الشروق العربي

سمكة أفريل.. من كذبة بريئة إلى مصيبة

الشروق أونلاين
  • 3696
  • 0

عكس الصدق الذي هو من القيم السامية التي أوصانا بها الحبيب المصطفى وحثنا على إتباعها سبحانه وتعالى، الكذب ويا للأسف احترفناه وساهمنا في نشره عن قصد أو عن غير قصد، ولم يكفنا هذا، بل وصلنا إلى تقليد سيرة غريبة عنا بتخصيص يوم الفاتح من أفريل من كل سنة نبيح فيه الكذب بدون حدود أو قيود، فيه استهزاء بالناس واعتبارهم حمقى، وهنا قد يتحول المزاح إلى مشاكل نحن في غنى عنها.

كذبة أفريل دخيلة على مجتمعنا

هي كغيرها من مخلفات الانفتاح على عالم العولمة والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، يقابلها نقص الوازع الديني لدى الأفراد مما يجعلهم ضعاف النفوس، ولقمة سهلة لكل ما هو جديد وغربي، وسمكة أفريل هي كذبة يوم من عام كامل من الصدق يبيح فيه المرء لنفسه تزييف حقائق وخلق الشائعات لا لشيء إلا للمزاح والمتعة، فمنا من ينتظر هذا اليوم بفارغ الصبر ليحبك حبكة سيناريو ما ليوقع به أحدا في الشرك، ويا ويل من سقط فيها، وأمين الذي التقيناه في “بروسات” واحد من هؤلاء، حيث يقول أنه شاب مرح، يحب المزاح كثيرا هو وأصدقاءه، وفي كل سنة يحرص على عدم مرور هذا مرور الكرام وهنا حدثنا كيف أن أحدا من الأهل قام ببيع سيارة له والمشتري قدم له المبلغ المطلوب أوراقا من فئة 500 دينار جزائري، وهنا أخبر أمين قريبه أن المشتري خدعه، ففئة 500 دينار لم تعد متداولة، فحمل المسكين المبلغ بسرعة ليقوم بتحويله في البنك، لكنه اكتشف في الأخير أن ذلك ما هو إلا كذبة أفريل.

وآخرون لا يعترفون به من الأساس ويعتبرونه دخيلا على ثقافتنا خاصة، فكهينة 24 سنة تقول أن كذبة أفريل مثلها مثل باقي الأشياء غير النافعة والتي لا فائدة منها تجد لها مكانا في وسط هش وما يؤمن بها سوى الحمقى والمغفلين، في حين يرى عمي سعيد 50 سنة أنه يمقت هذا اليوم، لأنه مخصص للاستهزاء بالآخرين والسخرية منهم ووصل بهم الأمر إلى حد السخرية من الدين في هذا اليوم، فهناك من يقوم حتى بالتلاعب بعقارب الساعة في المساجد.

للفرحة والمزاح ثمن

وكثيرا ما يذهب ضحية أفريل أبرياء، حيث تتحول كذبة صغيرة إلى مشكلة تعود على صاحبها بالندم والأسى، ولأن خاتمة الأفعال النتائج، والنتيجة ليست بالضرورة ايجابية، فالمبالغة في المزاح الذي يصبح ثقيلا في بعض الأحيان يستوجب نتيجة سلبية حتما تؤدي بصاحبها إلى ما لا يحمد عقباه، وفي هذا يقول عبد الحق 22 سنة الذي التقيناه أمام محطة القطار بحسين داي، أنه مرة أخبر أهله أن جدته مريضة جدا وهي على فراش الموت، وذلك أدى إلى حدوث حالة طوارئ على مستوى العائلة فهب الجميع مهرولين إلى بيت الجدة ولما وصلوا إلى هناك وجدوها سليمة معافاة، ففهموا أن الأمر ما هو إلا سمكة أفريل وغضبوا منه غضبا شديدا بسبب مزحته الثقيلة، وألقوا عليه وابلا من اللوم والنهر وطلبوا منه عدم تجاوز الحدود مرة أخرى.

ومن جهة أخرى، نجد من يقع فريسة لمقالب تحاك على نار هادئة ومنهم حمزة 25 سنة والذي التقيناه ونحن في طريقنا إلى رويسو، حيث يقول “شاء الله المولى عز وجل أن يكون أول أفريل يوما ماطرا، لذلك هاتفني صديقي وألح علي بأن أنتظره في محطة الحافلات بساحة أول ماي، رفضت في بادئ الأمر، لكني وافقت في الأخير، رغم أني كنت متوعكا قليلا، فانتظرته هناك لساعات طويلة حتى هاتفني ضاحكا أنها كذبة افريل، فأقفلت الخط في وجهه غاضبا، وعدت للبيت مريضا وكان ذلك آخر اتصال بيننا وقاطعا علاقتي به.

