهارا أنهم سئموا من هذه الحالة.. فلا راتب جيدا ولا حال صلحت منذ خمس سنوات ولا هم زاروا أهلهم منذ ذلك الوقت ولا جديد يذكر عند الساسة والسياسة. والنتيجة تسيب في نقاط التفتيش وقتلى بالآلاف.
عندما يدفع العلويون ثمن انتمائهم
وصلنا إلى آخر نقطة تفتيش تدخل منطقة الزهراء. كان الازدحام شديدا ورغم أن مرافقتنا قدمت التكليف بمهمة عملنا ليسهل علينا الجيش المرور، إلا أن هذا الأخير رفض التعاون معنا ورفض دخول السيارة أصلا. الأمر الذي أجبرنا على النزول وإكمال الطريق مشيا. أعجبتني الفكرة، لأنها كانت ستقربنا من الشارع السوري أكثر، حيث لمست الاحتقان في الأعين واليأس والبأس. لا يخلو أي شارع من صور الرئيس وجملة “إحنا منحبك”. ولا يخلو أي محل أيضا من العلم السوري. أعادت لي الصورة في تلك الأثناء ما تشهده دمشق من إجبار على طلاء المحلات بلون العلم السوري. أدركت أنه نفس الأسلوب المستعمل هنا. شد انتباهي منزل وقد تضرر من التفجيرات.. تقدمت مع المصور لأخذ بعض اللقطات.. وهنا تقدم مني ثلاثة رجال وطلبوا مني نقل الحقيقة كاملة عما يجري معهم، سألتهم إن كانوا لا يمانعون من الحديث أمام الكاميرا فلم يمانعوا.
تقدم أحدهم وبدأ يصرخ أمام الكاميرا، مطالبا الدولة بحمايتهم، وبتغيير المنظومة الأمنية الفاشلة المنتهجة. وما هي إلا لحظات حتى وجدت أشخاصا بالزي المدني يطلبون من نفس المتحدث الصمت. كانوا مخبرين لازموني منذ خروجي من الفندق. سكت الرجل بل أدرك أنه دخل في الممنوع. أما أنا، فبقيت مندهشة لجرأتهم على منع المواطنين من الحديث معي وأمام عيني، فما كان مني إلا أن طلبت من المصور إطفاء الكاميرا واستدرت باتجاه المرافقة لأخبرها بأن ما حدث عيب وأن يتركوني أعمل بمهنية لا أن يسيروني كما يرغبون.
حاولت المرافقة تلطيف الجو وطلبت مني تغيير المكان والتعمق والدخول أكثر إلى حي الزهراء، وفي تلك الأثناء لاحظت أن المخبرين الذين كانوا يلازمونني كظلي استبدلوا بنساء كن يراقبنني ويراقبن من يتحدث معي من بعيد. التشديد الأمني حولي والمرافقة، جعلاني أدرك أن المخابرات متخوفة من وجودي داخل حمص، ربما لأنهم كانوا يدركون الغليان الشعبي الموجود ضدهم، وعدم التأييد الكبير أو ربما أيامهم الأخيرة هناك.
وصلت إلى مدخل حي الزهراء، ذي الأغلبية العلوية. الحي شهد منذ ساعات فقط أكبر عملية انتحارية في تاريخه. فرغم أنه عاش أربعين تفجيرا، إلا أن التفجير الأخير كان قاتلا بالنسبة إلى السكان، من حيث عدد القتلى الذي فاق الثلاثين، حسب إحصائيات رسمية غير مؤكدة. فالنظام كثيرا ما يخفي العدد الحقيقي للقتلى والجرحى.. هنا، في هذا الحي، ومنذ ساعات فقط، دخل انتحاري بسيارة إسعاف مليئة بالمتفجرات وفجر نفسه وسط عدد كبير من المواطنين.
..وفي الوقت الذي كان فيه المواطنون يهرعون إلى مساعدة الجرحى، كانت هناك سيارة أخرى تم تفجيرها عن بعد. وفي نفس الوقت نزل انتحاري ثان حاول بعض المواطنين الإمساك به لكنه فجر نفسه آخذا معه كل من كان يمسك به، ليكتمل بذلك مشهد الكارثة. الجميع هنا يتساءل: كيف دخلت هذه الكميات المعتبرة من المتفجرات التي هدمت البنى التحتية للحي؟ وكيف لثلاث عمليات انتحارية أن تتم في وقت زمني واحد دون أن يتحرك أي جهاز أمني لذلك؟ كيف يدخل الانتحاري سيارة إسعاف بها متفجرات؟ ومن أين أتى بها أصلا؟
..أسئلة كثيرة يطرحها المواطنون دون أن يجدوا إجابات لها. أحسست أن بعضهم ندم لكونه من طائفة الرئيس. فالرئيس وحاشيته خلف الأسوار والحماية، ومن يدفع الثمن أبناء الطائفة العلوية الذين باتوا المستهدفين رقم واحد في مدينة حمص.
