سكوت.. هنا يرقد “الموتى” فوق “الأحياء”
قرأنا عن عديد القصص والحكايات، وعن وقائع تحدثت تفاصيلها عن معايشة الأحياء للأموات في المقابر، لكن هل التقطت آذاننا ورأت عيوننا أمواتا يعيشون فوق الأحياء!؟ هل شاهدتم عائلات تقطن تحت القبور، وتتخذ من الكهوف منازل لها؟ عن أناس ينامون بهدوء تحت الجثث، ولا تزعجهم تلك الزواحف من الأفاعي والثعابين التي تزرع الرعب مخترقة هدوءهم من حين إلى حين، زواحف تكون قد نهشت جثث موتى وانتقلت لتنهش أجسام في لحظة نوم؟
هي حقائق وتفاصيل استوقفتنا ونحن متواجدون بمنطقة بني بوبلان بأعالي مدينة تلمسان. ولم يكن بحوزتنا، إلا بضعة معلومات تاريخية، ونحن في طريقنا إلى منطقة بني بوبلان، أو كما اشتهرت منذ عديد السنين بمنطقة “الموتى فوق الحيين”، التي تقع أسفل هضبة لالة ستي في طريقنا إلى جنوب تلمسان.
بني بوبلان “الموتى فوق الحييّن”
في هذا المكان يعجز عقل الإنسان عن تقبل تلك الحقيقة، التي تجعلك حائرا، غير مصدق، أن تتخذ عائلات من كهوف جبلية منازل لها، البعض منها حولها قاطنوها إلى ما يشبه “مطبخ”، والبعض الآخر جعل منها “قاعة ضيوف”، أما البقية ففضلت الاحتفاظ بها كـ”ذكرى”، بعد ما أنجزت منازل لها على حواف هذه الكهوف، غير أن ما يثير الدهشة ويعطي للمكان هالة من الغرابة أن تتحول الأرضية التي تقع فوق هذه الكهوف إلى مقبرة، يدفن فيها سكان حي بني بوبلان موتاهم، وهي المقبرة التي لاتزال تستقبل عديد الموتى إلى يومنا هذا، في وقت تكون فيه عائلات بأكملها تقيم تحت المقبرة، وكأن لا شيء يحدث فوق “السطوح”، هذه السطوح التي هي بكل بساطة قبور متناثرة هنا وهنالك .
ثعابين من عالم الموتى تزور الأحياء
يقول أحد القاطنين في حديثه لنا أنه لا يجد أي مشكلة في المكوث داخل هذه الكهوف، وأن المقابر التي تقع فوق سطوح “الغيران”، أصبحت أمرا عاديا ومألوفا، بل يذهب محدثنا إلى حد استحضار بعض الذكريات، “لقد أخبرني والدي أن والدتي ذات يوم وهي ترضعني، لفت انتباهها ثعبان، كان يحاول اختراق إحدى الحفر من أعلى الكهف، قادما من عالم الموتى، إلا أنه ولحسن الحظ، تمكنت والدتي من قتله”، هي إحدى الذكريات التي ساقها أحد مواليد هذه الكهوف، وهي ذكرى من مئات الذكريات التي لاتزال منقوشة في أذهان أبناء “الكهوف” الذين ينامون بهدوء وسلام تحت الموتى، فيما يرقد الموتى فوقهم، بدون أي إزعاج أو كنوع من “المصالحة” الأبدية بين الإنسان الحي والإنسان الميت، حيث تمتد عشرات الكهوف، منها من خرج منها قاطنوه، وأصبحت شاغرة، أما ما تبقى منها فهي “محجوزة” من طرف عائلات تقطن منذ سنين في هذه “الغيران” التي كشف بشأنها سكانها، على أنها تعود إلى عهود قديمة، وأن أول شخص أقام فيها هو “بوبلان”، تقول بشأنه الراويات غير الرسمية التي استقيناها من السكان، أنه كان ذو بشرة سوداء يتخذ من أحد الكهوف مكانا للإقامة برفقة أفراد عائلته في ذلك الزمن الذي كشف بشأنه محدثنا أنه يعود للعهد الروماني، وتبقى هذه الرواية الشعبية المتداولة في أوساط السكان إلى يومنا هذا، إلا أنها تبقى غير مؤكدة.
