الرأي

سلطنة عُمان.. آفاق اقتصاديّة كبيرة وشراكات مميزة

بقلم: سيف بن ناصر بن راشد البداعي سفير سلطنة عُمان المعتمد لدى الجزائر
  • 611
  • 0

تحتفل سلطنة عُمان باليوم الوطني المجيد، ذكرى تأسيس الدّولة البوسعيديّة الذي يوافق الـ 20 من نوفمبر من كلّ عام، وتأتي هذه المناسبة في ظل تميز اقتصادي وإنجازات وشراكات استثمارية بارزة مع محيطها الدولي.

وهنا لابد من الإشارة إلى الآفاق الاقتصادية الكبيرة مع الجمهورية الجزائرية التي فتحتها قيادة البلدين الشقيقين جلالة السلطان المعظم هيثم بن طارق وفخامة الرئيس عبد المجيد تبون -حفظهما الله ورعاهما- منذ أكثر من عام، حيث تم خلال زيارة حضرة صاحب الجلالة في شهر مايو الماضي إلى الجزائر التركيز على الجانب الاقتصادي بشكل واضح وتوجت الزيارة بالتوقيع على العديد من مذكرات التفاهم وعلى اتفاقية تأسيس “صندوق الاستثمار المشترك” الذي انطلق التباحث حول مشاريعه بعزم منذ بداية العام 2025م، بعد أن تم التوافق على فكرة إنشاء “صندوق مشترك” خلال زيارة فخامة رئيس الجمهورية إلى سلطنة عُمان في أكتوبر 2024م.

لقد عبّر القائدان في البيان الختامي المشترك عن “تشجيعهما للمشاريع الاستثمارية للقطاعين العام والخاص في مجال الاستثمار”، ولم يكن هذا حديث مجاملات دبلوماسية وإنما انطلق العمل مباشرة بين الحكومتين في العديد من المشاريع في مختلف المجالات، وجاري الاتصال من أجل بداية العديد من المشاريع في مجال صناعة السيارات والحافلات والطاقة والمناجم والأدوية… وغيرها، وطالبا بالتعجيل بتجسيدها وضرورة استكشاف مجالات أخرى للشراكة والتعاون وتبادل المنافع والمصالح بين البلدين الشقيقين.

لقد أسدى القائدان توجيهاتهما السامية بخصوص رفع المبادلات التجارية، وتكثيف الجهود المشتركة من أجل الرفع من حجمها وتطويرها باستغلال القدرات الاقتصادية والتجارية المتوفرة لدى البلدين، ونوها بمخرجات ندوة رجال الأعمال المنعقدة بالجزائر بتاريخ 11 جوان 2024 على هامش الدورة الثامنة للجنة المشتركة العُمانية – الجزائرية، والتي كانت بتوفيق من الله أحد الأسباب الهامة في خلق ديناميكية ثنائية على مستوى هام بين رجال الأعمال.

خلال هذا العام شاركت سلطنة عُمان كضيف شرف للطبعة 56 لمعرض الجزائر الدولي المنظم في جوان 2025 بوفد تجاوز عدد العارضين فيه 60 شركة أغلبها من كبريات الشركات العُمانية برئاسة معالي قيس بن محمد اليوسف وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وبحضور كبار رجال الأعمال، وبتنسيق عالي المستوى من الجانبين وفّقنا في تنظيم ملتقى اقتصادي عُماني – جزائري ركز على المزايا الاستثمارية في البيئة الاقتصادية العُمانية والجزائرية، وتناولت الجلسات الحوارية العديد من القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة، التعدين والأمن الغذائي… وكانت فرصة جمعت المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين من البلدين لمناقشة فرص الشراكة والتعاون، كما تم على هامش المعرض العديد من التنسيق بين مؤسسات كبيرة ومتوسطة وصغيرة من البلدين في مجال الصناعة الصيدلانية والحديد والصلب والمجالات التكنولوجية… وقريباً سيكون هناك مشاريع هامة في مجالات صناعية.

