-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سنة أولى وعي..!!

التهامي مجوري
  • 358
  • 0
سنة أولى وعي..!!

يترقى الناس في مستويات الوعي، كما يترقون في المكانات التي يتبوؤونها في المجتمعات والأدوار التي يقومونا بها فيها، فمن الناس من يكون في السنة أولى، ومنهم من يبلغ السنة الثانية والثالثة…، وكأنهم في الصفوف الدراسية، ومنهم من لم يبلغ مستوى في ذلك أصلا، وكأنه في مرحلة ما قبل التمدرس، أو لم يلتحق بالتعليم، أو طرد من المدرسة أو فشل في مساره الدراسي لسبب من الأسباب.

ويلاحظ تفاوت الناس وأعمارهم في الوعي، في الفروق التي بين الشعوب المتحركة والمجتمعات الراكدة حاصة، في ممارسة حرياتها وتفاعل نخبها السياسية الاجتماعية، وكيف ترتقي تلك المجتمعات من مستوى إلى مستوى أرقى بفضل الحراك والتفاعل المستمر، فتتجسد تلك المستويات في شكل قيم تشيع في المجتمع، وفي صورة نظم وبرامج وسياسات…

وأوضح ما تكون آثار تلك الفروق الكبيرة في ما بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتخلفة… ففي المجتمعات المتقدمة، التي هي مجتمعات متحركة تلقائيا تُسيِّر أمورها بدقة سير الساعة، الجميع يقوم بواجبه والجميع يحصل على حقوقه بلا منٍّ ولا أذى، بينما في المجتمعات المتخلفة وهي المجتمعات الراكدة غير المنتجة أو غير المستقرة فتعيش في فوضى عارمة دائمة، فيتساوى فيها العالم والعامي والحاكم والمحكوم والغني والفقير والعزيز والحقير… في مستوى واحد من اللاأمن وأللاوجهة ولا غاية مستهدفة ومن ثم لا سعادة ولا طمانينة…، الجميع يشتكي ويسب ويلعن ويندب حظه بسبب ما ضاع من حقوقه وما أصابه من ظلم واستبداد، وما فاته من فرص النجاح…؛ بل إن الجميع يشعر بأن هناك خلل في الواقع الذي يعيشون فيه ويتجرعون مرارته، ويتساوى في كل ذلك الجميع؛ لأن الجميع خاسرون بوجه من الوجوه.

قد يخيل إلينا أن الحكام والأغنياء والمتعلمين، بمنأى عن هذا المردود السيء، وهذه الفوضى المسيئة، ولكن الحقيقة أن هذه الفئة من الناس، لا تكون بمنأى وإنما تختلف عن المحكومين والفقراء وغير المتعلمين، في دفع الضريبة، والشعور بالحاجة والعجز…، فلا أحد في المجتمعات الراكدة بعيدة عن السلبيات المخلة بطبيعة الإنسان التي ينبغي أن يكون عليها.

ولكن الفرق بين المجتمعين المتحرك والراكد، أن المجتمع، يقوم بواجباته تلقائيا من غير منبه له، شعورا منه بالواجب؛ بل إن من تسول له نفسه من أفراده بالاعتداء على الحق العام، فإنه يدفع ثمن ذلك غاليا، بما يتلقى من التحذير والإنذار والعقوبة المالية وحتى البدنية…، بينما في المجتمعات الراكدة والمتخلفة فإن عموم التقصير يمنع الناس من معاقبة بعضهم البعض، فالسلطة لا تتجرأ على معاقبة المخالف في الكثير من المخالفات، رغم وجود القانون الذي ينص على المعاقبة؛ لأن مظالم السلطة أكبر من مظالم الأفراد، بحيث يوجد من بين الناس من يجد طريقا لتعطيل العقوبة؛ لأن الأبواب مشرعة بفضل ما بين المسؤولين من خدمات متبادلة في ظل الفساد الإداري والمالي الذي عم كل شيء… والعجيب أن المجتمعات الراكدة المتخلفة هي التي تتكلم عن الوعي وعن أهميته وعن دوره في نهضات الأمم!! بينما في المجتمعات المتقدمة، لا أحد يتكلم عن الوعي وإنما يمارسه؛ بل إن الكثير منهم غير منشغل به؛ لأنه فهم أن الوعي هو القيام بالواجب الذي على كاهله، والذي هو السبب المباشر في الوفرة وضمان الحقوق… بحيث لا يذكر من اهتمام بالشأن العام الانتخابات.

والذي يهمنا في هذه السنة الأولى للوعي، هو المجتمعات الراكدة المتخلفة التي لا تمل الكلام عن الوعي، ولكنها لم تبلغه ولا بلغت نصفه ولا نصيفه ولا ثلثه ولا ربعه… ولمعترض أن يقول كيف لم نبلغ مستوى السنة أولى وعي، وكأننا لم ندخل المدرسة بعد؟ وفينا الجامعي والخبير والسياسي والعسكري والمناضل….

وجوابي عن هذا الاعتراض يمكن إيجازه في اختبار صغير جدا… اسأل أستاذا جامعيا في أمر من الشأن العام، فستجده لا فرق بينه وبين غيره من عوام الناس في المجتمع، يعاني من نفس المظالم ومن غلاء المعيشة ومن فساد الجيل وتغيره…، مثلما يعبر عن ذلك الملايين من بسطاء الناس، ولا يظهر منه ما تميز به معارف وأكاديميات وما تلقاه في المراكز البحثية والأكاديمية، وكأنه لم يعرف الجامعة ولا التعليم أصلا، في حين أن مستواه المعرفي الذي يتمتع به يؤهله إلى إدراك بعض الأمور التي لا يتنبه إليها عوام الناس، مثل دور المجتمع في كل ذلك، ودور النخبة، ومنها دوره هو نفسه ومن على شاكلته من المتعلمين مثله، من الذين قد يكونون دكاترة واساتذة جامعيين وخبراء في مجالات مختلفة ومتنوعة!! ولكنهم لا يساهمون بشيء في رفع مستوى الشعب.