أسطورة بوبلان الزنجي
اقتربنا من كهف “بوبلان”، وهو “غار” يتكون من قسمين، قسم مخصص لـ”بوبلان”، يشبه إلى حد بعيد مرقدا حجريا، أما القسم الثاني من الكهف كان مخصصا لأفراد عائلته، وهو انطباع، تحول مع مرور الأيام والسنين إلى حقيقة لدى غالبية السكان المقيمين في هذه الكهوف، ويبدو أن الطبيعة الخارجية للكهف هي التي فرضت هذا الانطباع الذي ترسخ في عقول الناس إلى حقيقية توثق لهذا “المسكن” الحجري، أما فيما يخص كلمة “بني”، فكنا نعتقد أنها مستوحاة من كلمة “أبناء”، إلا أن الحكاية الشعبية تقول أن مفردة “بني” تعني البناء، أو كما قال أحد سكان هذه المساكن الحجرية أن بني بوبلان تعني “بنّي في بوبلان”، وهي عبارة شعبية تبقى بحاجة إلى تدقيق، إلا أن الواقع المعاش بعيد عن جميع هذه التناقضات، يمكن في كون هذه المساكن الحجرية لاتزال تحتضن عائلات بأكملها تعيش بشكل جد طبيعي، وهي مساكن توفر العديد من الامتيازات لقاطنيها، خاصة في فصل الصيف والحر الشديد، حيث تبقى هذه “الغيران” تحافظ على نسبة مئوية جد مرتفعة من البرودة، تدفع السكان إلى استعمال أغطية دافئة في عز الحرّ.
إنسان العصر الحجري مرّ من هنا
كهوف المنطقة، التي تحولت إلى بنايات تقع في مكان، أشارت بشأنه اكتشافات قام بها الباحث البرتغالي “ج. بلايتشر” سنة 1875، أنها تعود إلى العصر الحجري المتوسط، استنادا إلى بعض المعاول المصقولة، التي اكتشفت من قبل ذات الباحث البرتغالي، وهي تندرج ضمن سلسلة من الكهوف يصل عددها إلى 100 كهف، تمتد من حي القلعة العليا، مرورا بحي بودغن ووصولا إلى منطقة بني بوبلان، وهي الاكتشافات التي جاءت لتؤكد على أن هذه الكهوف تعود للعصر الحجري المتوسط، وليس للقرن الثالث بعد الميلاد، كما أشارت إليه عديد الدراسات، قبل أن يستقر فيها الإنسان في العهد الروماني، إلى أن تحولت إلى حصن منيع في العهد الزياني، حيث تحصن فيها الزيانيون في معاركهم ضد الحفصيين، لتتحول إلى ملجإ آمن للعديد من العائلات إبان الثورة التحريرية هربا من بطش الاستعمار الفرنسي، حيث تم تحويل عديد الكهوف بمنطقة بني بوبلان إلى منازل، بل قام العديد من السكان بإنجاز سكنات على حواف هذه الكهوف، وتحويل “الغيران” إلى ما يشبه غرف.
محمد ديب.. مصطفى بديع و”الحريق”
بني بوبلان التي تبقى من جانب آخر تحتفظ إلى يومنا هذا بطفولة الأديب الجزائري محمد ديب، الذي قضى معظم طفولته بهذه المنطقة، قبل أن يصبح المكان مصدرا للعديد من كتاباته الأدبية، كما شكلت هذه المنطقة موقعا إستراتيجيا، ومكانا سينمائيا، للمخرج القدير الراحل مصطفى بديع، الذي صور مشاهد سينمائية لرائعته “الحريق” ببني بوبلان، وهو المكان أيضا الذي لايزال يتميز دون غيره من الأماكن الأخرى بروحانيته التي تجذبك إليها تلك السكينة وذلك الهدوء، وأنت محاط بأضرحة لأولياء الله الصالحين، واقفا فوق إحدى تلك الربى التي يمكن أن تمنحك فرصة استثنائية لمشاهدة أجمل وأروع غروب للشمس.
.. يتبع