المسموح الممنوع
عند مدخل حي الزهراء الرئيس توجد نقطة تفتيش أقامها أبناء الحي الذين سئموا من وعود الأجهزة الأمنية، التي ربما زادت من تسيب الأمر. كانوا شبابا في العشرينات من العمر، لا يملكون أجهزة الكشف عن المتفجرات.
وكل ما يقومون به هو تفتيش محرك السيارة والشنطة الخلفية ومن ثم التدقيق في الوثائق. أخبرتني مرافقتنا بأن وجود شباب الحي أفضل لكونهم يعرفون أبناء المنطقة والدخيل منهم. مدخل الحي يحكي لوحده وقبل أن نسأل تفاصيل العمليات الانتحارية، فرائحة الدم ما زالت في كل مكان وصوت آيات القرآن تخرج من الخيم التي نصبت لتسلم العزاء في القتلى.
..الحي مدمر عن آخره. فكل البيوت نزلت أرضا من شدة التفجير، ولم أجد أمامها إلا رجالا جالسين أمام الخراب رؤوسهم نحو الأرض. فمنهم من فقد الأهل والبيت في لحظة واحدة ومنهم من فقد الأرض والعرض منذ سنوات. اقتربت من أحدهم وقدمت له العزاء. فقد كان أبا لثلاثة أطفال وزوجة. فقدهم في نفس اليوم. قام الرجل من مكانه وبدأ يسب المحافظ والأجهزة الأمنية التي لم تحرك ساكنا لإيقاف شلال الدم الموجود في حمص. طلب مني الرجل نقل الصورة كما هي ونقل معاناتهم وأصواتهم. ربما كان يقصد إيصال الصوت والصورة التي لم توصلها أو تمتنع عن إيصالها القنوات الحكومية السورية. لاحظت بعد دقائق من حديث الرجل المسجل معي أنه كان يلتفت يمينا وشمالا. وعندما طلبت منه الدخول والتصوير داخل ما تبقى من منزله رفض إكمال الحديث معنا بل وهرول باتجاه آخر. التفت خلفي لأجد أشخاصا كثرا لم أستطع أن أميز المخبرين من بينهم لكنني كنت متأكدة أنهم لن يدعوني أعمل بحرية.
أكملت طريقي داخل نفس الحي لأفاجأ بشخص يكلمني من أعلى بناية: “من أنت؟ وماذا تفعلين هنا؟ اخرجي من حينا.. لن نسمح لك بالتصوير ولا بالحديث معنا…؟” انتظرت رد فعل المرافقة أو المخبرين لكنني وجدتها تطلب مني المغادرة فورا، عندها أبعدت يدها واستدرت أمام الجميع باتجاه الرجل وقلت له: “إذا كنت صاحب البناية فلك أن تمنعني من تصويرها أما باقي الحي فلا علاقة لك به ولا أسمح لك أصلا بالحديث معي”.
..أردت من خلال ما فعلت أن أوصل إلى من أرسله أنني لا أخاف من التهديدات، خاصة أن نفس الجهات الأمنية كانت مدركة أنها لم تكن مسيطرة على حالة الغليان التي كان يعيشها الشارع الحمصي. أكملت طريقي داخل الحي لألاحظ قدوم وفد من الأجهزة الأمنية.. لم يكن باتجاهي إنما باتجاه الخيم الخاصة بالعزاء. أخبرني أحدهم بأنها الزيارة الأولى من نوعها لقيادات الأجهزة الأمنية برتب متفاوتة، خوفا منهم من انتفاضة يعرفون أنها قريبة. دخل هؤلاء إلى إحدى الخيم الخاصة بالدكتور راكان جميل.. كان طبيب الحي ويشهد له الجميع بأخلاقه الطيبة وإسعافه المرضى بالمجان.
..أخبرني ابن الدكتور القتيل بأن والده، بعد التفجير الأول عن طريق سيارة الإسعاف، حاول الاقتراب من المصابين ومساعدتهم ليكتشف أن بجانبه شخصا يقوم بالتكبير ومحاولة تفجير نفسه. الأمر الذي جعله يقترب منه رفقة شخصين آخرين حاولا منعه، لكن الانتحاري استطاع الضغط على زر التفجير آخذا معه كل من حاول منعه، ومنهم الدكتور راكان الذي أخبرنا ابنه بأنهم لم يجدوا رأسه ونصف جسده.
