-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في الذكرى السادسة لاستشهاده

سمير القنطار: جريحا.. أسيرا.. شهيداً

بقلم: عبد الناصر عوني فروانة
  • 1096
  • 0
سمير القنطار: جريحا.. أسيرا.. شهيداً

لم تكن القضية الفلسطينية، في يومٍ من الأيام، قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل كانت ومازالت هي قضية العرب في كل مكان؛ فلأجلها قدّم العرب آلاف الشهداء ومئات الأسرى، إذ لم تخلُ دولة عربية من المشاركة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي أو التمثيل داخل سجونه ومعتقلاته منذ احتلاله لباقي الأراضي الفلسطينية في 5 جوان 1967، فكان هناك أسرى مصريون ولبنانيون وأردنيون وسوريون وعراقيون ومغربيون وسودانيون وجزائريون وتونسيون وسعوديون وليبيون وغيرُهم…

وهؤلاء جميعا يشكلون مفخرة للشعب الفلسطيني؛ فهم الذين سطروا سويا مع إخوانهم الفلسطينيين أروع صفحات الوحدة والتلاحم والنضال العربي المشترك في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وهم من سطروا كذلك صفحات مضيئة خلف قضبان سجونه. لذا ستبقى الذاكرة الفلسطينية تحفظ أسماءهم عن ظهر قلب. كيف لا وهم جزءٌ من التاريخ الفلسطيني والحركة الأسيرة! وسمير القنطار واحد منهم.

“سمير القنطار” شابٌّ لبناني من مواليد عام 1962، وقد عشق فلسطين منذ طفولته، وانخرط في فصائل الثورة الفلسطينية في ريعان شبابه، وحمل البندقية بشجاعة وتقدّم الصفوف دفاعاً عن فلسطين وثراها، وتخطى الحدود وتجاوز حقول الألغام، وعبر البحر إلى نهاريا شمال فلسطين على متن زورق مطاطي مع مجموعة من رفاقه ليقاوم المحتل الإسرائيلي وجهاً لوجه، وليساهم في استعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة.

“سمير” قاوم واشتبك، قبل أن تنفد ذخيرتُه، ويصاب بعدة رصاصات وينزف دمُه ليروي ثرى الوطن العربي الفلسطيني، فيقع أسيراً في قبضة المحتل الإسرائيلي، فتعرّض لأبشع صنوف التعذيب، دون مراعاة لإصابته، وخط على جدران زنزانته بقطرات من دمه أولى حروف مرحلة جديدة في مسيرة حياته. كان ذلك في الثاني والعشرين من أفريل عام 1979. وهو ذات التاريخ الذي اعتمد في الأجندة الفلسطينية يوما للأسير العربي، تكريما ووفاء لكل هؤلاء العرب الذين ناضلوا وضحَّوا واعتُقلوا لأجل فلسطين وقضيّتها العادلة.

وفي الثامن والعشرين من يناير عام1980 أصدرت المحكمة الإسرائيلية المركزية في تل أبيب حكماً بالسجن المؤبد (مدى الحياة) خمس مرات، بالإضافة إلى 47 عاماً، بحق ذاك الشاب العربي.

أمضى “سمير” ربع قرن من الزمن، زادهم أربع سنوات، بل وأكثر من ذلك ببضعة شهور، في غياهب سجون الاحتلال لأجل حرية فلسطين وثراها وحقوق شعبها، ودخل قسرا قائمة “جنرالات الصبر” وهو المصطلح الذي يُطلقه الفلسطينيون على من مضى على اعتقالهم أكثر من ربع قرن، وهو بذلك يُعتبر “عميد الأسرى العرب” على مرّ التاريخ وليس فقط اللبنانيين، باعتباره أكثرهم قضاء للسنوات في سجون الاحتلال بشكل متواصل. هكذا يسجِّل التاريخ الفلسطيني والعربي، وهكذا تحفظ الحركة الأسيرة في سجلاتها.

وعلى امتداد سنوات أسره، تعرّض القنطار للقهر والظلم وقسوة المعاملة كباقي الأسرى الفلسطينيين، لكن ربما معاناته تفوق معاناة الآخرين جراء حرمانه من زيارة أهله وأقربائه طوال فترة سجنه، إلا أن ذلك لم يكسر إرادته، ولم يهزّ ما فيه من معنوياته عالية، فظل سمير ثابتا بشخصيته وملتحما مع إخوانه، ونسج علاقات وطنية واسعة مع كافة الأسرى على اختلاف انتماءاتهم الحزبية، فأحبهم وأحبوه، وتحلى بأخلاق عالية وشجاعة قل مثيلها، فانخرط في الحياة الاعتقالية والنضالية والتنظيمية، وكان نداً قوياً للسجان وما يمثله، وحاضراً دوماً في قلب المعركة، وكان مشاركاً وقائداً في كل المواجهات خلف القضبان بما فيها الإضرابات المفتوحة عن الطعام وما يُطلق عليها بـ”معارك الأمعاء الخاوية”.

وقد شارك الشهيد بفاعلية في تحقيق الانتصارات وتطور مسيرة الحركة الأسيرة. لذا اعتُبر واحدا من قيادات الحركة الأسيرة وأحد أعمدتها الأساسيين طوال فترة سجنه. هكذا عرفناه في السجون وهكذا يشهد له رفاقه وإخوانه ومن عايشوه في سجون الاحتلال.

في العشرين من ماي 1985 رفضت دولة الاحتلال إطلاق سراحه ضمن صفقة التبادل التي أجرتها الجبهة الشعبية- القيادة العامة، ثم أصرّت مرة أخرى على رفض إطلاق سراحه ضمن صفقة التبادل التي أنجزها حزب الله في يناير عام 2004. ثم تحقق وعدُ الحزب الصادق بتحرير سمير أخيراً في 2008.

عاد سمير إلى لبنان حراً منتصراً، ليقول: “لم أعُد من فلسطين إلا لكي أعود إلى فلسطين”، فمن لا يعرف سمير، لا يعرف انتصارات المقاومة.

في 19 ديسمبر 2015، كان موعدُه مع الشهادة حين استهدفت غارة إسرائيلية صاروخية العمارة السكنية التي كان يقطنها في “جرمانا” القريبة من العاصمة السورية، فرحل سمير وبقيت ذكراه حاضرة واسمه محفورا في سجلات الحركة الوطنية الأسيرة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!