تلتزم بعثتنا الدبلوماسية برؤية عُمان 2040 لذلك نحن نسعى دائما للمشاركة في تحقيق أهدافها على كل المستويات وبشكل خاص الأهداف الاقتصادية، وهذا ما جعلنا نسعى باستمرار للتأكيد للمؤسسات ورجال الأعمال في الجزائر على أهمية المزايا القيمة الممنوحة للاستثمارات الأجنبية في سلطنة عُمان وكذا انفتاحها على جميع فرص العمل مع الأشقاء في كل مكان، ناهيك عن مشاريع الشراكة الاستراتيجية التي تعرفها بلادنا في الفترة الأخيرة مثل مشروع مصفاة الدّقم والصناعات البتروكيماوية بالمنطقة الاقتصادية الخاصّة بالدقم، والمشاريع التي توليها بلادنا أهمية كبرى في مجال الطاقة الشمسية بمحافظة الداخلية ومشروع محطة عبري للطاقة بمحافظة الظاهرة، ومشروع بركاء للطاقة الشمسية بمحافظة جنوب الباطنة.. وغيرها.

لقد وضعت سلطنة عُمان أمام رجال الأعمال مؤسسة خاصة تعرف بـ “صالة استثمر في عُمان” وهي مرجع نوجّه جميع المهتمين بالشراكة نحو ضرورة متابعة موقعه الإلكتروني والتواصل معه لتيسير الاطلاع على الفرص والمناخ الاستثماري الهام في سلطنة عُمان، خاصة المناطق الاقتصادية الخاصّة والمناطق الحرة والمدن الصناعيّة في مختلف محافظات سلطنة عُمان التي تشهد مزيدًا من التركيز على تنفيذ العديد من المشروعات في قطاع البنية الأساسية الممكّنة لاستقطاب الاستثمارات وتطوير التشريعات والترويج للفرص الاستثمارية، وفي هذا السياق يجب الإشارة إلى الاتفاقية التي وقّعها ميناء صحار والمنطقة الحرة مؤخراً لتأجير أرض مع شركة المجموعة الاستثمارية لصناعة الأدوية “شركة منطقة حرة” لإنشاء مصنع لإنتاج الأدوية والمستلزمات الطبية على مساحة 40 ألف متر مربع في المنطقة الحرة بصحار، وباستثمارات تبلُغ نحو 7.7 مليون ريال عُماني (20 مليون دولار أمريكي) مع الشريك الجزائري مجموعة IMGSA لصناعة الأدوية والمواد الطبية، والتي ستبدأ قريباً في توريد منتجات مصانعها في الجزائر إلى سلطنة عُمان، وهذا يؤكد التزام ميناء صحار والمنطقة الحرة بتوفير منظومة متكاملة وجاذبة للاستثمار من شأنها تعزيز حركة التجارة بأفضل الممارسات المستدامة مع الأشقاء.

وسوف تحل الجزائر خلال الأيام القليلة القادمة كضيف شرف النسخة السابعة لمعرض عُمان للزراعة والثروة السمكية والغذاء (Oman Agrofood) خلال الفترة من 01 إلى 03 ديسمبر 2025، بعدما كانت سلطنة عُمان ضيف شرف خلال شهر نوفمبر الجاري في الطبعة العاشرة للصالون الدولي للصيد البحري وتربية المائيات “سيبا 2025” بمدينة وهران، وقد اطلع رئيس الوفد العُماني معالي سعود بن حمود بن أحمد الحبسي وزير الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه على العديد من فرص الشراكة وتباحث مع العديد من المسؤولين الجزائريين في مجالات الزراعة والصيد البحري حول تنسيق العمل، وكان معاليه قد زار الجزائر في شهر فبراير من هذا العام ضمن وفد وزاري عُماني للغرض ذاته.

