سماسرة في المحاكم.. يبيعون “البراءة” مقابل الملايين
جولة واحدة في المحاكم كافية، لاكتشاف حقيقة ما يجري في أروقة المحاكم الجزائرية من قصص وحكايات يتعرض لها المواطنون مع سماسرة المحاكم الذين يحسنون استغلال حاجتهم لمن يحل عقدهم القضائية، فيقعون بين أيادي مصاصي دماء، فمنهم من يقوم فعلا بالتدخل في عدة قضايا عالقة ويتقاضى مقابل خدماته هذه مبالغ مالية، ومنهم من يبيعون الوهم ويتلاعبون بجيوب الفقراء، يتفننون في خداع المواطنين البسطاء بأكاذيب وسيناريوهات وهمية لكن بمجرد حصولهم على مقابل مادي ينمحي أثرهم.
عرف داء السمسرة انتشارا واسعا في الآونة الأخيرة، بانتشاره بقوة في المحاكم، ليمس أهم مؤسسة في كيان الدولة، على مرأى ومسمع الأغلبية الساحقة للمحامين وأعضاء هيئاتهم وفروعهم، وسنحاول في هذا الروبورتاج، تسليط بصيص من الضوء على بعض ما يجري فعلا في المحاكم الجزائرية وننقل واقع العدالة الذي أصبح يرثى لها والوقوف على بعض السماسرة والنصابين الذين يزدادون عددا في هذه المهنة القذرة التي اختاروها كمورد رزق والجهات التي تُساعدهم في ضمان تحقيق وعودهم لصالح المتقاضين المتعاملين معهم كخدمات التوسط قصد تخفيف حكم قضائي أو إلغائه وذلك من خلال البحث عن أجوبة للتساؤلات التالية، لماذا تنتشر ظاهرة السمسرة بمختلف المحاكم الجزائرية، لماذا يلجأ المواطن إلى هذا النوع من الوساطة، أهي فقدان الثقة بينه وبين القضاء اذ لم يعد يثق بالعدالة فيبحث على وسيط لحل قضيته، أم أن فساد القضاء في بلادنا فتح الباب لظهور هذا النوع من المهن التي تقوم على خرق القانون.
سماسرة بشعار” وسطاء القانون” يملكون مفاتيح المحاكم
هم أشباه المحامين، لهم قدرة كبيرة على انتحال الصفة، لم يتتلمذوا في معاهد ولم يتخرجوا من جامعات الحقوق ولم يتخذوا لهم مكاتب قارة تحدد هويتهم، بل جعلوا من أروقة المحاكم مكانهم المفضل لتصيد زبائن أرهقهم ارتفاع أتعاب المحامي، ثقافتهم واسعة من كثرة حضور المرافعات والجلسات التي تستغرق شهورا، هم خبراء في كل مجالات القانون. يستغلون سذاجة بعض الأشخاص للاحتيال عليهم عبر ادعاء قدرتهم على التدخل في الملفات القضائية لكن من منهم حقيقة يعرف كل كبيرة وصغيرة عن الجلسات والملفات، وعن القاضي الفلاني والمحامي الفلاني.
كما أن لهم علاقات مهمة داخل المحاكم ويصبح لهم شركاء يشتغلون معهم في الخفاء ويمكنوهم من دقائق الملف. ويعرضون خدماتهم على كل من يقصد المحكمة وقدرتهم على التدخل في أي قضية.
التظاهر بالنفوذ سلاحهم وبيع الوهم عملتهم
عدد كبير منهم يمارس مهنة السمسرة داخل المحاكم، حتى إن وجوه بعضهم أصبحت مألوفة من كثرة عدم مبارحتهم المكان، كلامهم المعسول وقدرتهم الإقناعية تجعل المتقاضي الساذج يسقط سريعا في حبائلهم، إضافة إلى تمكنهم من معرفة تاريخ الجلسات وثغرات القانون ومنافذه، وحتى في العقوبات التي يمكن أن يصدرها قاض ما، وما إذا كانت أحكامه مشددة أم مخففة.
ذلك ما يفسر تواجد بعض الوجوه الغريبة عن المحاماة وعن القضاء يوميا أمام الأبواب وفي المقاهي القريبة للمحاكم وقد زاد في هذه الظاهرة المؤلمة قوة وتجذر دخول الهاتف الجوال على الخط لتنشيط لغة المساومات والتفاوضات.
أما سماسرة الكبار فعروضهم الجادة تُنسج فصولها بعيدا عن صخب المحكمة حيث الفنادق المصنفة والمقاهي الفاخرة.
ولإثراء الموضوع اقتربنا من بعض ضحايا هؤلاء والذين أفادوا بتصريحات مقتضبة وأخرى سطحية خوفا من هؤلاء المتلاعبين.