كل الناس يتكلمون عن الوعي ولم يصلوا إليه، وعدم وصولهم إليه في تقديري أنهم لم ينتبهوا إلى أنهم يجهلون معناه…، فهم يتكلمون عنه باستمرار، السياسي يتكلم عن الوعي، والاقتصادي يتكلم عن الوعي، والمصلح يتكلم عن الوعي، والإمام يتكلم عن الوعي…، ومع ذلك لم يستطيعوا فعل شيء يحرك الساكن، أو يغير الواقع إلى الأحسن والأفضل؛ بل ربما إذا تناولوا عيبا من العيوب وأردوا معالجته، فإنهم سرعان ما ينحرفون بتعليلاتهم بإلقاء جميع الأسباب والمؤثرات الحقيقية على المجهول الذي لا مطمع في الوصول إليه… فالمسؤول يتكلم على من يريدون إفساد البلاد ولا يعينهم ولا يسميهم، والمواطن يتكلم عن العصابة التي أكلت البلاد ويعجز عن معرفة أعيانها والفاعلين الحقيقيين فيها، والنخب تتكلم عن العصب والسطات الخفية، من غير أن يكلفوا أنفسهم البحث عن الأسباب الحقيقية ذات التأثير الفعال.

إن معرفة معنى الوعي والعمل بموجبه، يمكن التماسه في أقدم نظام عرفته البشرية هو نظام الأسرة التي مارست الوعي بالفطرة وبإيجابية عالية المستوى.

على أن جميع أفراد الأسرة يقومون بواجباتهم تجاه بعضهم البعض بتلقائية تامة، وإذا وقع فرد من أفرادها في عجز أو خلل أو حاجة، فإنهم يسرعون مباشرة في إنقاذه بكل سرعة وإيجابية وبكل قوة.

إن الأسرة في تقديري هي أفضل من أدرك معنى مصطلح الوعي ومارسه بكفاءة عالية، حتى والمجتمع متخلفا، ولكن في أدنى مستوياته؛ لأن الأسرة مارست ذلك بما فطرت عليه من قيم تراحمية استجابة لدواعي المشاعر، قبل أن تنتقل إلى قيم التعاقد ذات البعد السياسي.

بينما الناس في المجتمعات المتخلفة عندما يتكلمون عن الوعي، لا يتكلمون عنه كمسؤوليات ملقاة على عواتق الناس كما هو حال الأفراد في الأسرة، وإنما بوصفه إدراكا وحسب، والإدراك وحده لا يكفي للشعور بالمسؤولية، لأن الوعي ليس مجرد إدراك، وإنما هو حرية ومسؤولية والتزام؛ بل هو أعمق من ذلك بكثير، حيث تجتمع فيه الكثير من القيم التراحمية والدينية والتعاقدية بعد ذلك… الممتدة إلى معاني الخلود اللامتناهية.

سنة أولى وعي تبدأ من الأسرة على مستوى الجماعة أما على مستوى الفرد فتبدأ من مرحلة الطفولة، عندما ينظر الطفل إلى الشيء أمامه على أنه غيره، وليس هو، فيحاول التقاطه ووضعه في فمه، وإذا ابتعد عنه هذا الشيء سعى إليه وكأنه يشعر بضرورة السعي إليه وإلقاء القبض عليه… وإلى جانب هذه الحركة المدرِكة التي ينساق إليها الطفل بغريزته وفطرته، توجد لديه مدارك أخرى تتحرك في نفس الاتجاه لامتلاك حاجات أخرى لم يسبق له أن عرفها، مثل التعرف على الوجوه والتفريق بينها، هذه أمه وهذا أبوه وهذا أخوه وهذه أخته وهذا عمه وهذه عمته وهذا خاله وهذه خالته وجده وجدته…، بحيث يلم الطفل في تلك المرحلة المبكرة بكل الوجوه التي يصادفها ويداوم على رؤيتها، ثم هناك جهاز آخر يتحرك بداخله في إطار الاشتغال على جمع المفردات ومحاولة التلفظ بها، وربطها بشخوصها المادية والمعنوية… فلا يخطئ فيمن هو بابا ومن هي ماما….، وعندما يبلغ الطفل السن السادسة من العمر فإنه ينتقل إلى مرحلة جديدة وهي مرحلة الدخول المدرسي والشروع في التعامل مع مستوى آخر، وهو مستوى أعلى وأرفع من التعرف على الأشياء ومحاولة اكتسابها وامتلاكها والتصرف فيها، والتعرف على وجوه الأقارب حتى لا يختلطون بوجوه الغرباء، إن هذا مستوى هو مستوى الإدراك وعالم الفكر.

لقد وصف مالك بن نبي رحمه الله هذه المراحل التي يمر بها الطفل، في كتابه “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”، بعوالم: الأشياء والأشخاص والأفكار…، وهي بلا شك عوالم غير منفصلة فيما بينها، وإنما هي مراحل تحوُّل تبدأ بأدنى مراحلها بملاحظة الأشياء القابلة للتملك والتصرف فيها، ثم التعرف على عالم الأشخاص فيما يتعرف عليه من وجود، وأخيرا عالم الأفكار عندما يتحول إلى معرفة المعاني المعبرة عما يحيط به، وما لها من أسماء وأفعال ونعوت وغير ذلك من المعاني المعبرة عن كل شيء.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!