سلسلة معاناة تؤثر على مردودهم المهني وصحتهم النفسية
يعاني العامل الجزائري بعض المشاكل اليومية، التي تحول بينه وبين الإبلاء حسنا في وظيفته. مشاكل قد تنعكس سلبا على صحته وراحته، وتخلف آثارا على المديين البعيد والقريب، مما يعانيه مع وسائل النقل العمومية، من تأخير ومضايقات.
مشاكل صحية واضطرابات نفسية
من حسن الحظ، أن العمال لا يتمركزون كلهم في المدن الكبرى والأكثر حركية، إذ كشفت دراسة قام بها طلبة باحثون في كلية علم النفس بجامعة بوزريعة أن ألف عامل من العاصمة والبليدة وبومرداس يستعملون وسائل النقل العمومية، يعاني 63 بالمئة منهم من اضطرابات نفسية، تتراوح ما بين الطفيفة والخطيرة، كالقلق، والتوتر الزائد، والأزرق الليلي، وفقدان القدرة على التركيز، والشرود المزمن، والاكتئاب والميل إلى العزلة.. وأكدوا أن الأمر ينعكس على علاقاتهم وحياتهم الاجتماعية. يذكر، أن هؤلاء يقضون ما بين 45 د إلى ساعتين ونصف ذهابا ومثلها إيابا، من المنزل إلى مقر العمل. هذا، فيما أثبتت دراسات أن الأفراد الذين يستخدمون وسائل النقل بصفة دورية على مدار السنة، وبروتين واحد لأكثر من ساعة يوميا، هم أكثر الأشخاص إصابة بأمراض العصر، كارتفاع ضغط الدم، القولون العصبي، السكري، الكولسترول، أمراض القلب، نظرا إلى التأخيرات والازدحام والمشاكل المستمرة في هذه الوسائل.
تراجع في الإنتاجية وملل من العمل
يصل أغلب الموظفين المقيمين في أماكن بعيدة، مرهقين إلى العمل، يبدأ يومهم قبل البقية في اللحاق بالحافلة أو القطار، والانتظار الطويل في كل محطة تقف بها، قد يتلقى البعض توبيخا عن التأخير، ويجد آخرون واجبات متراكمة في انتظار إنهائها قبل تمام الدوام.. ضغط من عديد الجبهات يفقد العامل تركيزه، ويجعله يفكر هنا وهناك، كيف سيعود إلى المنزل مساء، ماذا لو لم تتوفر المواصلات، وهل ستكفيه بقية الراتب لحجز تاكسي أو خدمة توصيل.. هذا كله، يمنع الكثير من العمال الذين لا يملكون مركبات خاصة ولا توفر لهم مؤسساتهم خدمة النقل، الذين تعج به وسائل النقل العمومية، لا ينتجون كغيرهم، سواء تطلب عملهم جهدا فكريا أم عضليا، وعادة ما يستقيلون مبكرا أو يطلبون التقاعد. فهم يمارسون عملهم بملل مهما بلغ حبهم له. وهي حال وداد، المقيمة بمدينة
حجوط ولاية تيبازة، العاملة بمصلحة الضرائب بالبليدة، تشكو وضعها: “أقضي يوميا أزيد من ساعتين في طريقي إلى المكتب، وأحيانا ثلاث ساعات في طريق العودة، رغم أن المسافة لا تتطلب ذلك. ويمكن لسائقي الحافلات التوجه عبر خطوط أسرع، لكنهم يفضلون المرور بالمدن الصغيرة..”. تضيف وداد بيأس: “راتبي لا يسمح لي بشراء سيارة. لذلك، مللت من العمل نهائيا، أخرج في الصباح المظلم وأعود إلى المنزل مساء وقد أظلمت أيضا، أصبحت عصبية مع الزبائن وزملائي في العمل والجميع ينتقد سلوكي، بينما كل ما أفكر فيه طوال الوقت هو كيف أعود إلى البيت دون تأخر”.
مضيعة للوقت وإعاقة للمسؤوليات
تتفق الغالبية العظمى من السيدات على أن السبب الوحيد الذي يجعلهن يكرهن الذهاب إلى العمل، ويتمنين لو يتوقفن عنه، هو ما يواجهنه في طريقهن إليه، من نقص في وسائل النقل، واكتظاظ وشتائم وتحرشات، فضلا عن الوقت الطويل الذي يضيع باستمرار في تأخر المواصلات وزحمة السير وانقطاع الطرقات بسبب الحوادث، أو الأحوال الجوية. مشكل يواجه لامية، ويتعب تفكيرها بين الاستمرار في عملها، لأنها تحبه وهو مصدر الرزق الوحيد لأطفالها، أم تتوقف بسبب معناتها اليومية من الاحتكاك والتحرش في القطار، وضياع وقتها هباء: “عندما أعود إلى بيتي في المساء أنظر إلى كم الواجبات التي كان من الممكن إنجازها، لو لم أتأخر في الطريق، عادة ما لا أحظى بفرصة اللعب مع أطفالي أو مراجعة دروسهم، إلا في نهاية الأسبوع.. أطبخ يوميا على عجل وجبات سريعة تسد الجوع ليس إلا، سئمت وعائلتي من هذا الوضع”. وفي هذا الصدد، تقول الأخصائية الاجتماعية، مريم بركان: “قد يبدو الأمر هينا ولا يستحق النظر، لكن الحديث عن مخلفات وسائل النقل ومعاناتها، ووضعية طرقاتنا اليوم، يستدعي الدراسة فعلا وإيجاد حلول جذرية لمشكل التمركز أيضا، متى أصبح يؤثر على مردودية العامل في منصبه، وعلى نفسيته وحياته الاجتماعية. ذلك أن أكثر العاملين اليوم لا يجدون الوقت المناسب للتنشئة والاستمتاع مع العائلة، وأداء الأدوار المطلوبة. لقد تحول الناس إلى آلات، يعملون ويضيعون يوميا ساعات في الطريق مجبرين، ليحصلوا على المال”.