“سمسار لعوب ادعى قرابته بقاضٍ فسلبني مالي”
السيدة “م. وسيلة” تعرضت للاحتيال من قبل أحد السماسرة، حيث تقول بهذا الصدد: لقد قدم لي نفسه على أساس أنه سيقدم لي المساعدة وسيساعد زوجي الذي تورط في قضية مخدرات ظلما، صدقته لأنه ادعى قرابته بقاض سيحكم في قضية زوجي، وما جعلني أصدقه أكثر أخبرني برقم ملف زوجي، لكنه أخذ مني مبلغا ماليا على دفعات، ولم أكتشف أنه رجل مخادع لا تربطه أي قرابة بذلك القاضي إلا بعد صدور الحكم على زوجي والزج به في السجن وقد اكتشفت الحقيقة المرة”.
“كدت أخسر مدخراتي ومجوهرات زوجتي”
أما السيد “ع. بلقاسم” يقول “بسبب رغبتي في تخليص ابني الوحيد من السجن بتهمة تكوين جماعة أشرار، كدت أن أخسر كل أموالي ومدخراتي من الذهب”، بدأت القصة بأحد معارفي الذي اقترح علي ان يأخذني إلى محام يمكنه أن يساعدني على إخراج ابني من الورطة، فذهبت معه الى مكتب المحامي المتواجد بعزازڤة فدخلنا مكتبا كبيرا وجدت رجلين فقدم المحامي نفسه بكل ثقة وأكد لي أنه بإمكاني أن أعتبر ابني خارج جدران السجن، أما الرجل الثاني الذي وجدناه معه لم ينطق بأي كلمة ظل ساكتا وثار استغرابي ولكن أثناء مفاوضاتنا على سعر الخدمة رأيته يلمح لي بوجهه أن لا أقبل كأنه يحذرني من شيء ما، فرفضت من دون أن أفضح ذلك الرجل الشهم، وبعد أن خرجت من المكتب تبعني وأخبرني أن لا أقع في فخ هذا الرجل الذي لا تربطه أي صلة بالقانون والمحاماة وأن لا أورط ابني أكثر”.
ملفات قضائية حسمت خدمات الوسطاء مسارها
عبدو، 28 سنة، يحكي بكل أسى قصته مع العدالة ويقول “قضيت ستة أشهر في السجن ظلما، ذات يوم كنت عائدا الى المنزل من مكان عملي وصدفة مررت بأحد الأحياء وكانت الشرطة تحاصر المكان ولم أشعر بشيء إلا بالشرطة تكبل يديّ لأجد نفسي متهما بسرقة أحد المنازل، حاولت أن أشرح لهم أنني مررت صدفة بذلك الشارع لكن لا أحد صدقني وبقيت ظلما في الحبس الاحتياطي مدة ستة اشهر، إلى أن ذهب أخي الأكبر الى أحد المعارف ودفع له مبلغا ماليا معتبرا فتدخل في مجريات التحقيق ليخرجني من ورطتي ولولاه لبقيت مسجونا ودفعت ثمن جريمة لم أرتكبها.
رأي الشارع الجزائري في هذه الظاهرة
أكد عدد من المواطنين أن المحاكم أصبحت مرتعا للظلم إلا من القضاة والموظفين السامين الذين يخافون الله -على حد قولهم. سعيد، طالب جامعي في الحقوق، يقول “العدالة الجزائرية مشوهة وصراحة من دون تدخلات الوسطاء يمكن للقضايا أن تترسم في رفوف المكاتب لسنوات وتجارب بعض السجناء دليل على ما أقوله، ولا توجد الوساطة فقط في المحاكم فكل حركة نخطوها في المجتمع وللأسف نحتاج لوسطاء ومعارف، لكني أعتبر السمسرة في القضاء طعنا خطيرا في العدالة وهي تمثل أيضا تعديا ما وراءه تعدّ على أخلاقيات مهنة المحاماة”.
الأستاذة الجامعية “هاروني عائشة” تقول” إن الذين يلجؤون إلى السماسرة هم أشخاص فقدوا الثقة في العدالة والقضاء الجزائري، يفضلون خسارة أموالهم على أن يخاطروا ببقاء أحد أقربائهم مسجونا وأنا هنا أتكلم عن المظلومين والأبرياء. أما الذين فعلا ارتكبوا الجريمة يعرفون أنها الطلقة الوحيدة لخروجهم من المأزق”.
أما الدكتور “ن. عمار” يرى أن المشاكل التي تعيشها المحاكم تتمثل بنسبة كبيرة في سماسرة هذه المحاكم الذين يدعمون الظالم على المظلوم بمقابل مادي، يرتفع وينخفض حسب نوعية القضية.
سماسرة المحاكم فيروس خطير يهدد العدالة والمجتمع
من جانبه اعتبر المحامي “ع. محمود” أن سماسرة المحاكم، فئة دخيلة تهدد المحاكم الجزائرية وتسيء إلى العدالة والقانون وتمس بشكل مباشر سمعة المحامين والقضاة وتهز الثقة في العدالة والقضاء من طرف المواطن، فيلجأ إلى هؤلاء السماسرة عندما يكون ملف ما أو دعوى أمام المحكمة.
ويؤكد المحامي “ع. محمود” أنه يصعب القضاء بصفة نهائية على هذه الفئة، وتوعية المواطنين هي الكفيلة بوضع حد لهذه الظاهرة، وذلك عبر حملات توعية في وسائل الإعلام.