من خلال أرقام أوردتها وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار العُمانية، منتصف هذا العام، يمكن أن نلاحظ نقلة نوعية للاهتمام الجزائري بالسوق العُمانية عموماً والعكس، حيث أن المساهمة الجزائرية في المؤسسات العُمانية بلغت حتى نهاية عام 2023م أربعمائة وثلاثة وعشرين (423) شركة مقابل مائتين وواحد وخمسين (251) شركة في عام 2022م أي بنسبة نمو بلغت (68.5%) وهذه مؤشرات إيجابية جداً تجعلنا أكثر تفاؤلاً بالشراكة الاقتصادية مستقبلاً، لذلك خلال المعرض التجاري التقى معالي قيس بن محمد بن موسى اليوسف وزير التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وسعادة فيصل الرواس رئيس غرفة تجارة وصناعة سلطنة عُمان في اجتماع مغلق بعدد من كبار رجال الأعمال الجزائريين لمناقشة فرص الشراكة والمزايا الاستثمارية في البيئة الاقتصادية العُمانية، كما كان هناك لقاءات ثنائية مع عدد من معالي الوزراء في الحكومة الجزائرية وكبار المؤسسات الخاصة برجال الأعمال تمحورت النقاشات فيها حول الدفع بالعلاقات الاقتصادية بين البلدين الشقيقين إلى أبعد الحدود بما يخدم الشعبين الشقيقين.

كما أود هنا الإشارة إلى أن وفداً من شركة “بيوفارم” الجزائرية لصناعة الأدوية زار سلطنة عُمان خلال شهر يونيو الماضي في إطار تعزيز التباحث حول فرص الشراكة، ويُرتقب عدد من الوفود الحكومية والخاصة في الفترة المقبلة لتنمية الشراكة في مجال الصناعات الصيدلانية، إلى جانب تقدم المباحثات في المجال اللوجيستي حيث زار معالي وزير الداخلية والنقل خلال هذا العام سلطنة عمان مرتين، وتم تبادل العديد من الوفود في هذا المجال.

لقد تضاعف حجم الاستثمار في المناطق الاقتصادية الخاصة والحرة والمدن الصناعية خلال الخمس سنوات الماضية من 14.12 مليار ريال عُماني (في حدود 35 مليار دولار أمريكي) ليصل إلى 22 مليار ريال عُماني (في حدود 57 مليار دولار أمريكي) حتى منتصف العام الجاري، بينما ارتفع عدد القوى العاملة في هذه المناطق والمدن إلى حوالي 80 ألف عامل وعاملة، كما تم توقيع 138 عقدًا استثماريًّا جديدًا واستحوذ القطاع الصناعي على ما نسبته 97 بالمائة من إجمالي حجم الاستثمار المضاف للنصف الأول من عام 2025م، ومن المؤمل أن تشهد المناطق الاقتصادية والمناطق الحرة خلال الفترة القادمة مشروعات نوعية في عدة قطاعات كالتعدين وصناعة المعادن والهيدروجين الأخضر خاصة في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم التي تعد منطقة واعدة لمثل هذه المشروعات.

واستطاعت المناطق الاقتصادية الحرة والمدن الصناعيّة خلال النصف الأول من العام الجاري إضافة استثمارات جديدة بأكثر من مليار و53 مليون ريال عُماني، إذ تصدرت المنطقة الحرة بصحار المناطق في حجم الاستثمارات التي تم استقطابها بحجم استثمار مضاف بلغ 711.4 مليون ريال عُماني، وجاءت المدن الصناعيّة في المرتبة الثانية بحجم استثمار بلغ 175.2 مليون ريال عُماني، والمنطقة الحرة بصلالة ثالثًا بـ 131.8 مليون ريال عُماني.

وتتميز المناطق الاقتصاديّة الخاصّة والمناطق الحرّة والمدن الصناعيّة بالعديد من المزايا وحوافز الاستثمار كالإعفاءات الضريبيّة والجمركيّة والتملّك الأجنبي بنسبة 100 بالمائة، بالإضافة إلى خدمات المحطة الواحدة، والخدمات الإلكترونيّة العديدة أبرزها إمكانية اختيار الأرض إلكترونيًّا.