تودد الأجهزة الأمنية
حاول العقداء ترطيب الجو عن طريق كلمات في حق القتلى، واعدين المواطنين بحماية أمنية أكبر في القريب العاجل.. كلمات لم يهضمها الحضور بل كان البعض منهم يتمتم مع الآخر، ورغم أني لم أسمع الحديث الدائر إلا أنني شعرت بأنهم كانوا يقولون: “لقد مللنا من وعودكم ورتبكم ومجيئكم”. هو ملل مبرر في ظل صور الدمار والخراب الكبير الذي شهده الحي. دمار جعل المواطنين يلتفون حول كاميرا “الشروق” ليبدوا امتعاضهم من المحافظ الذي خرج بعد الحادثة ليخبرهم بأن الدولة ستقدم لهم 20 مليون ليرة سورية كتعويض. اقتربت مني فتيات رفضن الخضوع للتهديد بعدم الحديث، بالعكس كان حديثهن مباشرا أمام الكاميرا: “لقد مللنا من الوعود. كيف تخرج علينا أيها المحافظ وتقول إن الدولة ستعوضنا بـ20 مليون ليرة سورية؟ هل هذا المبلغ لأرواح قتلانا أم لمنازلنا المدمرة؟ مبلغك لا يكفي حتى لترميم المنازل وليس لإعادة بنائها. نحن شعب مظلوم ومواطنو حي الزهراء ظلموا كثيرا.. يا دولة شعروا فينا شوي”.
..أحسست بأن ما جلب المواطنين هو كون وسيلة الإعلام جزائرية محايدة تنقل ما تشاهده، وليست مثل القنوات الحكومية السورية التي تنقل فقط من يقول “يحيا بشار”. اقتربت مني سيدة، في عقدها الخامس، طلبت الحديث معي.. أثرت في كثيرا، خاصة عندما بدأت البكاء على حالها.. فزوجها مختطف ولا تدري من أخذه منذ سنوات.. “وين الدولة وأنا ساكنة في كوخ وزوجي مختف منذ سنوات لا أدري أين هو وأي جهاز أخذه، لا أدري إن كان حيا أم ميتا. لا راتب لدي ولا طعام لأولادي ولا بيت يسترنا في عز البرد”. بكاء السيدة أمام الكاميرا جعل بعض المخبرين يتحركون باتجاهها، محاولين إسكاتها، لكنني حاولت منع تدخلهم خوفا عليها لأنني أحسست بأنها لم تكن مدركة لما كانت تقوله أو أنها كانت تقوم بعملية انتحارية أمام الكاميرا، التي باتت المتنفس الوحيد بالنسبة إليهم.
كان شعورا غريبا داخل حي الزهراء. فالكل يريد الحديث، لكن الجميع يدرك أن عواقب الحديث أمام وسيلة إعلام أجنبية أمر قد يدفع صاحبه ثمنه غاليا. لم يخل ذلك اليوم من توافد كبار الضباط من مختلف الرتب والأجهزة الأمنية.. بعضهم رفض الحديث والتصوير، والبعض الآخر كان تحت مرافقة أمنية مشددة خوفا من انتفاضة قد تحدث داخل الحي. أما البعض الآخر فقد كان يحتمي بقدومه مع كبار الأئمة والمفتين ورجال الدين من الكنيسة، الذين بسببهم يسمح لهؤلاء بالدخول وتقديم واجب العزاء. صور القتلى في كل مكان.. معظمهم شباب وأطفال في مقتبل العمر. قصصهم مختلفة، فمنهم من كان ضابطا لم يبرح مكان جبهته منذ سنوات، خاصة منهم من كان في جبهة مطار كويرس في منطقة حلب، لتشاء الأقدار بعد أربع سنوات من الغياب عن أهله أن يلقى حتفه في تفجير حي الزهراء. أما البعض الآخر، فكان من الفتيات اللاتي كان زواجهن منذ أيام قليلة مع شباب الحي الذين توفوا بدورهم في نفس التفجير. قصص يندى لها الجبين. فالنهاية مأساوية والسبب تقصير أمني أو تواطؤ أمني دفع ثمنه أبناء الطائفة العلوية.
كثيرا ما وصلنا إلى نقاط تفتيش لا يدقق عناصرها في أصحاب السيارات أو حتى السيارات، لأن صاحبها يملك بطاقة المرور السحرية الخاصة بالنفوذ، أو لأن صاحبها قدم الورقة السحرية الثانية الخاصة بالمرور وهي ورقة 1000 ليرة سورية.
أسئلة كثيرة يطرحها المواطنون دون أن يجدوا إجابات لها، أحسست أن بعضهم ندم لكونه من طائفة الرئيس، فالرئيس وحاشيته خلف الأسوار والحماية، ومن يدفع الثمن أبناء الطائفة العلوية الذين باتوا المستهدفين رقم واحد في مدينة حمص.