في حين يقول دحمان 33 سنة وهو ممرض أن أخته اتصلت به وأخبرته أنها وجدت له عروسا وأعطوا لها موعدا في الأول من أفريل لرؤيتها، لذلك أخذ إذنا من العمل بصعوبة كبيرة، ولما وصل إلى البيت تفاجأ بأخته تضحك وتقول “سمكة أفريل”، فغضب كثيرا، لأن كان له ضغط كبير في العمل.

هي إذا مكائد ومصائب تحدث في الفاتح من أفريل، لكن هذه الأكاذيب والشائعات أصبحت السمة الأبرز في كل تعاملاتنا اليومية، حتى أصبح الصدق عملة نادرة في زماننا.

احتراف الكذب في كل زمان ومكان

ولا يحتاج الكذب إلى تخصيص يوم له، فنحن نتفرغ له طوال السنة ويجد له مكانا عند الصغير والكبير، الفقير والغني، الذكر والأنثى، فبدل ذلك كان الأحرى أن يكون ولو ساعة للصدق، والكذب يبدأ من الصغر فهو كالنقش على الحجر، يطلق العنان لخيال الأطفال ويتطور ليصبح إدمانا، وفي هذا يقول سعيد 40 سنة الذي التقيناه أمام المكتبة الوطنية بالحامة “الكذب أصبح أمرا عاديا، والكل يمر كل لحظة فيه مرور الكرام ولا يقفون عنده، فأصبح ضرورة من ضروريات الحياة لا يمكن الاستغناء عنه، مع أني أعرف أنه حرام حتى ولو على سبيل المزاح، وقد يصل بالبعض إلى حد الحلف على المصحف كذبا، لا لشيء إلا لإنقاذ أنفسهم من مآزق كانوا سيقعون فيها.

ودائما في نفس الإطار، فقد يكون وسيلة لحل معضلة وتجنب المصائب كاستعمال الكذب الأبيض مثل تجنب النزاع بين المتخاصمين، وفي هذا يقول علي من تيزي وزو “مرة كنا ثلاثة أصدقاء في الإقامة الجامعية، فاختلف اثنان بسبب اختفاء قارورة عطر، وخوفا من تفاقم الخلاف، قلت أني أخذتها سهوا إلى المنزل واضطررت إلى شرائها”.

أما البعض الآخر، فيزعمون أن الكذب هو نتيجة للشعور بالنقص وعدم الثقة في النفس وإخفاء ما لا يرغب في إظهاره، وهنا تقول سميرة أن البعض يكذب في الخطبة مثلا لتجميل صورة العريس، فيلجأ إلى تزييف حالته المادية والاجتماعية بالكذب ومحاولة التحايل على أهل العروس، خاصة إن كانت هذه الأخيرة من ذوي الجاه والمال.

فاروق زموري إمام مسجد سطاوالي: “الاسلام دين صدق”

 

“بسم الله الرحمان الرحيم، ديننا دين حق والجد ، لقوله تبارك وتعالى: “إنه لقول فصل وما هو بالهزل” الآية 13 و14 من سورة الطارق، فهذا الدين من صفاته الصدق في قوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و كونوا مع الصادقين” الآية 119 من سورة التوبة، والأصل في المسلم لما يتحدث ويتكلم أنه يقول الكلام المعبر عن الحقيقة بمعنى يتكلم بالحق والصدق، أما فيما يتعلق بكذبة أفريل وهو اختيار يوم من السنة بحيث يستباح فيه كل كلام وكل خبر، فهذا الأمر يتنافى مع مقاصد الإسلام ويؤثر على تماسك المجتمع، فالإنسان إن أراد أن يمازح أو يلاطف لا يكون إلا بالصدق وكذبة أفريل هي عادة دخلت على مجتمعنا وتقاليدنا وشرعنا الحنيف، والنبي كان يمازح ولا يقول إلا صدقا عندما قال للعجوز لا تدخلين الجنة، فهذا صدق والعجوز كأنها حزنت فقال لها أنك لا تدخلين على هيأة العجوز وإنما يحولك الله إلى شابة لكي تستمتعي بمتع الجنة فمازحها ولكنه قال الحقيقة، فربنا عز وجل يحول الجميع إلى شباب في سن سيدنا عيسى عليه السلام أي 33 سنة، والمزاح لا يكون على الأصل الذي هو الجد، أي أن الإنسان يحاسب على أفعاله وما ينفعه لقبره، ومع ساعات الجد والتعب لابد من الترويح عن النفس بقليل من اللهو المباح أي المزاح الصادق”. 

مقالات ذات صلة