وشهدت سلطنة عُمان نموًّا إيجابيًّا في الجانب الاقتصادي في عام 2025م، بفضل جهود التنويع الاقتصادي وتعزيز الإيرادات غير النفطية وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد؛ ما أسهم في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي وجذب المزيد من الاستثمارات وتحفيز القطاع الخاص، حيث حققت خطة التنمية الخمسية العاشرة (2021 – 2025) نتائج إيجابيّة عزّزت الثّقة في مسارات التّنمية الشّاملة والمتوازنة، وأكّدت على ترسيخ انطلاقة سلطنة عُمان نحو التنويع والاستدامة في ظل ما يشهده الاقتصاد الوطني من تطوّر متواصل وتحسّن في المؤشرات المالية والاقتصادية وهو ما يجعل مناخها الاستثماري آمن ومشجع، خصوصاً وفق تميز موقعها الاستراتيجي ومؤشرات الاستقرار الكبيرة التي تميزها، خاصة اقتصاديا حيث سجل الميزان التجاري لسلطنة عُمان حتى نهاية شهر يوليو 2025م فائضًا قدره 3.5 مليار ريال عُماني (في حدود 10 مليار دولار أمريكي)، وحقّقت الصّادرات السلعيّة غير النفطيّة لسلطنة عُمان نموًّا ملحوظًا بنسبة 11.3 بالمائة لتبلغ قيمتها 3 مليارات و890 مليون ريال عُماني بنهاية يوليو 2025م، وأكّدت وكالة ستاندرد آند بورز تصنيف سلطنة عُمان الائتماني عند مستوى الجدارة الاستثمارية “BBB-” مع نظرة مُستقبليّة مُستقرّة، مشيرة إلى التزام الحكومة بالإجراءات المالية وقدرتها على الحفاظ على استقرار أوضاعها الاقتصادية رغم تقلّبات أسعار النفط، وتوقّعت الوكالة نموّ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة من 1.7 بالمائة في عام 2024م إلى أكثر من 2 بالمائة خلال الفترة 2025 – 2028 بدعم من نموّ القطاعات غير النفطية.

هذا وبلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في سلطنة عُمان بنهاية الربع الثاني من عام 2025م نحو 30 مليارًا و279 مليونًا و500 ألف ريال عُماني، مع تدفّقات بلغت 3 مليارات و434 مليونًا و100 ألف ريال عُماني، من جهة أخرى، استقر معدل التضخم في سلطنة عُمان عند مستوى معتدل، ومنخفض بشكل ملموس مقارنةً مع معدل النموّ الاقتصادي المحقّق فعليًّا خلال خطة التّنمية الخمسيّة العاشرة 2021 – 2025، ما يعد إنجازًا مهمًّا يظهر قدرة الاقتصاد العُماني على الاستمرار في النموّ وتجاوز التحدّيات في ظل تنفيذ مستهدفات رؤية “عُمان 2040” واستراتيجيّة التنويع الاقتصادي لرفع معدلات النّمو ودعم أداء مختلف القطاعات الاقتصاديّة ودفعها نحو التوسع وزيادة قيمتها المضافة للاقتصاد الوطني.

يصعب علينا ذكر جميع الجهود التي يقوم بها البلدين الشقيقين لمد جسور التعاون الاقتصادي، لكن نأمل أن تكلل هذه الجهود في تأسيس شراكة استراتيجية بين البلدين ترقى إلى مستوى طموح قيادتها الرشيدة وتحقق الفائدة والنمو للمستثمرين في البلدين اللذين لا يمكن حصر فرص الاستثمار والمتاحة في البلدين.

شهدت سلطنة عُمان نموًّا إيجابيًّا في الجانب الاقتصادي في عام 2025م، بفضل جهود التنويع الاقتصادي وتعزيز الإيرادات غير النفطية وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد، ما أسهم في دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي وجذب المزيد من الاستثمارات وتحفيز القطاع الخاص.

بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في سلطنة عُمان بنهاية الربع الثاني من عام 2025م نحو 30 مليارًا و279 مليونًا و500 ألف ريال عُماني، مع تدفّقات بلغت 3 مليارات و434 مليونًا و100 ألف ريال عُماني

لابد من الإشارة إلى الآفاق الاقتصادية الكبيرة مع الجمهورية الجزائرية التي فتحتها قيادة البلدين الشقيقين، جلالة السلطان المعظم هيثم بن طارق، وفخامة الرئيس عبد المجيد تبون -حفظهما الله ورعاهما- منذ أكثر من عام.

سوف تحل الجزائر خلال الأيام القليلة القادمة كضيف شرف النسخة السابعة لمعرض عُمان للزراعة والثروة السمكية والغذاء (Oman Agrofood) خلال الفترة من 01 إلى 03 ديسمبر 2025.

مقالات ذات صلة